يا أهل يثرب

alarab
باب الريان 13 يوليو 2014 , 02:00ص

يا أهل يثرب.. كلمة قصيرة لكنها تعني الكثير، تعني العصبية للقبيلة دون الدين، وتعني العصبية للقبيلة دون الدولة، تعني العصيان لله تبارك اسمه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وخذلان الجماعة المؤمنة تحت مسميات فرعية لا صلة لها بمبدأ سوى العصبية والحمية الجاهلية. كانت تعني العودة لآصرة الدم وهدم ما يتصل بالتناصر لأجل الدين، ثم الدولة التي أسستها صحيفة المدينة.

كانت تعني العصبية بالإثم والتناصر بعيدا عن المنطق والعقل والحكمة، والمصلحة بل كانت للسعي في ضر المدينة، التي يدين الجميع فيها لقائدها صلى الله عليه وسلم بالطاعة والولاء، حتى غير المسلمين.

المدينة من دان يدين، والدين قانون وجزاء، ولهذا فالمدينة مبنية على القانون، والجزاء، والحساب، والجميع فيها يتساوى، ولا فرق، فلا حمية تغلب، ولا عصبية تعلو.

كانت المدينة فرصة للعربي ليبني دولة، وأمة، ويخرج من التعصب لقبيلته سواء كانت مخطئة أم مصيبة ليصبح على بينة من أمره يسعى على بصيرة لمصلحة مجتمعه، أما المنافقون فكانوا يسعون حمية وراء رجل ليس له من مؤهلات تجعله يقارن بالنبي صلى الله عليه وسلم.

كانت المدينة فرصة للمسلم يعبد فيها ربه، ويقيم شرعه، لكن المنافقين يريدون فرصة يخلخلون فيها نظام الدولة التي نشأت واستقرت قواعدها.

صحيح أن النداء لأهل يثرب، أي جميع قاطنيها لكن مصدرها اختار كلمة يثرب وترك كلمة المدينة، فقد عنا هذا تغيير المنطق كله، إلى منطق الجاهلية، ولذا فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تسمية المدينة بيثرب.

لقد حاول اليهود تخريب الألفة في بدايات الهجرة فذكروا الأنصار حرب بعاث، فتهايج القوم ليعيدوها جذعة حية نشيطة مجددا، حتى أتاهم صلى الله عليه وسلم وهدأهم وقال "أبعصبية الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة".

نعم منتنة، ولا يوجد من يدعو باسم أي جماعة داخل مجتمعه ليخرب ألفته ويخرق نظامه إلا ووجدت وراءه حمية وعصبية تحت مختلف المسميات.

إنه درس مهم لكل داعية ألا يخرب نظام مجتمع يعيش فيه، بل يسعى للارتقاء به للأفضل دائما، وها هو المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحد بترك قبيلته وراء ظهره بل طلب أن تكون مسخرة لصالح الجميع من حولها في سياق مجتمعها.

لقد طلب المنافقون أن يرجع أهل يثرب فإنه لا مقام لهم.. أين المقام والأمر حرب؟ وهل كان المنافقون يظنونها لعبة أصلا؟ الوضع الطبيعي أنه لا مقام لأحد، فالمكان غير مستقر والتنقل لمصلحة القتال طبيعي، لكن طلب الرجوع يكشف الخلفية الحقيقية ارجعوا يا أهل يثرب لبيوتكم فإنها مكشوفة، وارجعوا لأموالكم.

كان ما يخفيه ابن سلول وجماعته هو: ارجعوا لجاهليتكم وغروركم وحروبكم ونظامكم الذي لا يعرف إلا أكل القوي للضعيف، وافتراس الغني للفقير، ارجعوا القهقرى للعصبية الجاهلية العمياء.

ارجعوا للدنيا، ودعوا الآخرة، ارجعوا للوثنية واتركوا الإسلام والتوحيد والقرآن والأخلاق.

هل رجعوا؟ لا، بل تقدموا قدما ومضوا، وانتشروا، وصارت كنية الأنصاري ممتدة من مشارق الأرض لمغاربها، لأنهم انحازوا للمدينة وليس ليثرب، انصهروا للأبد تحت كنية الأنصاري وبقيت النسبة للخزرج والأوس تحتها ظلا عابرا.

نعم لقد مضوا قدما، وصاروا علماء صلحاء، فقهاء، قادة محاربين. لم ينحازوا ليثرب بل للمدينة.