الإسلام خاتم الرسالات السماوية
باب الريان
13 يونيو 2017 , 12:06ص
الدوحة - العرب
تنشر «العرب» وبصورة حصرية على صفحات ملحق رمضان طوال أيام الشهر المعظم، حلقات من كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي جاء بعنوان: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان: ماذا أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟»
قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقاله السابق وهو جزء من كتاب "القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان" والذي ينشر حصرياً على صفحات "العرب" طوال أيام شهر رمضان المعظم":
أي دين من الأديان الكتابية نرتضيه؟ فالأديان السماوية المعروضة على الخلق ثلاثة: وأول هذه الديانات الثلاث الديانة اليهودية، وثانيها: الديانة المسيحية: ويضيف فضيلته وكذلك أرسل الله للناس المسيح عيسى ابن مريم، ولكنهم كفروا به وكذبوه، وكادوا له مع خصومه، من الوثنيين والظالمين.
وقد أتى المسيح عيسى ابن مريم بالديانة السماوية الثانية، ومعها الكتاب السماوي الثاني، وهو: الإنجيل، وكان المفروض أن يؤمن اليهود بعيسى، كما آمنوا بموسى عليهما السلام، ولكنهم تنكَّروا له، وكانوا من أشد أعدائه، والكائدين له، والصادِّين عنه.
وكانوا من الذين شاركوا في محاولة صلب عيسى وقتله، {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:157- 158].
عيسى ابن مريم أعلن أن رسالته موصولة برسالة موسى عليهما السلام، (مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّاموسَ، أَوِ الأَنْبِيَاءَ، مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ، بل لِأتَمِّم) ولذلك اعتبرت التوراة من (الكتاب المقدس) عند المسيحيين، فهم يؤمنون بالتوراة وتوابعها، من نبوة إشعيا، ومزامير داود، وما كان عند سليمان، وما جاء به الأنبياء الآخرون قبل.
ولم يدَّعِ عيسى أنه بعث برسالة عامة، بل هو مبعوث إلى بني إسرائيل، كما قال: ((إنما بُعِثْتُ إلى خراف بني إسرائيل الضالة))، وقد جاء المسيح منذ أكثر من ألفي سنة، برسالة أساسها رسالة موسى، أو شريعة موسى، أو الناموس الذي جاء ليتمِّمه، لا لينقضه.
وقد أعلم قومه أنه جاء ليبشرهم بمن يكون بعده، بمن سماه: (الفارقليط)، وهو المُسمَّى من الحمد، اسم مشتق من الحمد، أي: محمد أو أحمد، أو حامد، أو محمود، ونحو ذلك، فكلها مشتقة من الحمد.
وثالثها: الديانة الإسلامية، وقد مضت القرون بعد القرون، وقامت إمبراطوريات وتطوَّرت، ثم ضعفت، ثم انمحت، وقام غيرها وغيرها، وتغيَّر العالم من حولنا في مبانيه ومعانيه، وفي ضميره وفي روحه، أفلا يستحق الناس ما بشَّر به المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، هذا الذي يأتي من بعده، يعلِّم الناس الهدى ودين الحق، ويظهر دينه على الدين كله، الحقيقة أن موسى وعيسى عليهما السلام كانا رسولين عظيمين من رسل الأديان السماوية، أنزل الله عليهما كتابين، وبعثهما رسولين، ولكنهما لم يُبعثا بالدين الخاتم، الذي يُعلن أنه هو الذي ختم الله به النبيِّين، وليس بعد كتابه كتاب، ولا بعد رسوله رسول، ولا بعد شريعته شريعة.
وهذا لم يقله نبي بعثه الله برسالته، إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أعلن من أول ما أرسل: أنه مرسل إلى العالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، {تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1].
كما أعلن في كتابه الذي نزله الله عليه أن الله ختم به النبيين، كما قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40].
وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "أنا خاتم النبيين، فلا نبي بعدي"، وأجمع المسلمون من أول بعثته إلى يوم الناس هذا وإلى أن تقوم الساعة أنه خاتم النبيين.
وقد جمع الله في شريعته: الأصول اللازمة للحياة الإنسانية المتكاملة والمتوازنة، في العقائد والعبادات، والأخلاق، والآداب، والمعاملات، في حياة الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمة، والعلاقات الدولية، في الحياة الروحية، والفكرية والاجتماعية، والسياسية، والدولية، وفي السلم والحرب، وفي حالات الصلح، وحالات النزاع.
رسالة موسى في حينها كانت أصلح شيء لبني إسرائيل، ثم لما تطاولت القرون، احتاج الناس إلى رسول آخر، برسالة متمِّمَة، يحل فيها بعض ما حرم الله عليهم، ويخفِّف بعض التعسيرات، والتطبيقات، والشكليات التي أدخلوها على الدين، فأرهقوا الناس من أمرهم عسراً، وشدَّدوا عليهم ما يسَّر الله، وكانت رسالة المسيح، التي رفضها أولئك الإسرائيليون، الذين ذمَّهم المسيح بأقسى الكلمات.
وجاء المسيح بهذه التخفيفات، ولم يجئ بدين عام يصلح للخلق كلهم إلى أن تقوم الساعة، وينتقضَ هذا الكون، فكانت رسالته إلى مئات من السنين، ثم يُفسَح الطريقُ إلى الرسالة العامة الخالدة، التي بعث الله بها رسوله محمداً، وهي الرسالة التي وصفها أحد أتباعه، وهو حسن البنا بأنها: الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضاً حتى شملت آفاق الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة.
وقد مضى على المسيح أكثر من ألفي سنة، ولم تظهر نبوة يمكن أن يسمعها الناس، ويجدوا فيها ما يشبع نهمهم، ويسد فراغهم، ويملأ حياتهم، ويجيب عن أسئلتهم، ويضع كل شيء في موضعه، إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والعقيدة الإسلامية المؤسَّسة على التوحيد الخالص للمعبود، الذي لا شريك له، ولا ند له، ولا ضد له، ولا مثل له: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} [الشورى:11]، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:3-4].
وهي عقيدة تشمل الإلهيات المتعلقة بذات الله تبارك وتعالى، المتَّصفة بكل كمال، المنزهة عن كل نقص: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255].
وتشمل العقيدة كذلك صفاته تعالى الإيجابية: كالقدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، وكلها أثبتتها الأدلة العقلية للإنسان، والأدلة النقلية للوحي الإلهي، مما يأتي في القرآن الكريم، وما يؤيده من أحاديث الرسول.
والصفات السلبية: التي تنفى عن الله ما لا يليق بكماله في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، مثل أن يكون له ولد أو شريك، أو نحو ذلك مما قاله الوثنيون، ووقع في أمثاله بعض أهل الكتاب، كما نسبت التوراة إلى الله ما لا يجوز أن ينسب إليه، مما لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى.