

هذه الآية الكريمة التي جاءت في خواتيم سورة الأنبياء لا يدرك حقيقة معناها إلا من استعرض واقع العالم قبل بعثة المصطفي (صلى الله عليه وسلم).
فبعد جهود سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين. وبعد أن أنزل الله (تعالى) ثلاثمائة وبضع عشرة رسالة سماوية. ارتد غالبية أهل الأرض إلى عبادة الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب. ونسوا هدي الله (سبحانه وتعالى) الذي علمه لأبوينا آدم وحواء (عليهما السلام) لحظة خلقهما. ثم أنزله على سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين.
فأهل الجزيرة العربية أرض الكعبة المشرفة. ومهبط أبوينا آدم وحواء. ومحج ومعتمر كل أنبياء الله ورسله كانوا قد نسوا رسالة كل من إبراهيم وولده إسماعيل (عليهما السلام) فأشركوا بالله. وعبدوا الأصنام. والأوثان. والنار. والأشجار والكهوف. والآبار. والحيوانات. والشمس والقمر، وغيرهما من النجوم والكواكب والتوابع. وكان لكل قبيلة من القبائل العربية أكثر من صنم حتى بلغ عدد الأصنام المعروفة أكثر من ثلاثمائة وستين صنما.
كذلك كان اليهود قد فقدوا التوراة أثناء السبي البابلي. فابتدعوا التلمود. وحرفوا الدين. وتاجروا به. وانغمسوا إلى آذانهم في ماديات الحياة الدنيا فضلوا وأضلوا.
وكانت الإمبراطورية الفارسية مرتعا لعدد كبير من الوثنيات المتصارعة. والمعتقدات المبتدعة من أمثال الزرادشتية. والمزدكية. والمانوية. والمجوسية. والصابئة وغيرها.
وبالمثل سادت الهند أعداد من المعتقدات الموضوعة من أمثال الهندوكية. والبوذية. والجينية. وغيرها من الوثنيات القديمة.
وفي الصين سادت كذلك كل من الكونفوشية. والطاوية إلى جانب البوذية وغيرها من الوثنيات القديمة.
وفي الإمبراطورية الرومانية سادت الوثنيات المختلفة حتى اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية في بدايات القرن الميلادي الرابع. وبسبب ضياع أصول الإنجيل فإن أتباع المسيحية في ذلك الزمن كانوا قد انقسموا إلى العديد من الملل والنحل. التي كان التطاحن قد اشتد بين أتباعها. واتهم بعضهم بعضا بالكفر والضلال. وحاول بعضهم القضاء على البعض الآخر عبر سلاسل من الحروب الطاحنة. التي استمرت لعدة قرون. وباستثناء مصر التي كانت مهدا لكل من الحضارات الفرعونية. واليونانية. والرومانية. لم تترك الحضارة الرومانية أثرا لدين صحيح.
ويذكر إسحاق تايلور في كتابه المعنون باسم شريعة يورك عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية ما ترجمته: وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة.
ومن وراء الإمبراطورية الرومانية كانت بقية دول العالم الغربي تحيا حياة همجية. لا يعرف لها فكر محدد. ولا فلسفة حياتية معينة. ولا عقيدة واضحة. ولا أثرا حضاريا يذكر.
وهذا الظلام الذي عم الأرض كانت قد تخللته بكل تأكيد فترات من الهداية الربانية الصحيحة. والإيمان بالله الخالق وحده على يد نبي من أنبياء الله أو رسول من رسله لقول ربنا -تبارك وتعالى- إلى خاتم أنبيائه ورسله: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24).
ولكن كل هذه النذر القديمة كانت أصولها قد ضاعت بالكامل. وابتدع الناس في الدين حتى فقدت الهداية الربانية من أهل الأرض بالكامل. إلا من آحاد من الناس الذين عرفوا باسم الأحناف أو الحنفاء.
لذلك كان أهل الأرض جميعا قد فقدوا نور الرسالات السماوية. وتاهوا في دياجير من الظلم والظلام. ففسدت العقيدة. وشوهت العبادة. وانحطت الأخلاق. وتدنت المعاملات عند أغلب أهل الأرض. حتى أصبحوا في أمس الحاجة إلى نور الهداية الربانية من جديد فمن الله (سبحانه وتعالى) على أهل الأرض جميعا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين).
جاء هذا الرسول الخاتم ليرد البشرية من جديد إلى التوحيد الخالص لله الخالق. وإلى عبادته (تعالى) بما أمر. وإلى الالتزام بمكارم الأخلاق. وإلى الإحسان في المعاملات بين الناس جميعا. وجاء ليذكر الناس بمرحلية هذه الحياة الدنيا القصيرة. وحتمية الانتقال منها إلى الآخرة الأبدية. وأن الدنيا مزرعة للآخرة. فمن أحسن العمل فيها يكرمه الله (تعالى) بالخلود في جنات النعيم. ومن أساء فيها بالخروج على توحيد الله. وعدم عبادته (تعالى) بما أمر. وبالإساءة إلى الخلق. وبعدم الالتزام بمكارم الأخلاق فحسابه عسير وعقابه شديد في الآخرة.