قضية الولاء والبراء في سورة آل عمران

alarab
باب الريان 13 يوليو 2013 , 12:00ص
كتبها وراجعها: مجد مكي
هذه دروس ألقاها فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في شهر رمضان بعد صلاة التراويح في سنتي 1422 و1423هـ، شرح فيها الشيخ بعض ما يتلوه القارئ في الصلاة، واستجلى معاني الآيات وعبرها، وربطها بواقع المسلمين وأحوالهم، وهو تفسير شفوي لم يقدِّمه الشيخ مكتوباً، وهو كذلك تفسير مسجدي. وقد قام الأخ الشيخ عبدالله السكرمي بتفريغ هذه الدروس وكتابتها، وقام بمراجعتها وتصحيحها الشيخ مجد مكي، ورأينا أن نقدِّم هذه الدروس في هذا الشهر المبارك، كما ألقاها فضيلة الشيخ مع بعض التعديلات اليسيرة لتكون زاداً علمياً نافعاً، وأثراً طيباً مباركاً، وجليساً صالحاً كافياً، وأنيساً ناصحاً شافياً من آثار الشيخ في هذا الشهر الكريم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته، على من أرسله ربُّه رحمة للعالمين، وحجَّة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا، وأسوتنا وقائد دربنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه، الذين (آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف:157]، ورضي الله عمن دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين. ثم أما بعد.. فيا أيها الإخوة والأخوات: قد استمعنا إلى قول الله تعالى في سورة آل عمران، في الربع الأخير الذي استمعنا إليه: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ). قضية الولاء والبراء، أو الموالاة والمعاداة، من يوالي المؤمن ومن يعادي؟ والمفروض أن المؤمن يوالي الله ورسوله والذين آمنوا، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: 55-56]. ما معنى الولاء أو الموالاة؟ الموالاة أو الولاء، يتضمَّن أمرين: المودَّة القلبيَّة، والنصرة العمليَّة، وقد تكون الموالاة بأحدهما فقط، أو بالاثنين معا، فقد يوالي الإنسان أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء الأمة، بأن يوادهم، وهم يحادّون الله ورسوله، كما قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة:22]. ومعنى يحادون الله ورسوله: يحاربون الله ورسوله، ويعادون الله ورسوله. هل تجوز مودَّة الكافر المسالم؟ الكافر الذي لا يحادّ اللهَ ورسولَه، ولا يعادي اللهَ ورسوله والمؤمنين، ليس بينه وبين المؤمنين قضية، بل يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة كافرة، يهوديّة أو نصرانيّة، كما قال الله: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). فيجوز للمسلم أن يتزوَّج امرأة محصنة يهوديَّة أو نصرانيَّة، ومعنى أن يتزوجها: أن يكون بينهما مودة، فلا يمكن أن يكون زواج بدون مودَّة، والله تعالى يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21]. فما دام أجاز زواجها، وأباح نكاحها، فلا بد أن تكون بينه وبينها مودة ورحمة، فهو أمر طبيعي، ولذلك قال ابن عباس: لا يجوز الزواج من قوم حربيين؛ لأن هؤلاء لا تجوز موادتهم، واستدل بقوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة:22]. دستور العلاقة بغير المسلمين: ففي موقفنا ممَّن عادى الله ورسوله وعادى المؤمنين، يجب أن نفرق بين أمرين، عندنا آيتان في القرآن تحددان العلاقة بغير المسلمين، وذكرتُ في كتابي "الحلال والحرام" من قديم: أنهما يعتبران بمثابة الدستور، الذي يحدد علاقة المسلمين بغيرهم. فالآية الأولى تقول: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8]: الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، لا ينهاكم الله أن تبروهم، فلهم البر ولهم القسط. والقسط هو: العدل في المعاملة، أي: تعطيهم حقهم، وتأخذ حقك. أما البر فهو الإحسان، أن تزيد على الحق، فتعطيهم حقهم وزيادة، وتتنازل عن شيء من حقك. فعبر الله عن هذا بكلمة (البر) التي هي أعظم ما يعبر به المسلمون عن أقدس الحقوق بعد حق الله: (بر الوالدين). (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) فبر غير المسلمين لم ينه الله عنه، بل إن الله ختم الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8]. فهو يكره الظالمين، ولا يهدي القوم الظالمين. فإذا كان الكفار لم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، فلا بأس أن نبرهم ونقسط إليهم. أما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ)، فالولاء لمثل هؤلاء هذا الذي ينهى الله عنه، (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:9]. وفي آية أخرى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51] أي: أصبح في زمرتهم، وكأنه واحد منهم، ولو استحل هذا، يكون كافرا بإطلاق والعياذ بالله. فالقرآن في السورة التي معنا يقول الله فيها: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) يقصد هنا بالكافرين: المعادين، الذين يحادُّون اللهَ ورسولَه، الذين قاتلوا المسلمين في الدين، أو أخرجوهم من ديارهم، أو ظاهروا على إخراجهم، فالنهي أن يتولى المسلم هؤلاء. ضرورة تكتل المؤمنين وتناصرهم: إنما يوالي هؤلاء بعضهم بعضا، كما في سورة الأنفال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الآية: 73]، هم يوالون بعضهم بعضا، ولذلك يقول فقهاؤنا: الكفر كله ملة واحدة. وهذا ما بيَّنه الله في قوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 19]. وإنما يوالي المسلم أخاه، كما أمر الله بذلك في آية الأنفال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الآية:73]، ومعنى: (إلا تفعلوه): إلا يوالي بعضكم بعضا، كما يفعلون هم، ويتكتل بعضكم مع بعض، وينتصر بعضكم لبعض، (تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)، فهم يتعاونون، ويتساعدون، وأنتم تتخاذلون وتتفرقون، وهذا خطر، فهو يعني تجمُّع في جانب الباطل، وتفرّق في جانب الحق، إيجابيّة في جانب الكفر، وفراغ وسلبيّة في جانب الإيمان، هذا هو الخطر، (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ). ولذلك الآية التي استمعنا إليها اليوم في سورة آل عمران: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، يجعلهم أولياء على حساب جماعته، (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ): يترك المؤمنين ويتخلى عنهم، ويوالي الكفار، كما رأينا -للأسف- في الحرب التي نراها، بعض المسلمين سارع في هوى الكفار، وسار في ركب الكفار، على حساب إخوانه المسلمين، وهذا خطر لن يدركوه إلا في عاقبة الأمر، سيرون أن هذا كان خطرا عليهم هم أنفسهم، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ). وهذه عبارة لم تأت في القرآن إلا في هذا الموقف، لم تأت في زنى ولا في خمر، ولا في القتل، ولا في أي شيء من المعاصي، إنما أتى بها هنا في موالاة الكافرين على حساب المؤمنين، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) ليس من الله في قليل ولا كثير، ما أبعده عن الله، وأبعد الله عنه. التَّقيَّة حالة استثنائية: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) إلا بقدر الضرورة، إذا أجبرتكم الأمور، والظروف، إلا بالإكراه، فإن الله قال عن الكفر: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: 106]، فالمضطر لا إثم عليه، (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: 173]. والتُّقاة أو التَّقيَّة هنا استثناء، فليست مبدأ أصليا في الدين، كما تفعل بعض الطوائف، وإنما في ظرف معين، وفي قضية معينة، وليس أصلا من أصول الدين وليس أصلا من أصول الحياة الإسلامية. فبعض الطوائف تجعل منها أصلا وأساسا دينيا، وكأنه يلبس ثوبا يتنكر فيه، غير ثوبه الحقيقي، ووجهه الحقيقي، وهذا لا يجوز. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ الْمَصِيرُ). خطورة موالاة أعداء الدين: ختم الله الآية بذلك، ليخوِّف عباده المؤمنين، ويبيِّن لهم خطورة هذا الأمر، فإن أخطر ما يواجهه المسلمون، موالاة غير الله، وموالاة غير المؤمنين، على حساب المؤمنين، وهذا هو النفاق والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء:138-139]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) [النساء: 144]. فلا يجوز للمسلم أن يتَّخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقِّهنا في دينه، وأن يجعل ولاءنا له ولرسوله، وللذين آمنوا، وأن يجعلنا من حزبه الغالبين، ومن جنده الصادقين، اللهم آمين. وصلِّ اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.