العرب هزموا الغرب في «العلوم الإنسانية»
ثقافة وفنون
13 يونيو 2015 , 01:47ص
شيرين ادريس
إبراهيم موسى النحاس شاعر فصحى وناقد أدبي مصري، عضو اتحاد كتاب مصر، وهو من الشعراء المتأصلين لفكرة التفاصيل داخل بناء قصيدة النثر، حيث يؤكد أن هذه التفاصيل هي بالفعل التي تصنع هذا العالم.
أصدر النحاس ثلاثة دواوين هي «الحزن ينسى أحيانا»، و«كل هذه التفاصيل»، وأخيرا «كشخصٍ عاديّ» وهو الديوان الذي يناور فيه هذا في الوقوف بمنطقة تشبه جبل الأعراف فلا هو قصيدة تعلق في اتجاه الرؤية ولا هي قصيدة خلصت في النهاية إلى التفاصيل، وبالتالي هو يترنح ما بين التعميق والبحث وراء هذه التفاصيل.
وكان لـ «العرب» هذا الحوار مع الشاعر والناقد المصري إبراهيم النحاس وهذا نصه:
¶ حدثنا عن بداياتك الأولى.
- كانت للنشأة والبيئة التي ترعرعت فيها أكبر الأثر على توجهي بقوة نحو حب الأدب رغم دراستي العلمية في كلية العلوم جامعة القاهرة قسم البيولوجي، وذلك قبل أن أتركها حباً في الأدب للدراسة بكلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها جامعة القاهرة في عام 1986. وترجع جذور حبي للأدب العربي لمعلمي الأول وهو والدي الشيخ موسى عبدالعاطي رحمه الله فقد كان شاعراً يجيد كتابة القصيدة العمودية وملماً بتاريخ الأدب العربي والبلاغة العربية وحتى بعض العلوم البحتة كالرياضيات والميكانيكا. وقد غرس هذا الحب في نفوس كل أبنائه ليصبح العلم والأدب هما الثروة الوحيدة لمعظم أفراد هذه الأسرة. وأجد علاقتي به علاقة شاعر بشاعر حيناً وشاعر - أنا – بناقد مثقف واعٍ -هو- في أحيان أخرى.
ثم جاء دور معلمي الثاني وهو الشاعر عبدالعاطي موسى عبدالعاطي أخي الأكبر صاحب ديوان «الظل المفقود» وهو ديوان مطبوع ينتمي للقصيدة العمودية وكتاب نقدي كامل عن محمود سامي البارودي.
ثم دور قريتي الجميلة التي تسمى فعلا «الجزيرة الشقراء» في محافظة الجيزة وهي قرية صغيرة مطلة على نهر النيل العظيم، حيث كان لجمال طبيعتها وطيبة وبساطة أهلها أكبر الأثر في توجهي نحو حب الجمال والطبيعة والخير.
¶ ما أول قصيدة كتبتها؟
- على المستوى الواقعي يصعب تذكر ذلك لكن من الطبيعي أن تكون أول قصيدة كتبتها تنتمي للبدايات التي نطلق عليها الخواطر الشعرية التي لم تكن قد امتلكت آليات كتابة القصيدة فنياً وكان الاتجاه الرومانسي هو الغالب على الكتابة في تلك الفترة – أقصد بها فترة الدراسة في مرحلة الثانوية العامة – لكن بالتوجيه والقراءة وحضور الندوات الشعرية والنقدية في القاهرة بعد ذلك انتقلت الكتابة من طور الخواطر إلى مرحلة النضج الفني وامتلاك الأدوات ثم كانت الانطلاقة نحو التجديد بعد ذلك.
¶ ما القصيدة التي غيرت مجرى النهر في حياتك؟
- في الحقيقة ليست قصيدة وإنما كتاب نقدي كامل هو كتاب الشعر العربي الحديث للدكتور طه وادي ودرسته وأنا طالب في كلية الآداب في فترة كان أفقي المعرفي والثقافي بحكم طبيعة النشأة يقف عند حد القصيدة الرومانسية وكتابتها لكن هذا الكتاب أدخلني بقوة نحو عالم التيار الواقعي المتمثل في أسماء كانت جديدة على ذائقتي حينها مثل نازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور وغيرهم لأذوب قراءة وكتابة في عالم جديد.
ثم كان التواصل بقوة مع حركات التجديد الشعري بعد ذلك بداية من شعراء جيل السبعينيات حتى قصيدة النثر. سواء على مستوى الأدب العربي. أو تاريخ الأدب والشعر الإنجليزي.
¶ حدثنا عن الدواوين التي كتبتها؟
- الديوان الأول وعنوانه «الحزن ينسى أحياناً» وجاء كإحدى ثمار تشكيل جماعة (بدايات القرن) الأدبية ويتكون من قسمين الأول ينتمي لقصيدة التفعيلة والثاني لقصيدة النثر حيث رفضت أن أدرج به أيّة قصيدة عمودية باعتبارها لا تمثلني فنياً في تلك الفترة رغم وجود أكثر من ديوان ينتمي لهذا الشكل لكن دخولي غمار شعر التفعيلة وقصيدة النثر حال دون إدراج أيّة قصيدة عمودية في الديوان. ثم جاء الديوان الثاني «كل هذه التفاصيل» الصادر عن جماعة وعد للنشر والتوزيع بالقاهرة. يليه الديوان الثالث «كشخصٍ عاديّ» الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.
¶ ماذا تقرأ الآن؟
- إذا كان السؤال في المطلق فهو صعب لأنني أقرأ كل جديد تقع عليه عيني خصوصاً في عالم الشعر والنقد والرواية والقصة القصيرة والمسرح لكن إذا أردنا مزيداً من التخصيص فأنا أعكف على قراءة المنجز الشعريّ لعدد من شعراء نادي المدينة المنورة الأدبي بالمملكة العربية السعودية لما لمسته من تنوع وجمع بين الأصالة والتجديد في هذا المنجز الشعريّ لعمل كتاب نقديّ كامل عن «الحراك الشعري في المدينة المنورة» وقد خطوت فيه خطوات كبيرة.
¶ أيهما تحب الشاعر أم الناقد؟
- أنا أرى أن داخل كل مبدع ناقد ضمني. فالشاعر منذ العصر الجاهلي وهو يراجع قصيدته مثل شعراء الصنعة أو الحوليات فإنه يمارس شكل من أشكال النقد لذا أرى أن الشاعر والناقد وجهان لعملة واحدة لكن الفارق في الأدوات فقط، فللشعر أدواته وللنقد أدواته لكن حبي للشاعر في داخلي يفوق حبي لنفسي كناقد. وكثيراً ما أقولها -عند مناقشتي لديوان شعري أو رواية أو مجموعة قصصية - أنا شاعر يقدم قراءة نقدية لمبدع مثله. ليس تقليلاً من شأن النقد فالنقد والشعر لا غنى لأحدهما عن الآخر لكن يبقى الشعر.
¶ كيف ترى الساحة الشعرية في مصر والعالم العربيّ؟
- إذا كان الغرب قد تقدم في العلوم التطبيقية فأنا أرى أن مصر والعالم العربي تقدموا في العلوم الإنسانية بدرجات تفوق تقدمهم في العلوم التطبيقية. وإذا نظرنا إلى الشعر باعتباره منجزاً إنسانياً سنجد أنه شهد تطوراً كبيراً منذ بدايات القرن الماضي لا على مستوى شكل القصيدة فقط بل على مستوى رؤيتها وفلسفتها وتشكيلها الفني ليصبح التنوع والثراء من سمات الحراك الشعري في العالم العربي. لا أنكر أن هناك من ينحاز لشكل كتابي ما بكل تعصب فيمارس سلطة إلغاء الآخر الذي يختلف معه لقناعات فنية وأيديولوجية عنده. لكن هذا لا ينفي سمة التنوع والثراء خصوصاً إذا كان همنا الأول هو الانحياز للشعرية داخل القصيدة بغض النظر عن شكلها أو المدرسة التي تنتمي إليها.
¶ ما رأيك في قصيدة النثر؟
- أرفض أن يكون الشكل وحده معياراً للقيمة لا مع قصيدة النثر فقط بل مع أيّة قصيدة أخرى. وبالنسبة لقصيدة النثر فإنني أرى أنها تجاوزت مرحلة الحديث عن مشروعيتها. بل تجاوزت كذلك أزمة المصطلح. واستطاعت أن تطوّع أدواتها لتعبر عن الواقع وتكوّن فلسفة كاملة لنفسها. وتخلق تنوعاً كبيراً داخلها يجعلنا أمام قصائد نثر متعددة وليست قصيدة نثر: فهناك قصيدة تقوم على شعرية الغموض. وهناك قصيدة تقوم على توظيف الهامشي واليومي. وهناك قصيدة تحاول كسر الحدود بين الأنواع الأدبية فيما يسمى بالكتابة عبر النوعية. بل هناك من يقوم بكتابة القصيدة التشكيلية التي تستفيد من فنون الميديا والفنون البصرية وهكذا.
وإذا طرحنا قناعاتنا الأيديولوجية جانباً خارج النص الشعري وجعلنا الشعرية هي المعيار لا الشكل سنجد أن قصيدة النثر هي أصعب أشكال الكتابة لأنها تضع الشاعر مباشرة مع روح الشعر أي الشعرية في أوج تجردها دون الخداع أو التخفي وراء موسيقى رنانة تتمثل في الوزن أو القافية. ودون تجميل الوجه بصورة بلاغية تقوم على المجاز بمفهومه القديم من تشبيه مبتكر أو استعارة مؤثرة.
يصبح كاتب قصيدة النثر في مواجهة مع روح الشعر ليصبح ما يكتبه واحدا من اثنين: إمّا أن يكون شعراً تتوافر فيه مقومات الشعرية أو يكون لا شيء. أنا لا ألغي شعرية القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة لكن كما ذكرت أرفض أن يكون الشكل معياراً للقيمة فانحيازي للشعرية لا لشكل القصيدة بالتالي أرفض اتجاه البعض لإلغاء قصيدة النثر لمجرد اختلافهم معها فنياً. وإذا كانت القصيدة العمودية تتكئ في بنيتها الإيقاعية على الموسيقى الظاهرة المتمثلة في الوزن العروضيّ أو القافية فقصيدة النثر تتكئ على مستوى أرقى من الموسيقى الخارجية وهو الموسيقى الداخلية فقط فالقضية ليست قضية شكل بل هي فلسفة كاملة للتعامل مع النص الشعريّ لأن هناك من يكتب قصيدة النثر بنفس فلسفة قصيدة التفعيلة ورؤيتها الكلاسيكية.
¶ عندما تكتب القصيدة تفكر في مَن؟
- أعلم أن هناك ما يمكن أن نسميه القارئ الضمنيّ يكون في مخيلة بعض الشعراء عند كتابة القصيدة. لكنني لا أؤمن بذلك عند كتابة القصيدة لأن الشاعر الذي يسعى نحو التجريب لا يفكر في قارئ ضمنيّ أو مُفترض أثناء كتابة القصيدة كل ما يشغله هو الصوت الشعري الخاص المتفرد فلا تخرج قصيدته تقليداً لغيره. بل يرفض أن يكون مقلداً لنفسه فهو متمرد على تجاربه الشعرية السابقة ويرفض أن تكون قصيدته الجديدة تكراراً لها دون إضافة.
¶ هل يستطيع الشاعر النجاة من مكائد القصيدة؟
- القصيدة عند كتابتها تكون حالة خاصة تحتوي الشاعر فكريا وشعورياً كخلوة صوفية كاملة لكن يعتري الشاعر حينها الوعي والقصدية. ذلك الوعي وتلك القصدية تزداد درجتهما بعد الانتهاء من كتابة القصيدة حين يراجع الشاعر قصيدته بينه وبين نفسه حتى يخرجها وهو راضٍ فنياً عنها. في تلك اللحظة فقط يمكن القول: إن الشاعر أفلت من مكائد القصيدة لأن القصيدة لو تملكت الشاعر بشكل كامل قد تخرج أحياناً دفقة شعورية يعتريها بعض جوانب الضعف الفني أو قد تتعارض مع رؤية الشاعر.
¶ هل الشعر قادر على تغيير العالم للأفضل؟
- الشعر تعبير عن إنسان بكل ما تحمله تلك الكلمة من معانٍ وأنا من أنصار الفن للفن لذا أرى أن الشعر تجاوز الدور المجتمعي في تغيير العالم للأفضل لما هو أعظم من ذلك وهو خلق العالم. فالشاعر يخلق عالماً موازياً للواقع غير المثالي الذي يعيشه. ذلك العالم الموازي الذي يخلقه الشاعر تتحقق فيه طموحاته نحو الرفاهية والحق والعدل والجمال.
¶ ما الباب الذي تفتحه لك القصيدة عند لقائك بها؟
- تعد لحظة كتابة القصيدة من أصعب اللحظات؛ لأن القصيدة تضعني في مواجهة مباشرة مع الذات والواقع ومواجهة قوية مع جوهر الشعر وفلسفته وموقع تلك القصيدة، مما هو مطروح على الساحة وكذلك موقعها فنياً مما كتبته. إنها ضريبة السعي الجاد نحو التجديد المستمر. لكن بعد تلك المعاناة تتولد سعادة لا وصف لها بعد الانتهاء من كتابة القصيدة.
¶ ماذا ستقدم قريباً؟
- الحمد لله انتهيت من كتابة الديوان الرابع «من شارعٍ جانبي» وفيه رصد للظلال الإنسانية لثورة الخامس والعشرين من يناير وما تبعها من أحداث. كذلك هناك كتاب نقدي بعنوان «قصيدة النثر بين الميديا والنص التفاعلي.. دواوين عربية نموذجا»، إضافة لإعادة طباعة كتاب نقدي عبارة عن رسالة ماجستير حصل عليها الشاعر والباحث الجزائري عيسى ماروك من الجزائر الشقيقة بعنوان «شعر إبراهيم موسى النحاس.. دراسة في سيميائية العنوان»، وأعكف الآن على كتابة كتاب نقدي بعنوان «الحراك الشعريّ في المدينة المنورة» عن تطور الحركة الشعرية الحالية في نادي المدينة المنورة الأدبي.