المدفع مظهر رمضاني رئيسي عند المصريين منذ عهد محمد علي
باب الريان
13 يوليو 2013 , 12:00ص
القاهرة - العرب
«مدفع الإفطار.. اضرب»، جملة يعشقها وينتظرها الإنسان المصري في كل مكان عند مغيب شمس كل يوم من أيام شهر رمضان المعظم، وبطل هذه الجملة هو المدفع الذي ارتبط دويه في وجدان الإنسان المصري باجتماع شمل العائلة والدفء الأسري مهما سافر أو ارتحل بعيداً؛ ولمدفع رمضان حكايات وقصص وتاريخ وما زال يثير في نفوسنا دوماً الحنين إلى رمضان ولياليه.
بداية استخدام مدفع رمضان
الكثيرون لا يعرفون متى بدأ استخدام المدفع، ولا حتى قصة استخدام هذا المدفع، وهناك العديد من القصص التي تروى حول موعد بداية هذه العادة الرمضانية التي أحبها المصريون وارتبطوا بها، وحتى علماء الآثار المصريون مختلفون حول بداية تاريخ استخدام هذا المدفع فبعضهم يرجعه إلى عام 859 هجرية حيث تروي كتب التاريخ أن والي مصر في العصر الإخشيدي «خوشقدم» كان يجرب مدفعاً جديداً أهداه له أحد الولاة، وتصادف أن الطلقة الأولى جاءت وقت غروب شمس أول رمضان عام 859هـ وعقب ذلك توافد على قصر «خوشقدم» الشيوخ وأهالي القاهرة يشكرونه على إطلاق المدفع في موعد الإفطار، فاستمر إطلاقه بعد ذلك. ولكن البعض الآخر يرجعه إلى ما بعد ذلك بعشرات السنين، وبالتحديد خلال حكم محمد علي الكبير. فمن الروايات المشهورة أن والي مصر (محمد علي الكبير) كان قد اشترى عدداً كبيراً من المدافع الحربية الحديثة في إطار خطته لبناء جيش مصري قوي، وفي يوم من الأيام الرمضانية كانت تجري الاستعدادات لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة، فانطلق صوت المدفع مدويّاً في نفس لحظة غروب الشمس وأذان المغرب من فوق القلعة الكائنة حالياً في نفس مكانها في حي مصر القديمة جنوب القاهرة، فتصور الصائمون أن هذا تقليد جديد، واعتادوا عليه، وسألوا الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور، فوافق، وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يوميّاً إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام، ولم تتوقف إلا خلال فترات الحروب العالمية.
مدفعان للإفطار
في منتصف القرن التاسع عشر وتحديداً في عهد الخديوي عباس الأول عام 1853م كان ينطلق مدفعان للإفطار في القاهرة: الأول من القلعة، والثاني من سراي «عباس باشا الأول» بالعباسية، وفي عهد الخديوي «إسماعيل» تم التفكير في وضع المدفع في مكان مرتفع حتى يصل صوته لأكبر مساحة من القاهرة، واستقر في جبل المقطم حيث كان يحتفل قبل بداية شهر رمضان بخروجه من القلعة محمولا على عربة ذات عجلات ضخمة، ويعود بعد نهاية شهر رمضان والعيد إلى مخازن القلعة ثانية.
عنصر أساسي
استمر صوت المدفع عنصرا أساسياً في حياة المصريين الرمضانية من خلال المدفع الذي يعود إلى عصر «محمد علي» إلى أن ظهر الراديو، فتوقف إطلاقه من القلعة في أحيان كثيرة، وإن ظل التسجيل الصوتي له يذاع يومياً عبر أثير الراديو والتلفزيون إلى أن قرر المسؤولون أن تتم عملية بث الإطلاق على الهواء في أذان المغرب من القلعة؛ حيث قرر وزير الداخلية المصري «أحمد رشدي» في عام 1983 إعادة إطلاق المدفع من «قلعة صلاح الدين الأيوبي» طوال رمضان في السحور والإفطار فعاد للمدفع دوره ورونقه.
وقف إطلاق المدفع في بداية التسعينيات
في بداية التسعينيات طلبت هيئة الآثار من وزارة الداخلية وقف إطلاقه من القلعة خوفاً على المنطقة التي تعد متحفاً مفتوحاً للآثار الإسلامية، إذ تضم قلعة «صلاح الدين الأيوبي» التي بناها عام 1183م، و «الجامع المرمري» الذي بناه «محمد علي» الكبير وفقاً للطراز المعماري العثماني عام 1830م، علاوة على جامعي «السلطان حسن»، و «الرفاعي»، و «متاحف القلعة الأربعة». وحذرت الهيئة من أن إطلاق المدفع 60 مرة في سحور وإفطار رمضان و21 طلقة كل أذان في أيام العيد الثلاثة تؤثر على العمر الافتراضي لتلك الآثار بسبب الاهتزازات الناجمة عن إطلاقه.
وبالفعل تم التفكير في نقله إلى مكان آخر، واستقر الرأي على جبل المقطم مرة أخرى، حيث تم نقل مدفعين من المدافع الثلاثة الباقية من أسرة محمد علي إلى هناك، وتم الإبقاء على المدفع الثالث كأثر سياحي في ساحة متحف الشرطة بقلعة صلاح الدين يطل من ربوة مرتفعة على القاهرة. وحتى الآن يسمع المصريون صوت المدفع عبر الراديو أو عبر شاشات التلفزيون التي تعتبر من تراث وتقليد رمضان في مصر.