ميامي.. من جزيرة مهجورة إلى قبلة للسياحة
منوعات
13 أبريل 2015 , 01:47ص
د ب ا
قليلة هي المدن الصغيرة للغاية التي تتمتع بتاريخ ثري مثل ميامي بيتش، تلك الجزيرة الضيقة الممتدة والتي كانت منذ مئة عام مجرد مجموعة من الأشجار والرمال وسط المياه تحتفل الآن بمئويتها الأولى بعد أن أصبحت قِبلة للسياحة العالمية.
وخلال مشوار المدينة نحو شكلها الحالي لم تكن كل الأمور وردية؛ حيث كانت معسكرا لتدريب القوات خلال الحرب العالمية الثانية ولكن تصوير أحد المسلسلات التلفزيونية بها أسهم بشكل كبير في التحول الجوهري الذي طرأ على المدينة وقدمها للعالم.
يقول المؤرخ سيث براسمون لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): «إنها أكثر قصة لا يصدقها عقل لإنشاء مدينة في الولايات المتحدة»، حيث اكتشفت الجزيرة في 1870 لتتأسس ميامي بيتش كمدينة في 26 مارس 1915 من قبل مجموعة من رجال الأعمال الذين تخيلوا تحويل تلك القطعة التي يبلغ طولها سبعة أميال (ما يزيد على 11 كلم بقليل) إلى مركز سياحي صيفي وملجأ للمشاهير والمتقاعدين بمدخراتهم والشباب الساعين للاحتفال، ومع مرور الزمان تبين أنهم على صواب. واشترى المكتشفون الجزيرة بسعر 35 سنتا للفدان وباعوها بعد ذلك لرجل أعمال كان يرغب في زراعة جوز الهند مقابل 75 سنتا للفدان إلى أن حصل عليها جون كولينز لاحقا مقابل دولار وربع فقط، فيما يصل سعر الفدان في الوقت الحالي إلى نصف مليار دولار.
يقول فيليب ليفين العمدة الحالي للمدينة التي كانت تعرف حتى 1915 باسم أوشن بيتش: «إنها واحدة من أكثر القصص تنوعا بالنسبة لأي مدينة أخرى»، خاصة مع ضم جزر صناعية أصغر حجما لتلك الأصلية وربطها بجسور وتزويدها برمال من الخليج، لتصبح ملاذا لمليارديرات مثل زعيم المافيا الشهير آل كابوني والمطربة جلوريا استيفان ومخترع الفياجرا ونجم السلة شاكيل أونيل.
ولم تؤثر حقبة الكساد العظيم بشكل كبير على ميامي بيتش؛ حيث استمر إنشاء الفنادق، الكثير منها على طراز (آرت ديكو) المعاصر، بل في ظل وجود فرص عمل لتصبح المدينة بمثابة واحة وسط الأزمة.
وتحولت المدينة من ملاذ للأثرياء والمليارديرات الذين كانوا يبحثون عن التميز إلى معسكر للتدريبات أثناء الحرب العالمية الثانية، لتنقلب صورة المصيفين على شواطئها إلى جنود بكامل عتادهم.
وحول هذا الأمر يقول المؤرخ براسمون لـ (د.ب.أ): «لقد أصبحت الجزيرة معسكر ميامي بيتش الواقع تحت سيطرة القوات الجوية، كانت معسكرا تدريبيا مفتوحا، أكثر من %60 من الطيارين أو أطقم الدعم تدربوا في ميامي بيتش».
ولا يقتصر الأمر على هذا فقط؛ حيث إن الفنادق السابق ذكرها، والتي أصبحت الآن بمثابة أحد أشكال هوية المدينة ومرجعيتها المعمارية، تحولت إلى قواعد العسكرية.
يقول عمدة المدينة: «لقد كان تاريخ المدينة مليئا بمنحنيات الصعود والهبوط»، والتي من ضمنها تحول المدينة إلى أهم مركز عالمي للعروض الفنية في حقبة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.
وكان فرانك سيناترا وألفيس بريسلي يقدمان عروضهما في فندق فونتانبلو، الذي لا يزال قائما، فيما كان أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي يتدرب في صالة (كاي5) الرياضية ليفوز في 1954 بمركز المؤتمرات بلقبه الأول للوزن الثقيل، ثم أعلن في اليوم التالي إسلامه.
ومن ضمن أكثر اللحظات السيئة في تاريخ المدينة ما حدث في حقبة السبعينيات حينما تحولت المدينة الصغيرة التي كان يسعى الكثير من كبار السن للتقاعد فيها بحثا عن الاستمتاع والراحة إلى أحد أوكار المخدرات بداية بالماريجوانا ثم الكوكايين، مثلما حدث في عشرينيات القرن الماضي مع شيكاغو حينما كانت تحت سيطرة آل كابوني الذي توفي تحديدا في ميامي بيتش عام 1947.
وسجل بيلي كوربين في فيلم وثائقي بعنوان «رعاة بقر الكوكايين» عام 2006 عالم الجريمة المتفجر في ميامي خلال حقبة الثمانينيات والذي ظهر أيضا في فيلم «سكارفيس» الشهير للنجم آل باتشينو وأيضا مسلسل «ميامي فيس».
وكانت الـ20 مليارا التي تصل لميامي سنويا من الكوكايين تأتي مصحوبة بمعدل جرائم قتل تضاعف ثلاث مرات في بداية الثمانينيات، وهو الأمر الذي جعل مجلة «تايم» تطلق على المدينة في أحد أعدادها لقب «الفردوس المفقود»، ففي 1981 كانت بها أكبر نسبة لجرائم القتل في البلاد بـ621 حادث قتل.
وفي 1984 غير مسلسل «ميامي فيس» تاريخ المدينة التي كانت غارقة حينها في العنف والمخدرات؛ حيث يقول بطل العمل دون جونسون في حوار نشر مع جريدة «ميامي هيرالد» في سبتمبر 2014 بمناسبة الذكرى الـ30 للحلقة الأولى من العمل: إن «ساوث بيتش، المركز السياحي الكبير الواقع بوسط المدينة، لم يكن موجودا حتى في القاموس».
يقول نائب مدير متحف تاريخ ميامي، خورخي زامانيو لـ (د.ب.أ): «فجأة بدأت ميامي تكتسب صورة مثيرة.. خطيرة ولكن جذابة لأن الجميع كان يرغب في الحصول على تلك الحياة المليئة بالسيارات والنساء والفنادق والشواطئ، حيث أصبحت ميامي شيئا أشبه بذلك الشيء الغريب الذي جذب الأميركيين لأرض الأحلام في الماضي»، بسبب الشكل الجذاب الذي أظهر به المسلسل المدينة.
وحينما ضرب العنف الأبرياء بطريقة مباشرة وسط تبادل حوادث إطلاق النار قررت السلطات مهاجمة عالم الجريمة المنظمة الذي تراجع، وهذا هو ما عكسه «ميامي فيس» من 1984 حتى 1989 مع العميلين سوني كروكيت «دونسون» وريكاردو توبس «فيليب مايكل توماس».
وكان المسلسل، في ظل وجود الشرطي الأشقر واللاتيني والأسمر، ترسم ما كانت عليه المدينة وما هي عليه الآن، وما قد تكون عليه في المستقبل؛ حيث قد تصبح بمثابة عاصمة اللاتينيين في الولايات المتحدة.
واستعادت ميامي بيتش شهرتها كوجهة سياحية، وهي الصناعة الرئيسية بالنسبة للمدينة، في التسعينيات بفضل مشاهير مثل المصمم الإيطالي جياني فيرساتشي.
ولكن يبدو أن المدينة لم ترحم فيرساتشي الذي اغتيل في 1997 على سلالم قصر قام بترميمه في 1992 بتكلفة 35 مليون دولار ليجعله أهم رمز في شارع أوشن درايف، أشهر شوارع ميامي بيتش والذي يعد وجهة للأثرياء في الوقت الحالي.