الإثنين 30 صفر / 26 سبتمبر 2022
 / 
11:30 م بتوقيت الدوحة

الحق لا يتعدد.. والباطل سبله كثيرة

تنفرد «» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
ما هو الصراط المستقيم؟
الهداية المطلوبة إنما هي إلى (الصراط المستقيم) وهو الطريق الذي لا ينحرف يَمنة ولا يَسرة، فالحق لا يتعدد، أمَّا الباطل فسبله كثيرة، على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه: قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، فقال: «هذا سبيل الله». ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم تلا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153].
الصراط المستقيم هو أقرب طريق موصل إلى الغاية المطلوبة، وهي رضوان الله تعالى ومثوبته، ودخول جنته، والتنعم برؤيته، وهو صراط متميز، ليس كطريق المغضوب عليهم، ولا كطريق الضالين من الأديان الأخرى، أو ممن لا دين لهم.
والطريق أو الصراط المستقيم، الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، مستقيم لا يميل إلى يمين ولا إلى يسار، وإنما هو طريق متوازن، طريق وسط، كهذه الأمة المتوازنة، وهذا الصراط المستقيم هو الإسلام، كما قال الله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس:60-61]. فهو منهج الله الذي شرعه لعباده، وهو يتضمن العقائد الصحيحة، والعبادات الخالصة، والقيم الأخلاقية.
من مفسري السلف من قال: الصراط المستقيم هو: الإسلام. ومنهم من قال: الصراط المستقيم هو: القرآن. ومنهم من قال: الصراط المستقيم هو: السنَّة. وآخر قال: الصراط المستقيم هو: اتباع أبي بكر وعمر وباقي الخلفاء الراشدين. وليس هذا الاختلاف اختلاف تضاد وتناقض، إنما هو اختلاف تنوع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، أي أن كل واحد يضرب مثلًا بما يرى أن الشخص يحتاج إليه، فيقال لمن كان مفرطًا في اتباع السنة: الصراط المستقيم أن تتبع السُّنَّة. ويقال لمن يهمل شأن القرآن: الصراط المستقيم أن تتبع القرآن.. وهكذا.
إلى من يُنسب الصراط المستقيم؟
وقد ينسب هذا الطريق إلى الله تعالى، باعتباره هو الغاية، وباعتباره شارعه والهادي إليه، كما قال تعالى: {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى:53]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس:25].
وقد ينسب إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بوصفه الداعي إليه بإذن ربه، والهادي إليه، كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى:52-53]، {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون:73]، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153]. وقد ينسب هذا الطريق إلى المؤمنين، الذين يسلكون هذا الصِّراط المستقيم، كما هنا في الفاتحة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. والإنسان في حاجة متجددة إلى عون الله، إلى أن يهديَه الصراط المستقيم، وهذا الصراط هو الذي أقسم الشيطان اللعين أمام ربه: أنه سيقف بالمرصاد لبني آدم، ليضلهم عنه بكل وسائله، وفي هذا قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:16-17].
ولقد اتَّخذ اللعين أسلحته، واستطاع بجنوده وأعوانه أن يغوي أكثر الخلق. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ:20].

_
_
  • العشاء

    6:56 م
...