العمارة الإسلامية من أبرز الفنون التي نهضت وازدهرت في حضارتنا

alarab
باب الريان 13 يوليو 2013 , 12:00ص
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني في الفكر الإسلامي تأليف: عصام تليمة
الفنون التي نشأت في إطار الدولة الإسلامية رغم أن الإسلام دين لا يمانع من نقل كل ما هو صالح من الحضارات الأخرى، ورغم تأثره بلا شك في مجال الفنون بالحضارات الأخرى، إلا أنه نشأت في إطار دولته الإسلامية فنون عديدة، يعتبر صاحب السبق فيها، وفي نقلها للحضارات الأخرى. فهناك فنون بلا شك كان الإسلام ناقلا لها، وفنون أبدعها وأتقنها الفنان المسلم، وهناك فنون طورها المسلمون كانت موجودة من قبل، ونقلوها للحضارة الإسلامية، وسوف نفرد حديثنا هنا عن الفنون التي نشأت في إطار الدولة الإسلامية، أو الحضارة الإسلامية، وأولها بلا شك فن العمارة. 1ـ العمارة الإسلامية: من الفنون التي نهضت وازدهرت في الحضارة الإسلامية: فن العمارة الإسلامية، فالمعمار موجود في كل حضارة بلا أدنى شك، ولكن العمارة الإسلامية انفردت دون غيرها بملامح وأشكال وطرائق لم يسبق أن نسج أحد من قبل على هذا المنوال المعماري الإسلامي، ولذا اختلفت الطرز المعمارية في الحضارة الإسلامية، وكان لكل بيئة ما أتاح للفنان المسلم التطوير والتفرد في طراز كل بيئة، فرأينا الطراز المغربي، والطراز التركي، والطراز المصري، والطراز الهندي، وغيره، وكل طراز له ملامحه الخاصة به، وخصائصه التي تميز بها دون غيره، وكل ذلك تحت عباءة واحدة: حضارة العمارة الإسلامية. عمارة المساجد: وأبرز ما تجلت العمارة الإسلامية في بناء المساجد، فقد تفنن المعماري المسلم في إبراز مواهبه وقدراته الفنية في تعمير بيت الله (المسجد)، وهو ما ينفي أكذوبة أن الإسلام ضد الفنون؛ لأنه دين يتبنى الزهد، والبعد عن الاهتمام بالبنيان، ناسين أن الإسلام أعطى لكل بيئة حكما يناسبها، فلما كانت المساجد بسيطة متواضعة، حيث كذلك البيوت والمباني، فأراد ألا يتمايز المسجد، ولما تطورت ونهضت العمارة الإسلامية كان لزاما أن يتماشى بنيان المسجد مع بقية المباني في البيئة المحيطة به. وسوف نفرد كل طراز من الطرز التي شيدت المساجد على امتداد أرض الإسلام بحديث عن أبرز خصائصه ومميزاته المعمارية، لنرى كيف أتقن وتفنن المعماري المسلم في بناء وتشييد المساجد. أـ الطراز المغربي أول هذه الطرز التي نتحدث عنها: الطراز المغربي، والذي امتاز بخصائص مميزة، من أهمها: 1ـ التركيز على بيت الصلاة، والاهتمام بتعميق جوفه حتى يصبح مربعا أو قريبا من المربع. 2ـ الاهتمام بالرواق الأوسط المؤدي إلى المحراب، وجعله أوسع وأعلى سقفا من الأروقة الأخرى. ومن مظاهر الاهتمام بذلك الرواق الأوسط: التأنق في مدخله من ناحية الصحن، فيبدو هذا المدخل وكأنه مدخل رئيسي للجامع. 3ـ الاكتفاء في المجنبات برواقين أو ثلاثة، فيتسع نتيجة لذلك الصحن ويزداد رونقه بهاء؛ لأن بوائك بيت الصلاة والمجنبات تطل عليه في تسلسل متشابه يزيد الشعور بالسعة والعمق. 4ـ الاكتفاء بقبة صغيرة أو قبتين، وتكون القباب دائما فوق الرواق الأوسط. 5ـ جدار القبلة يغطَّى إلى ارتفاع نحو مترين بمربعات الخزف الملون المعروف بالزليج، وتترك بقية الحائط بياضا، وقد تزين بزخارف جصية. أما المحراب فيكون مجوفا بسيطا، وهو في الغالب من الرخام، ويحيطونه بإطار زخرفي خشبي، أو من الزليج، يصل إلى السقف أحيانا في هيئة بديعة. 6ـ السقوف خشبية مزخرفة تلتحم بالجدران بإطارات وأفاريز خشبية منقوشة، ويرتفع فوق المباني سقف محدب يغطى من الخارج بالقرميد الأحمر أو الأخضر، وذلك بسبب كثرة الأمطار في المغرب والأندلس معا. 7ـ جدران المسجد الخارجية كلها ضخمة تشبه الأسوار، وفي بعض الأحيان تقوم على أركان الجدران الخارجية أبراج حقيقية تستعمل للأذان أحيانا. 8ـ المئذنة تسمى الصومعة أو المنارة، وهي في هيئة برج يتألف من بدن مربع مرتفع سميك الجدران، وينتهي البدن بشرفة للأذان، يطلع من وسطها بدن آخر أصغر من الأول تختم به المئذنة فيقيمون عليه قبة صغيرة، وقد ينشؤون فوق البدن الثاني بدنا ثالثا أصغر منه، وتبنى الصومعة في الغالب في الجدار المقابل لجدار القبلة أو خارجه، ويكون لها مدخل خاص من خارج المسجد إلى جانب بابها من الصحن، وقد تبنى من الآجر أو الحجر، وقد تجصص من الخارج أو تغطى بالقاشاني، وتفتح النوافذ الصغيرة في الجدران لتضيء السلم الداخلي، وتكون هذه النوافذ على هيئة زخرفية جميلة تكسر فراغ الجدران. 9ـ تمتاز مساجد الطراز المغربي بمنابرها البديعة التي تعد أعمالا فنية رائعة من الحفر والزخرفة على الخشب. 10ـ بوابات المساجد تكون في العادة ذات فخامة تستلفت النظر، فهي تقوم على عقود حذوة الفرس بفصوص أو بغير فصوص، وعقد المدخل يرتكز على كتف حجري منخفض، وقد يزين الكتف بأعمدة رخامية، وتظل المدخل أحيانا شماسة خشبية مثقلة بالزينة. 11. عقود هذه المساجد مدببة، أو حذوة حصان، وهي تقوم إما على دعائم من الحجر أو الآجر، أو على أعمدة قصيرة من الرخام. 12. تحظى مساجد المغرب جميعا بعناية بالغة، فهي دائما في غاية النظافة والرواء، وتفرش أرضيتها بالسجاد المغربي المسمى بالزرابي. 13. وكل مساجد المغرب –سواء أكانت كبيرة أم صغيرة– تستعمل مدارس، وهي تتراوح بين مكاتب تحفيظ القرآن والجامعات. 14. تتشابه تلك المساجد في المغرب كله تشابها لا نجده في أي طراز معماري إسلامي آخر، فسواء أكان المسجد قديما أم حديثا، وسواء أكان في القيروان أو في أغادير، فإن الهيئة العامة واحدة، بحيث لا يمكن أن يخطئ الإنسان في التعرف على مساجد هذا الطراز. والسبب الرئيسي في احتفاظ الطراز المغربي بشخصيته وتطوره داخل نطاق الخصائص المميزة لكل جزء من أجزاء المبنى هو أن المغرب لم يتعرض -منذ دخول الإسلام- لأي تيار ثقافي خارجي، إلى مطالع العصر الحديث، فبينما تعرضت بلاد الشرق الإسلامي للتيارات البيزنطية والتركية والمغولية والصليبية، فكان لذلك أثره في تغير أشكال طرزه المعمارية، بينما ظل الغرب الإسلامي –من حدود إفريقيا (تونس) على الأقل إلى المحيط الأطلسي– بعيدا عن هذه التيارات، مما أتاح للمعماريين وأهل الفن فيه الفرصة للتطور بفنونهم على نفس الأصول، وفي نفس الخطوط، مما أضفى على الفنون المغربية أصالة فريدة في بابها. ولم يتعرض المغرب لتأثير خارجي إلا من ناحية الأندلس، فكانت العمارة الأندلسية دائما ذات أثر بعيد في عمائر المغرب، خاصة بعد قيام الدول المغربية الكبرى –دول المرابطين والموحدين وبني مرين– وامتداد سلطانها على الأندلس، فأصبح المغرب –وما بقي من الأندلس- بلدا واحدا: سياسيا، وحضاريا، فتبادل الجانبان التأثيرات. وفي العمارة يمكن أن نقول: إنه أصبح لهما طراز معماري واحد، هو الذي يسمى بالإسباني المغربي (- Mauressque Hispano) ونماذجه الكبرى: مسجد الكتيبة في مراكش، ومسجد حسان في الرباط، ومسجد إشبيلية الجامع الذي بناه أبو يعقوب يوسف ثاني خلفاء الموحدين، وهو الذي ما زالت مئذنته باقية إلى اليوم، معروفة باسم برج الدوارة (الخيرالدا)، إلى جانب كاتدرائية إشبيلية التي تقوم مكان ذلك الجامع. بل امتدت تأثيرات الطراز المغربي إلى ما يجاور المغرب من البلاد، فنجده في موريتانيا، وفي السنغال، بل ونجده في بعض مساجد الإسكندرية والقاهرة.