«غزوة بدر».. توظيف المكان واستغلال الطقس وإدارة حكيمة للمعركة
باب الريان
13 يونيو 2017 , 12:07ص
احمد حافظ
بدأت معركة بدر، ودارت رحى الحرب بين معسكرين: معسكر اعتمد على عدده وعتاده، ودخل الميدان في كبر وخيلاء الشرك والضلال، وأراد الانتقام لكرامة الأوثان المهدرة. ومعسكر تمترس بالإيمان بالله الحق، واعتمد على هدي رسول كريم يرى بنور الله، وينطق بوحي من الله. فكانت النتيجة أن جنى كل معسكر ثمرة ما زرع، وحصل كل معسكر نتيجة ما قدم.
تجلت هذه الثوابت في مقدمات الدخول لميدان المعركة، وأفرزتها النتيجة التي ارتفعت فيها راية التوحيد، ففي هذه المعركة لم يمهل الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين –منذ البدء- فرصة الاستفادة من الظروف الطبيعية لمكان الاقتتال، بدءاً من مصادر الماء، وانتهاء بالشمس، حيث وصل الرسول إلى ميدان القتال من فجر يوم المعركة، وجعل الشمس من خلفه، حتى إذا ما لاقى العدو كانت الشمس في عيون العدو، فتصيبهم بالعشا، وكان سلاحاً طبيعياً حارب في يده صلى الله عليه وسلم، ويشف عن إدراك عظيم لاستغلال الموارد المكانية المحيطة به.
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم ابتكر في قتاله مع المشركين يوم بدر أسلوباً جديداً في مقاتلة أعداء الله تعالى، لم يكن معروفاً من قبل، حتى قاتل صلى الله عليه وسلم بنظام الصفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ). [الصف: 4]
وهي طريقة تشبه هيئة صفوف الصلاة، ومن نتائجها أن العدو يرى المسلمين كثيرين، حتى وإن قل عددهم، كما تقذف في قلبه الرعب والرهبة نتيجة حسن التنظيم، وتيسر على الرسول القائد إدارة المعركة، ويستطيع أفراد الجيش جميعا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر بيسر وسهولة.
وتجلى ذلك في رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في ألا يهاجم قوة قريش التي تفوقه في العدد بنسبة 1: 3، حيث استطاع أن يدير المعركة بكل وعي وبصيرة بفنون القتال، من خلال أمره صلى الله عليه وسلم الصحابة برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم، لأن الرمي يكون أقرب إلى الإصابة في هذه الحالة «إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل». ونهيه صلى الله عليه وسلم عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف «ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم». وأمره صلى الله عليه وسلم الصحابة بالاقتصاد في الرمي: «واسْتَبْقُوا نَبْلَكم».
ولما بدأت المعركة أخذ النبي في التضرع إلى الله تعالى، واستغاث بقوته القاهرة، وخرج من عريشه فأخذ قبضة من التراب، ورمى بها في وجوه المشركين، وقال: «شاهت الوجوه». ثم أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفعلوا ما فعله، فأوصل الله تعالى تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبقَ أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله. ولهذا قال الله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) [الأنفال: 17].
فكان من الرسول الرمي، وتكفل الله تعالى بالإيصال، أي إن الرسول قدم ما يستطيعه من الأخذ بالأسباب المادية، وكل ما يطيقه جهده البشري، وتكفل الله تعالى بنصرة نبيه، فكان النصر والتأييد من الله تعالى. ومن ثم اجتمع في بدر الأخذ بالأسباب بالقدر الممكن مع التوفيق الرباني في تهيئة جميع أسباب النصر متعاونة متكافئة مع التأييدات الربانية الخارقة والغيبية، ففي عالم الأسباب تشكل دراسة الأرض والطقس ووجود القيادة والثقة بها والروح المعنوية لبنات أساسية في صحة القرار العسكري، ولقد كانت الأرض لصالح المسلمين، وكان الطقس مناسباً للمعركة، والقيادة الرفيعة موجودة والثقة بها كبيرة، والروح المعنوية مرتفعة، وبعض هذه المعاني كان من الله بشكل مباشر وتوفيقه، وبعضها كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بالأسباب المطلوبة، فتضافر الأخذ بالأسباب مع توفيق الله وزيد على ذلك التأييدات الغيبية والخارقة فكان ما كان، وذلك نموذج على ما يعطاه المسلمون بفضل الله، إذا ما صلحت النيات عند الجند والقادة، ووجدت الاستقامة على أمر الله، وأخذ المسلمون بالأسباب، فما أحرانا نحن المسلمين في هذا العصر أن نتعلم هذه الدروس ونجعلها منهاجاً لحياتنا، خاصة أن في مثل هذا اليوم من شهر رمضان وقع هذا الانتصار العظيم.