«المسحراتي»...قصة طارق الطبول
الصفحات المتخصصة
13 يونيو 2016 , 12:01ص
ابراهيم فتحي
“اصحى يا نايم ... وحّد الدايم”، كلمات يشق بها المسحراتي سكون الليل، جائلا بين الشوارع ضاربا على الطبل، ليوقظ سكان الحي كبارا وصغارا، قبل أذان الفجر بساعتين أو ثلاث، لتناول وجبة السحور التي تعينهم على صيام نهار رمضان. ارتبطت شخصية المسحراتي في مصر بالزينة والفوانيس، كما ارتبطت أيضا بالسير والحكايات الشعبية مثل “ألف ليلة وليلة”، و”أبو زيد الهلالي”، ورغم ظهور الأجهزة الذكية والمنبهات، فإن المصريين يفضلون سماع طبلة وصوت المسحراتي في ليالي رمضان، ليطلوا من الشرفات والنوافذ عند سماع الطبلة ويبدؤون بالصياح بأسمائهم التي أصبحت يحفظها المسحراتي كل عام في هذا التوقيت عن ظهر قلب، وينادي عليهم بها. “المسحراتي” ظهر في الدولة العباسية، و”اصحى يا نايم” أشهر النداءات. بداية ظهور مهنة المسحراتي كانت في عصر الدولة العباسية خلال عهد الخليفة المنتصر بالله، ويذكر المؤرخون أن والي مصر عتبة بن إسحاق، أول من طاف شوارع القاهرة ليلا في رمضان لإيقاظ أهلها ودعوتهم إلى تناول طعام السحور في عام 238 هجرية (853 ميلادية)، ليصير المسحراتي الأول.
كان نداؤه “عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة”، وكان ينشد القصائد التي تحث الناس على الاجتهاد في العبادة واغتنام بركات الشهر الكريم.
ومرت السنون ليتطور النداء ويصير أشهره “اصحى يا نايم ... وحد الدايم”، وتضاف أدوات الطبل والمزمار إلى صوته الجهير للمساعدة في تنبيه النائمين ليستعدوا للصيام بالماء والطعام.
وبحسب خبراء، فإن المسلمين كانوا منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، يعرفون وقت السحور بأذان بلال بن رباح، ويعرفون المنع بأذان ابن أم مكتوم، فقد كان هناك أذانان للفجر، أحدهما لبلال قبيل الوقت الحقيقي للفجر، والآخر لعبدالله بن أم مكتوم، وجاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم “إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم”، وما كان الناس في المدينة يحتاجون إلى أكثر من ذلك للتنبيه على السحور.
وكان المسحراتي في العصر العباسي يحمل طبلة صغيرة يدق عليها مستخدماً قطعة من الجلد أو الخشب، ومعه طفل أو طفلة صغيرة مع شمعة أو مصباح لإنارة طريقه، وكانت النساء تترك له على أبواب منازلهن قطعة نقود معدنية ملفوفة داخل ورقة، فيدعو لأصحاب البيت ويقرأ الفاتحة.
أما أهل بعض البلاد العربية كاليمن والمغرب، فقد كانوا يدقون الأبواب بالنبابيت، وأهل الشام كانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطنابير وينشدون أناشيد خاصة برمضان، وتطورت بعد ذلك مهنة المسحراتي، فاستخدم المسحراتي الطبلة الكبيرة منشداً الأشعار والأغاني الشعبية.
ومع مرور الزمن اختفى المسحراتي من الأحياء الراقية، لكن تظل مهنة المسحراتي باقية في المناطق الشعبية، تضفي روح رمضان على البيوت.