الصلاة والإنفاق عبادتان أساسيتان في بناء الشخصية المسلمة
باب الريان
13 أغسطس 2011 , 12:00ص
تفســـير القرضــاوي ، في رحاب سورة إبراهيم ( 13 )
آفاق النعم:
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}
انتقلت الآيات بنا إلى أن فتحت أمامنا آفاقَ النِّعم، فكما قلنا سابقا: إنَّ أحد محوري السورة: الحديث عن النِّعم.
وهي تعرض الآن لنا لوحةً يُبيِّن الله لنا فيها عَظَائم نعمه، وأكابر مننه على خلقه، حينما قال عزَّ وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}.
تكرار كلمة: {لَكُمُ}:
انظر إلى كلمة {لَكُمُ} تكرَّرت في سياق هاتين الآيتين خمس مرات.
{لَكُمُ} الله لا يناله شيءٌ من هذا، كلُّ هذا لكم، اللهُ هيَّأ هذه النِّعم كلها من أجلكم.
انظر إلى هذه النِّعَم، أوَّل هذه النِّعم: إنه خلق السماوات والأرض. وخَلْقُ السماوات والأرض أعظمُ من خلق الناس، هذه الأجرام العظيمة السماوات التي فوقنا، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ربنا لك الحمد، مِلْءَ السماوات، وَمِلْءَ الأرض وَمِلْءَ ما شئت من شيء بعد» {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47].
هذه الأملاك العظيمة من ملك الله، وما يتحدَّث عنه الفلكيون: إنَّ بعض النجوم تأتينا أضواؤها بعد كذا وكذا مليون سنة ضوئية، وبعض النجوم لم تأتنا أضواؤها إلى الآن منذ أن خُلقت!!
هذا النظامُ الكونيُّ والمَجَرَّات تُثبت أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق العظيم، خلق الكون من الذرَّة إلى المَجَرَّة، من أصْغر وحدة في الكون إلى أكبر وحدة في الكون، هو خالق السماوات وما فيها من أجرام عظام ومن مَجَرَّات، وخالق الأرض وما فيها وما عليها من ممالك: ممالك الحيوانات، وممالك النباتات، وممالك الحشرات، وممالك الزواحف، وممالك الأحياء المائية، وممالك الإنسان، وممالك الجماد، كلُّ مملكة من هذه الأملاك فيها ما لا يُحصيها إلا الله عزَّ وجل، وكلُّ هذه الممالك في خدمة الإنسان.
هل نزول الماء من السماء أم من السحاب؟
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}
أنزل من السماء ماءً، هو المطر. {مِنَ السَّمَاءِ} أي: من السحاب. أكثر العلماء قالوا من السماء: من السحاب؛ لأنَّ العرب يجعلون كلَّ ما علاك فهو سماء، كل شيء أعلى منك فهو سماء، كما قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15]. إلى السقف، والسبب هو الحبل، أي: يشنق نفسه إذا لم يعجبه الحال، فكلُّ ما علاك فهو سماء، ولذلك قالوا: أنزل من السماء أي: من السحاب.
وبعض العلماء: قالوا: لا. المطر ينزل من السماء نفسها {مِنَ السَّمَاءِ}، والإمام الرازي ردَّ على هذا القول قائلاً: هذا ليس صحيحاً؛ إنما الماءُ من السَّحاب بدليل أن المرء قد يقف على قمّة من الجبل وأسفله سحاب وفوقه الشمس؛ والسماءُ صافية، فهذا دليلٌ مُشَاهَد -وهو ما نسمِّيه نحن التجربة- يقول: هذا دليلٌ مشاهَد لا ينبغي النزاع فيه.
{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وهذا المعنى، العرب قالوه في أشعارهم قديماً، قالوا:
كالبحر يمطره السحاب وما له
فضل عليه لأنه من مائه
البحر يمطره السحاب وما له فضل عليه لأن السحاب من ماء البحر حين تبخَّر.
إخراج الثمرات رزقاً للعباد:
{فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}
أول شيء ذكر فيها {لَكُمْ} هذه {رِزْقاً لَكُمْ} لأنه كيف يحيا الإنسان؟ كيف يعيش؟ إنه القوتُ. –أوَّل شيء- والقوت يأتي من أين؟ من الزرع. الرزق يأتي من الزرع -من الأرض– {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى* كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 53، 54].
الله سبحانه خالق الأسباب:
{فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ} ليرزقكم وليقوتكم وليمدَّكم بالمادة الغذائية التي تحتاجون إليها.
{فَأَخْرَجَ بِهِ} أي: بسبب هذا الماء؛ أي: إنَّ الله جَعَل في الماء قوَّة حيويَّة تؤثِّر في خروج النبات، وهذا هو القولُ الصحيح أنَّ الله يخلق بالأسباب، ربنا يخلق الأشياء بأسباب –بسُنن– بعض العلماء يقول: لا، بها. أي خلق عندها وليس بها.
الله سبحانه قال {بِهِ}، {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ} [الأعراف: 57] الباء هي الأصل، الباء هذه للاستعانة –يُستعان بها كسبب– ولا مانع من أن يخلق الله تعالى بالأسباب بأن يُودِعَ في الأشياء قوَّة، يودعها الله.
القوة المُودَعة:
كما قالوا: إنَّ الله أوْدَعَ في الماء قوَّةً ليروي، وأودع في السكِّين قوَّةً لتقطع، وأودع في النَّار قوَّةً لتُحرق، وهذا هو مذهب السَّلف.
إنكار هذا في الحقيقة -كما قال الإمام الآلوسي-: ضَرْبٌ من الجنون، لأنَّ بعض الناس يقول: من أثبت شيئاً كهذا فهو للكفر أقرب منه إلى الإيمان.
علَّق على ذلك المفسِّر الكبير الإمام الآلوسي فقال: هذا أقرب إلى الجنون وإلى سَفَاهة الرأي، إنَّ ربنا يعطي للأشياء قوَّة.
في بعض المنظومات –قديماً- في علم التوحيد يقول:
ومَنْ يقل بالطبع أو بالعلّة
فذاك كفر عند أهل الملَّة
ومَنْ يقل بالقوَّة المودعةِ
فذاك بِدْعيٌّ فلا تلتفتِ
الذي يقول: الأشياء تعمل بطبعها أو بالعلة خارج الألوهية؛ هذا كفر، أما الذي يقول بالقوَّة المُودَعة، وأنَّ الله جعل في الشيء قوَّة مُودَعة تؤثِّر فيه، ما المانع من هذا؟ يقال: هذا بدعيٌّ!.
وهذا في الحقيقة كما قال الآلوسي: ضربٌ من الجنون.
{فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ} أخرج من الماء النازل من السماء –أي السحاب كما قال الرازي- أخرج به من الثمرات رزقاً لكم.
تسخير السفن في البحار:
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}
البحار العظيمة، نحن نعلم أنَّ حوالي أربعة أخماس الأرض التي نعيش عليها –الكوكب– أربعة أخماسه مياه –محيطات– والخمس يابسة، هذه البحار سخَّرها الله للإنسان كما قال في سورة النحل: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:14].
هنا اهتم بعملية ذكر الفلك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} [لقمان:31]. كيف للبحر أن يحمل الفلك؟
لو رميت مسماراً صغيراً في البحر ينزل في قاع البحر، لكنَّ البواخر على ضخامتها تطفو على وجه الماء كما قال سبحانه وتعالى عن تلك السفن العظيمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} [الشورى:32].
السفن هذه كالأعلام، كالجبال، وكأنَّ القرآن كان يتحدَّث عن عصرنا، البواخر كالمدن العائمة. هذه حاملة الطائرات وحاملة الآدميين... كلُّ هذا وهي تجري في البحر بأمر الله، بتسخير الله، بإذن الله، بمشيئة الله، بالسُّنن والقوانين التي وضعها الله. لولا هذه القوانين لما استطاع الماء أن يحمل هذا الكيان الكبير، ولكن وَفْق قوانين درسناها في علم الأحياء والطبيعة قاعدة (أرشميدس) وبمعرفة هذه القوانين استطاعوا أن يُنشئوا هذه السفن التي هي في البحر كالأعلام: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} [الرحمن:24].
{لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ}: تنقل الناس وتنقل البضائع من بلد إلى بلد، وأظنُّ نحن هنا في بلاد الخليج، هذه الظاهرة واضحةٌ، تأتي لنا في أيام الشتاء فاكهة الصيف من أستراليا ومن جنوب إفريقيا وبالعكس، كيف تأتي هذه الأشياء؟ كيف تأتي الفواكه؟ كيف تأتي اللحوم؟ من بلاد شتَّى. تأتي عن طريق البواخر – عن طريق الفلك – التي تجري في البحر بما ينفع الناس، لأنَّ هذه الأشياء الضخمة والكثيرة لا تحملها الطائرات ولو حملتها الطائرات لكانت أثمانها مُضَاعَفة، فالتي تحملها في الحقيقة هي الفلك التي تجري في البحر بنعمة الله ليريَنا من آياته.
تسخير الأنهار
{ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ}
المياه العذبة نوعان: نوع ينزل من السماء وهو ماء المطر، ونوع آخر يجري في الأرض وهو ماء الأنهار، وقد يكون ماء الأنهار من الأمطار أيضاً، ولكن يتجمَّع في هذه المسارات، وهذه المجريات، فينتقل من بلد إلى بلد، فانظر مثلاً نهر النيل: ينابيعه إما في الحبشة وإما في أوغندا، منطقة البُحيرات الكبرى، تأتي هذه الأشياء من أواسط إفريقيا، تأتي وتمرُّ على بلاد شتّى على الكنغو وعلى السودان، ولتصل إلى الناس في القاهرة، من الذي سخَّر هذه الأنهار؟ وسيَّرها من مكان إلى مكان؟!
هي تنبع في بلد وتصل إلى بلاد أخرى، الذي سخَّرها هو اللهُ، وسخَّر الماء العَذْب ليشربَ منه الإنسان ويرتوي، وتشربَ منه الأنعام، وتُسْقَى منه الزروع ويستعمله الناس في النظافة، ويستعملونه في أشياء كثيرة، هو الحياة: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } [الأنبياء: 30].
المياهُ النعمة العظيمة. في عصرنا يخوِّفوننا، ويقولون: الحروب القادمة ستكون من أجل المياه، من أجل شحِّ المياه، قطرة الماء هذه نعمة عظيمة، الله هو الذي سخَّر هذه المياه، أنزلها من السماء وأجرى بها الأنهار.
تسخير الشمس والقمر دائبين:
{ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ}
الشمس والقمر في السماء ونحن لا ننتفع بهما مباشرة كما ننتفع بالماء أو الفُلك، نحن ننتفع بآثارهما، الشمس، هذا النَّجم العظيم بحرارته العظيمة بأشعته؛ هو الذي يُعطينا الحرارة، يُعطينا الضوء، لولا حرارة الشمس ولولا نور القمر ما قامت الحياة.
الله الذي خلق الشمس والقمر، ووضعهما في الموضع الذي ينفع ولا يضر، ويحيي ولا يميت.
تقديرُ الله سبحانه:
علماء الطبيعة والفيزياء والفلك يقولون: إنَّ الشمس لو كانت أكبر ممَّا هي عليه ما بقيت الحياة على الأرض! الحياة لا تحتمل أشعة أكثر من هذه، ولو كانت أقلَّ ممَّا هي عليه لا تقوم الحياة على الأرض، لو كانت تدور بسرعة أكبر من السرعة التي تدور بها ما انتفعت الأرض بأشعَّتها، لو كانت تدور بسرعة أبطأ لتَسلَّطت عليها أشعة الشمس فأحرقت الأحياء على الأرض، والجانب الآخر منها تموت من البرد – من السقيع –. السرعة التي تدورُ بها الأرض حول نفسها – أي حول الشمس – والتي تدور بها الشمس؛ هذه السرعة، هذا الحد – هذا الكم – كلٌّ مُقَدَّر: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8]، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2].
لا تظنّ أنَّ الأمر فوضى، لا: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]. الماء الذي ينزل في الأرض ينزل بقدر: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } [المؤمنون:18].
فالشمس والقمر وضعهما الله وضعاً معيَّناً لكي يخدم الحياة على الأرض – حياة الإنسان–.
لو أنَّ القمر ليس بهذا الوضع لحصل خَلَل في مسألة المد والجزر القمري، لو أن هذا المد يَسْري باستمرار لجعل البحر يموج ويغرق الناس، أحياناً تسمع البعض يقول: غضب الطبيعة! الطبيعة لا تغضب؛ الطبيعة مُسيَّرة، عندما تقوم الأعاصير -سنامي وغيرها- حينما تهيج البحار، الله هو الذي يُسيِّر هذه الأشياء بقدر من عنده: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، ولذلك سخَّر لنا الشمس والقمر بعلمه وبمشيئته دائبين متتابعين في خدمة الحياة على هذه الأرض، في حركة مستمرة، السماء فيها نجوم كثيرة، وفيها كواكب شتَّى، وذلك من فضل الله تعالى وتقديره وحكمته وعلمه جل شأنه.
ولكن القرآن يُعني دائماً بالشمس والقمر لصلتهما المباشرة للحياة على ظهر الأرض خصوصاً حياة الإنسان. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ}، لأنَّ الشمس والقمر أحسَّ الناس من قديم أنهما نافعان للناس، لذا عبد بعض الناس الشمس والقمر، كما ذكر الهدهد لسليمان عن قول سبأ: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّه} [النمل:24]، ولكن في الحقيقة الشمس والقمر مُسخَّران من قبل الله {وَسَخَّرَ لَكُمُ} فكيف يعبد الإنسان المسَخَّر ولا يعبد المُسَخِّر؟! هذا من غفلة الإنسان ومن جهل الإنسان.
تسخير الليل والنهار:
{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}
الزمن سخَّره للإنسان، كما يحتاج الإنسان إلى المكان ليعمل فيه كذلك يحتاج إلى الزمان - الليل والنهار- ؛ لأنَّ الإنسان لا بد أن يعمل في مكان ولا بدَّ أن يعمل في زمان، والزمان يعبَّر عنه بالليل والنهار، يقال: الليل والنهار لأن الله نوَّع الزمن جعل بعضه ليلاً وبعضه نهارا، {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} [النبأ 10،11]. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ* وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:71-73]. تسكنون في الليل وتبتغوا من فضله في النهار ولعلكم تشكرون، فالله هو الذي خلق الليل والنهار: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف:54].
تسخير الكون للإنسان ووجوب استفادة المؤمنين من هذا التسخير:
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
هذه النِّعم كلها القرآن يؤكد على هذه العبارة: {لَكُمُ} ليعلم الناس أنَّ هذه الأشياء مُسخَّرة لهم، وليعلم أهلُ الإيمان أنَّ هذه الأشياء مسخَّرة لهم، وليست مسخَّرة للأوروبيين ولا للأميركيين وحدهم فيبدعون هذه الأشياء، يُسخِّرون الطاقات ويكتشفون القوانين الكونيَّة وهم بمعزل عن هذا، كأن كلمة {لَكُمُ} ليست لهم. لا، هذه لنا، فلذلك ينبغي أن نستفيد من الطاقات التي بثَّها الله في الكون.
ومن شكر النعم التي أنعم الله بها علينا في هذا العالم: أن نستخدمها ولا نهملها ولا ندع غيرنا يستعملونها ونبقى نحن عالة عليهم، نستورد ولا نصدِّر، ونقلِّد ولا نبتكر، ونستقبل ولا نرسل، لا، {لَكُمُ} يجب أن نعلم أنَّ {لَكُمُ} خطاب للإنسان أول هذا الخطاب للمؤمنين من بني الإنسان، {لَكُمُ} هم الذي ينبغي أن يستفيدوا من هذه النعم قبل غيرهم.
إجابة السؤال بلسان المَقَال أو الحال:
{وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}
آتاكم من النِّعم التي تسألون الله إيَّاها، تسألونه بلسان المقال أو تسألونه بلسان الحال، ليس من الضروريِّ أن تطلبوها بألسنتكم ولكن حاجاتكم إليها هي كأنما سألتم الله، فيعطيكم الله من غير ما تسألوه بألسنتكم، يعطيكم من النِّعم ما لا تطلبونه بمقالكم ولكن تطلبونه بحالكم، الله يعطي بغير سؤال وبغير حساب: {وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}.
كَثْرَةُ النِّعم:
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}
نِعَمٌ ماديَّة، نعم معنويَّة، نعم روحيَّة، نعم أخلاقيَّة، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، نِعَم الله بحيث لو حاولتم أن تعدُّوها لا يمكن إحصاؤها، لا تطيقون حصرها، تعزُّ عن الإحصاء.
والإحصاء: الضبط بالعدد، كان العرب يحصون بالحصى- يعدون بالحصى- فسمِّي الإحصاء بهذا، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} يعزُّ عليكم ويثقل عليكم وتعجزون عن إحصائها؛ لأنها ليست نعمة ولا عشرة ولا مئة ولا ألفا ولا ألفين ولا مليونا.. نعم لا تُعدُّ ولا تُحصى، وكلُّ نعمة فيها آلاف النعم.
لا تقل: نعمة ماذا؟ هناك نعمة الصحة، نعمة العقل، نعمة المال، نعمة الأولاد، نعمة العلم، نعمة الذكاء... كلُّ النعم، نِعَم عظيمة جدّاً، وإن كان الإنسان لا يعرف قيمتها، بعض الناس يشتكي من الفقر، وأنه ليس عنده شيء وكأنما يسخط على الله وعلى القدر، فبعض العلماء قال له: تعال أأنت تقول: ليس عندك شيء؟ قال: نعم لا أملك شيئاً.
قال: أتودّ أن تُؤْخذ عَيْنيك وتُعطى مئة ألف؟ قال: لا. مئتا ألف؟ قال: لا. خمسمئة ألف؟ قال: لا، ألف ألف؟ قال: لا، لو أخذ عينيك الاثنين؟. إذن نأخذ سمعك بكم؟ مئة ألف مئتي ألف.. (فقعد يقول: السمع البصر والحواس الخمس، واليد والرجل ومسك له عقله...) قال: أنت إذن عندك كنوز من النِّعم بآلاف الآلاف، وأنت لا تدري.
معرفة النِّعمة عند فقدها:
كلُّ واحد عنده من النِّعم التي لا يحسُّها، متى يعرفها؟ إذا فقدها، يعرف النعمة عندما يفقدها، كما يقولون: «الصحة تاج على رؤوس الأصحَّاء لا يراه إلا المرضى» لا يعرف قيمة الصحَّة إلا المريض، الصحَّة هذه كأنها تاج، يعني يتوَّج به الملوك، إن الذي يرى هذا التاج هو المريض، الصحيح لا يعرفه.
نعمة اللقمة:
نِعَمُ الله كثيرة، لو أخذت نعمة اللقمة التي تأكلها، هذه اللقمة أولاً تأكلها كيف؟ الله أعطاك الأسنان لتمضغ هذه اللقمة، ووضع الأسنان وضعاً معيَّناً بحيث تساعد على المضغ، يوجد ناب وضرس وهكذا، وبعد أن تمضغها تبلعها، يوجد المريء والحلقوم، وبعد ذلك أين تذهب؟ تذهب إلى المعدة، هذه المعدة التي كتب أحد العلماء عنها: أنها أعظم مصنع كيماوي في العالم، انظر أنت تضع فيها ماذا: لحوم وبروتينات وسكريات ونشويات، وأشياء سائلة وأشياء مائعة، وخليط من هذا وهذا، هل تتفكر كيف تعمل؟ هل أنت تشغِّلها؟ هي تعمل وحدها، هذا المصنع الذي يعمل باستمرار يحوِّل هذه الأشياء إلى عجينة، وإلى مادة أخرى. وبعد ذلك يتمُّ تحويلها، هذا إلى الأمعاء الدقيقة، وهذا يذهب إلى الأمعاء الغليظة، وهذا يذهب إلى كذا، انظر لهذه النِّعمة - الجهاز الهضمي – لو تعطَّل هذا الجهاز كم تكون البلوى!!
هذه اللقمة جاءت من رغيف ملفوف بورق السلفان، وجاء لك من المخبز، هذا المخبز الذي يخبز لك هذا الرغيف – الرغيف الساخن وغيره – أناس يعملون فيه، بعضهم من العرب، وبعضهم من العجم، وبعضهم جاؤوا من إفريقيا، وآخرون من آسيا، جاؤوا من بلاد الدنيا لأجل أن يعملوا لك هذه اللقمة، والفرن الذي يخبز هذا الرغيف، الله أعلم جاء من أين، أجاء من أوروبا أم جاء من اليابان أم من كوريا؟ والدقيق – الطحين المخبوز – جاء من أين؟ من أستراليا أم أين؟ وحملته الفُلك التي تجري في البحر، والناس الذين يعملون في هذا القمح، لو حسبت اللقمة هذه كم اشتغل فيها من أناس حتى أتتك!!
أناس زرعوها في الأرض، أي: إنه لا بدَّ من فلاح عمل من أجل أن يزرع الأرض بمحراث آليّ كهربائي أو بمحراث عادي تجرُّه الأبقار، يعني اشتغل الناس من أنحاء مختلفة من العالم من أجل هذه اللقمة التي وصلت إليك وأنت تأكلها فقط! آلاف مؤلفة من الناس اشتغلوا فيها حتى وصلت إليك وأنت تأكلها (ولم تمر تلك الحقائق في دماغك).
الإمام الغزالي يضيف إلى ذلك فيقول: (كم من الملائكة اشتغلوا في هذه الأشياء– الحاجات التي لا تراها، الأشياء الأخرى – الله هو الذي سخَّر هذا، سخَّر الرياح لتجري الفلك، وسخَّر البحار، وسخَّر الأنهار، وسخَّر الماء ؛ كلُّ هذا من أجل أن تأتيك اللقمة، حتى تعرفَ نعمةَ الله عليك، حينما تأكل وتشبع وتقول: الحمد لله، تحس بأنَّ هذا الحمد صادرٌ عن شعور بنعمة، بل بنعم عظيمة، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}.
عجز الإنسان عن الشكر:
النِّعم عظيمة، والنِّعم كثيرة، والنِّعم أكثر من أن تُعدّ، وأكثر من أن تُحصى، ولكنَّ الإنسان لا يقوم بشكرها، مع أنه كما قال بعض السلف: الله أعطى من النعم على قدره، وكلَّفنا من الشكر على قدرنا – على قدر حالنا – وليس على قدر النعمة، لا يقدر أحدنا أن يقوم بالشكر لله سبحانه على قدر النعمة، حتى ولو شكرت؛ لأنَّ هذا الشكر نعمة من الله عليك، كونه وفَّقك للشكر على النعمة هذه نعمة أخرى، ولذلك يقول الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة
عليَّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
ولو طالت الآمال واتسع العمر
لا يستطيع الإنسان أن يفي شكر الله مهما طال أجله واتَّسع عمره.