الغبقة عادة قطرية أصيلة صمدت رغم المتغيرات

alarab
باب الريان 13 يوليو 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد سيد أحمد
تتوحد شعوب العالم الإسلامي فيما يتعلق بصيام شهر رمضان الفضيل، وتختلف عادات تلك الشعوب الغذائية والاجتماعية باختلاف ثقافاتها، حيث تجد لكل شعب عاداته وتقاليده الخاصة بشهر رمضان المبارك، والشعب القطري ليس بدعا من الشعوب الإسلامية، فلديه عادات تقليدية خاصة بهذا الشهر, سواء أكانت اجتماعية، مثل: «ليلة القرنقعوه», أو غيرها من التقاليد الموروثة منذ زمن طويل، أو كانت تلك العادات غذائية مثل عادة «الغبقة» التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي عادة رمضانية قطرية أصيلة كانت ولا تزال وسيلة للم شمل العائلات القطرية واجتماعها بعد صلاة التراويح، وقد يمتد اجتماع تلك العائلات على مائدة «الغبقة» حتى ما قبل السحور, كل حسب ظروفه الخاصة، حيث تكون هناك بعض الأكلات الشعبية وأطباق الحلوى، و «الغبقة» واحدة من التقاليد الرمضانية العريقة التي احتفظت بروح التراث رغم الأنماط العصرية والتحولات الكبيرة على مستوى الحياة بشكل عام. «الغبقة» عادة قطرية أصيلة يرى ناصر الكواري أن «الغبقة» عادة قطرية أصيلة, دأب المجتمع القطري على إقامتها في مجالسه لما تمثله وتعطيه من صور رائعة في مجال العلاقات الاجتماعية المتجذرة عند المجتمع القطري في شهر رمضان المبارك, وتظهر مدى الكرم الذي يتمتع به الشعب القطري, والحفاوة التي يستقبل بها ضيوفه, سواء أكانوا من العائلة أو من الجيران، فقد كان الكبار وأصحاب المجالس يقيمون غبقة للجميع دون تمييز، أما اليوم ومع غزو الحياة المدنية للمجتمع فقد تحولت هذه العادة الجميلة من العمومية إلى الخصوصية، بحيث أصبحت وسيلة لاجتماع العائلة الواحدة في بيت الوالد نظرا لمجريات الحياة المعاصرة وإكراهاتها، وهنا لا يسعنا إلا أن نحمد الله على أن بعض عاداتنا وتقاليدنا ما زالت موجودة, وما زالت تسهم في الترابط الأسري خلال هذا الشهر الكريم. ولفت الكواري إلى أن دخول الفنادق والمطاعم الكبرى على الخط حول تقليد «الغبقة» من تقليد قطري خالص إلى نمط عام أفقد هذه العادة كثيرا من قيمتها التراثية، حيث أضافت الفنادق والمطاعم لـ «الغبقة» وجلساتها الشعبية القديمة أنشطة ترفيهية, أضفت عليها نوعا من العصرية إن جاز التعبير، فالمسابقات والأنشطة الترفيهية, وتوزيع الجوائز, كلها أمور استحدثتها هذه الأماكن وأدخلتها في ثقافة الغبقة. تعريف الكلمة ولدى سؤالنا للكواري عن أصل الكلمة واشتقاقها أجاب أن أصل كلمة «غبقة» مشتق من الغبوق باللغة العربية, أي العشاء، وأهل قطر أطلقوا هذه الكلمة على تناول وجبة غذائية في ليالي رمضان يمتد وقت تناولها من بعد صلاة التراويح إلى ما قبل السحور، وبالتالي فـ «الغبقة» بشكل مختصر هي وجبة رمضانية خالصة، وكانت في السابق أيام الأجداد تختلف نوعاً ما عما هي عليه اليوم في أشياء كثيرة، فطابعها ووجباتها كانت مختلفة، وكذلك بالنسبة إلى عدد الحضور, إلا أن التسمية بقيت، ومعنى اللقاء كعادة اجتماعية بقي أيضاً. أشهر أطباق الغبقة أما الأطباق التي تقدم في الغبقة -يضيف ناصر الكواري- فقد كانت في الماضي أطباقا تقليدية تتكون من الأكلات الشعبية، مثل السمك المشوي مع الأرز، والهريس، والثريد، والعصيدة، لكن أطباقها اليوم لم تعد محددة نظرا لتنوع المائدة القطرية، فهناك أطباق عربية وأجنبية، بل إن كل ما يوضع على السفرة للمجتمعين في ذلك الوقت يسمى غبقة، فالمهم في نهاية المطاف هو الاجتماع وتبادل أطراف الحديث بين المعارف، أو العائلات، وتفقد أحوال بعضهم البعض وليس نوعية الأطباق المقدمة. تقليد قطري صامد بدوره يؤكد محمد الراشد على أن «الغبقة الرمضانية» هي تقليد قطري وخليجي صامد رغم تلاشي الكثير من العادات والتقاليد، فقد تعارف أهل قطر -كغيرهم من أهل الخليج- على استمرار هذا التراث المسمى بـ «الغبقة», التي تعتبر إحدى وجبات شهر رمضان التي تعوّد القطريون على إقامتها في ليالي الشهر الفضيل، خصوصا في العشر الأواخر منه، وعادة ما يدعون لها الأهل والأصدقاء في بيوتهم, ويعتبرونها فرصة لتعزيز التعارف والترابط الاجتماعي بينهم، لكن وقتها المناسب الذي تعارف عليه الجميع غالبا ما يكون بين الساعة الحادية عشرة ليلا والثانية صباحا, بحيث يسهل على المدعوين تلبية الدعوة، ويحرص المدعوون على ترسيخ هذه الظاهرة التقليدية عن طريق ارتدائهم للزي الوطني, حتى يتعلم الصغار من الكبار أهمية الموروث الثقافي والشعبي للشعب القطري. ونبه الراشد إلى أن ظروف العمل اليوم تختلف عما كان في الماضي، فالموظفون من الشباب لم يعد لديهم الوقت الكافي لزيارة والديهم كل يوم، بل إن بعضهم أصبح يقضي أسابيع دون أن يجد وقتا لذلك, ويكتفي بالاتصالات الهاتفية نظرا لانشغالاته العملية والأسرية، إلا أن هناك مناسبات دينية واجتماعية يجد الجميع فيها فرصة للاجتماع، وشهر رمضان الفضيل بالطبع أهم تلك المناسبات, فهو شهر عائلي بامتياز، حيث يلتئم فيه شمل العائلات ويأخذ كل واحد من الأبناء عائلته وأطفاله ويتوجهون إلى «بيت العود» (الوالد), ويتحلقون في مجلسهم على مائدة «الغبقة»، ولم تكن الغبقة في الماضي خاصة بالرجال، بل كانت للنساء غبقتهن الخاصة، أما الرجال فقد كانوا يجتمعون على مائدة الغبقة لتبادل الأحاديث, والسؤال عن أحوال بعضهم البعض والترفيه عن النفس، لكن ما تغير في الموضوع هو أن الغبقة كانت في السابق مناسبة خاصة للقاء بالمعارف فقط, ولا مكان فيها للغرباء، بيد أن تطور الحياة وزيادة عدد السكان وعلاقات القطريين بغيرهم من الإخوة العرب والوافدين جعل المجالس العامة مفتوحة للجميع، بينما لا تزال المجالس الخاصة مغلقة على الأهل والمعارف فقط, الذين يحلو لهم اللقاء ويواصلونه حتى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل, وربما استمر البعض في لقائهم حتى موعد الإمساك يتسامرون ويتحدثون في أمور الحياة. عادات لم يبق منها إلا القليل أما عبد المحسن جاسم فيقول إن عادات المجتمعات الخليجية في شهر رمضان لم يصمد منها في وجه المدنية الزاحفة إلا القليل، وما تبقى منها أصبح اسما فقط يخلو من محتواه التراثي، وأضاف: البعض منا في هذه الأيام يظن أن تلك العادات الاجتماعية لا تزال قائمة وهم على خطأ، لأن تلك العادات والتقاليد الباقية إنما بقيت مسمياتها وذهب مضمونها، فـ «الغبقة» على سبيل المثال لم يعد تحضيرها مثل ما كان عليه في السابق, ويجب أن نعترف أنها اليوم مجرد اسم، لكن بمواصفات جديدة لا علاقة لها بما كان يحدث في أيام الآباء والأجداد، فقد كان تحضير الغبقة يعتمد على ما يجلبه الرجال من البحر من أسماك متنوعة, سرعان ما تتلقفها أيادي الأمهات لإحضار وجبة «الغبقة» منها, ليتناولها الصائمون بعد سويعات من طعام الإفطار، علما بأن تحضير وجبة الغبقة من تلك الأسماك كان يتم بطريقة شوائها على الفحم, بحيث توضع على أطباق الأرز أو تناول السمك وحده محمرا، أما اليوم فجميع أنواع الطعام أصبحت تسمى غبقة، وتقدم في المطاعم وليس من جامع بينها وبين «غبقة أيام زمان» سوى الاسم والتوقيت؛ لذا فإن تلك العادات القديمة -ومن ضمنها الغبقة- أسهمت سابقا في الترابط الأسري والتقارب الاجتماعي, عكس ما هو حاصل الآن، ففي الأيام الخوالي كان يجتمع «شياب الفريج الواحد وشبابهم» في ديوانية كبير القوم، أو في مجلس القبيلة العام على مائدة «الغبقة» لاستحضار التاريخ وذكر مآثر الآباء والأجداد وقوتهم وصلابتهم وتمسكهم بالعيش على هذه الأرض, التي كانت طبيعة الحياة فيها قاسية تلك الأيام، وهذا ما يجب أن نستخلص منه دروس وعبر حب الوطن والتفاني في خدمته، فقد أوصل لنا ذلك الرعيل الأول الراية مرفوعة رغم التحديات الجسام، ورغم شظف العيش, لنواصل حملها والتمسك بما خلدوه من عادات وتقاليد عظيمة, كلها تحث على الوحدة والترابط وعطف البعض على البعض، لكن تعقيدات الحياة اليوم واختلاف الأوليات لدى الجيل الجديد أضعفت العادات والتقاليد القديمة, وأسهمت بشكل ما في انقطاع الصلات الاجتماعية التي كانت سائدة في عصر الآباء والأجداد، فقبل خمسة عقود من الآن كانت عادة تبادل الزيارات في شهر رمضان من قبل الجيران في الفريج الواحد راسخة ومتجذرة، بل إنهم كانوا يجتمعون كل ليلة من ليالي رمضان في الديوانية, ويسأل بعضهم عن بعض لمعرفة المسافر للعطف على عياله حتى يعود، ومعرفة المريض للذهاب لزيارته والدعاء له بالشفاء أثناء صلاة التراويح. بناء على هذا أقول: إن تلك العادات الجميلة غابت ولم يتبق منها سوى بعض المظاهر المتعلقة بالطعام. حتى نكهة الطعام اختلفت وأشار عبدالمحسن إلى أن نكهة الغبقة وبقية الأطباق اختلفت كثيرا, ولم يعد أحد يتذوق فيها ذلك الطعم اللذيذ الذي كنا نتذوقه حتى قبل 20 سنة مضت، حيث كانت موائد الإفطار، ومائدة «الغبقة» تصنع في البيوت بأياد كريمة وحنونة، أيادي الأمهات، عكس الحال اليوم الذي تحولت فيه الأطباق إلى أطباق يتم جلبها من المطاعم، أو يترك إعدادها للخدم في البيوت، وهذا ما جعلني أتمسك في شهر رمضان بالتواجد الدائم في بيت الوالد، حيث ما زالت الوالدة أطال الله عمرها وحفظها تحرص على إعداد الكثير من وجبات شهر رمضان المبارك, الذي لم يعد يحمل إلا القليل من المظاهر القديمة، وتغلب عليه الآن مظاهر الازدحام في الشوارع ومراكز التسوق قبل الإفطار، والإقبال على أماكن الترفيه والمقاهي بعده. الأنشطة اختلفت وذكر عبدالمحسن أن الأنشطة المصاحبة لـ «الغبقة» في المجالس اليوم تختلف عما كانت عليه في الماضي، فقد كانت المجالس تكتظ بكبار السن والشباب يتسامرون, ويحكي الكبار أمام الشباب تجاربهم السابقة, وكيف كانوا يعيشون، والمخاطر التي واجهتهم في البحر أو البر, ويستمع الشباب إلى ذلك بحماس شديد، لكن الأمر اليوم اختلف تماما فـ «الغبقة» تحولت إلى اجتماعات من أجل التسلية ولعب الورق والعكوف على أجهزة الحواسيب وأجهزة الهواتف الذكية, بحيث تجد كل شاب منشغلا بنفسه مع هاتفه، بينما العامل يوزع القهوة والشاي على الجميع وكل في واد، وهذا ما جعل الكثير من الشباب يفضل الذهاب إلى الفنادق أو المطاعم والسهر هناك بدل البقاء في المجالس وقتل الوقت في متابعة الإنترنت. هذا شهر العبادة في الوقت نفسه يطالب حسين عبدالله بالابتعاد عن جميع العادات والتقاليد في مثل هذا الشهر وتخصيص كل الوقت لقراءة القرءان والعبادة, وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي يُضاعف أجرها في هذا الشهر الذي يعتبر فرصة حقيقية لتعويض ما بدر من الجميع من تقصير في الأشهر الماضية، وتابع يقول: إن التمسك ببعض العادات في شهر رمضان مرتبط بمدى مسايرتها لحقيقة الشهر الفضيل، وفي نظري فإن عادة الغبقة ووقتها يحولها إلى وسيلة لقتل الوقت في الأحاديث الجانبية والكلام الغير المفيد، فشهر رمضان في نظري يجب أن تصرف ساعاته كلها في العبادة، وإذا كان الموظف يقضي نهار رمضان بين العمل, بحيث لا يجد متسعا من الوقت لقراءة جزء من القرءان في مكتبه نظرا لأجواء العمل والمراجعين، فمن غير اللائق به أن يضيع ليله في جلسات الأكل والأحاديث الغير المهمة، فهذا الوقت يجب أن يستغل في العبادة أو قيام الليل، ولا بأس بتخصيص جزء منه لصلة الأرحام والتزاور حتى لا نقتل أوقات هذا الشهر بين العمل وجلسات «الغبقة» التي يكثر فيها القيل والقال فيما لا طائل من ورائه. وحث حسين, الشباب على التوجه إلى الأندية الثقافية والمشاركة في المسابقات القرآنية والثقافية التي تجريها هذه المراكز, التي نأمل منها أن تخصص الجزء الأكبر من هذه المسابقات لحفظ القرآن الكريم, لأن هذا الشهر هو شهر القرآن.