باب الريان
13 يوليو 2013 , 12:00ص
د.علي محيي الدين القرة داغي
الرأي الثالث من آراء العلماء في ترك التسمية عند التذكية والذابح مسلم «أن التسمية شرط لصحة التذكية مطلقاً في جميع الحالات: العمد، أو النسيان، فمن تركها لم يكن فعله ذكاة شرعية، وأن لحم المذبوح أو المنحور، أو الصيد حرام، وهذا قول لأحمد وهو رأي الظاهرية دافع عنه ابن حزم وعزاه إلى جماعة منهم عبدالله بن يزيد، ووصفه بأنه صحيح الصحبة، وإلى الشعبي وعليه أكثر علماء الإباضية، وعزاه القرطبي إلى ابن عمر، وابن عباس، وابن ربيعة، ونافع، وعبدالله بن زيد الخطمي، وابن سيرين، وأبي ثور، وداود بن علي، وأحمد في رواية.
وقد استدلوا بالآيات الآمرة بالأكل «مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، وبالآية التي نصت على: «وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، حيث تدل بمنطوقه على المنع من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
ونوقش الاستدلال بالآيات الآمرة بالأكل مما ذكر اسم الله عليه بأنها لا تدل على حرمة ما لم يذكر اسم الله عليه، وأما الآية الناهية عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فقد أجيب عنها بعدة أجوبة، منها أنها مخصصة بالآيات والأحاديث الدالة على رفع الإثم على الخطأ والنسيان -كما سبق- كما أجيب عنها بأنها محمولة على المنع من أكل ما أهل به لغير الله، أو الميتة جمعاً بين الأدلة، ويؤكده أنه جاء فيها بعده «وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ» فجاء بيانه في قوله تعالى: «أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ».
وأما الشافعية ومن معهم فقد أجابوا عنها بأن ذكر اسم الله يشمل حالتي الذبح، وحالة الأكل، وبالتالي فإذا ذكر اسم الله تعالى عند الأكل فقد تحقق منطوق الآية، ويعضد ذلك حديث عائشة المذكور سابقاً.
وأما من السنة فكثيرة الأحاديث، منها حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «.... إذا أرسلت كلبك وسمّيت فكل... قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر، قال: «لا تأكل، فإنك إنما سمّيت على كلبك، ولم تسمّ على الآخر».
وجه الاستدلال بهذا الحديث ونحوه أن هذه الأحاديث تعلق الأكل من الصيد بالتسمية على الكلب عند إرساله، كما أن فيه النهي عن أكل صيد لم يسم على الكلب الصائد أو وجد معه كلب لم يسم عليه.
الرأي الرابع: هو الفرق بين الصيد، والذبيحة، حيث ذهب الإمام أحمد إلى أن: من ترك التسمية على الصيد عامداً أو ساهياً لم يؤكل، وإن ترك التسمية على الذبيحة عامداً لم تؤكل، وإن تركها ساهياً أكلت.
قال ابن قدامة بشأن اشتراط التسمية على الصيد مطلقاً: «هذا تحقيق المذهب، وهو قول الشعبي، وأبي ثور وداود» وقال أيضاً: «وعن أحمد أن التسمية تُشترط على إرسال الكلب في العمد والنسيان، ولا يلزم ذلك في إرسال السهم إليه حقيقة وليس له اختيار فهو بمنزلة السكين، بخلاف الحيوان فإنه يفعل باختياره».
وقد استدلوا بالأدلة الواردة من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب التسمية، ولكن دليل الفرق بين الصيد والذبيحة هو ما قاله ابن قدامة: «أن الذبح وقع في محله فجاز أن يتسامح فيه، بخلاف الصيد».
ولكن هذا الدليل غير كاف في إيجاب الفرق بينهما مع وجود الدالة العامة للأمرين.
حقيقة التسمية:
إن التسمية تتحقق عند جمهور الفقهاء بذكر اسم الله فقط عند الذبح أو إرسال الكلب، أو الصقر، أو إطلاق السهم ونحوه، فيقول: الله، أو أي اسم من أسماء الله الحسنى، وسواء أقَرِن بالاسم الصفة مثل أن يقول: الله أكبر، أو الله الرحمن، أم لم يقرن بأن قال: الله، أو الرحمن، أو الرحيم، أو نحو ذلك، لأن المطلوب في الآيات والأحاديث ذكر الله تعالى، وهو يتحقق بما ذكرناه، وكذلك تتحقق التسمية لو قال عند الذبح، أو الإرسال أو الإطلاق «سبحان الله» أو «الحمد لله» أو «لا إله إلا الله» سواء كان جاهلاً بالتسمية أم عالماً بها، ولكن الحنابلة في المذهب المنصوص عليه على أن يقول: بسم الله، ولا يقوم غيرها مقامها.
ولكن الأكمل عند الجميع هو «بسم الله» أو «باسم الرحمن»... إلخ.
هل مسألة الذبائح من العبادات، أم من العادات؟
يظهر من دراسة الموضوع أن المسألة خلافية، فقد صرح السيد رشيد رضا بأنها ليست من العبادات حتى لا تحتاج إلى النية، وعدم إجراء القياس فيها، بل هي من العادات إلا فيما يتعلق بالإهلال في الذبيحة لغير الله تعالى، حيث قال: «إن المسألة ليست من المسائل التعبدية، وأنه لا شيء من فروعها وجزئياتها يتعلق بروح الدين وجوهره إلا تحريم الإهلال بالذبيحة لغير الله تعالى؛ لأن هذا من عبادات الوثنيين وشعائر المشركين فحرم علينا أن نشايعهم عليه أو نشاركهم فيه...».
أقول، ويظهر لي من رأي الشافعية ومَنْ معهم في عدم اشتراط التسمية والنية عند الذبح هذا الوجه الذي ذكره السيد، وهو أن قضية الذبح من حيث هي من باب العادات التي اشترطت فيها شروط خاصة، كما اشترطت شروط في البيوع والإجارات ونحوها مع أنها ليست من العبادات، ولكن يظهر أن الذبائح عند جمهور الفقهاء القائلين باشتراط التسمية هي من العبادات، بل صرّح ابن عبدالبر بما يدل على ذلك فقال: «التسمية في الذبيحة من سنن الإسلام»، ونجد قول ابن العربي أكثر صراحة فقال: «إن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية قال تعالى: «لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ».
كما يظهر ذلك من كتب الإباضية، حيث جعلوا النية شرطاً لصحة الذكاة ومن كتب الحنفية حيث قال الكاساني: «ومنها -أي من شرائط التسمية المبيحة للذبيحة- أن يريد بها التسمية على الذبيحة، فإن من أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا يحل...»، وقال السرخسي: «وإنما يتميز الذكر على الذبح وغيره بقصد منه التسمية، فإذا لم يقصد التسمية لا يحل».