العرب تفتح القضية مع عائلات حققت التميز في ساحات الإبداع.. الموهبة وراثة أم قدرات ذاتية؟

alarab
تحقيقات 13 يناير 2023 , 12:20ص
حنان غربي

يعتبر النَسَب والمهنة والمال وحتى المناصب في بعض الحالات، من الأشياء التي يمكن توريثها للأبناء بغض النظر عن قدرة الأبناء على تطوير هذا الميراث أو حتى المحافظة عليه، على خلاف الموهبة التي تتفرد برؤية خاصة تميز بريقها، وإذا اعتبرنا أن الإبداع ممكن أن يأتي نتيجة خبرة تراكمية معرفية، فمن الممكن أن تأتي الموهبة من خلال العامل الوراثي.
كل الذين حاولوا العيش في جلباب مواهب آبائهم أخذوا استحقاقهم وفقا لحجم موهبتهم فقط، حتى ولو كانوا على دراية أكاديمية كافية تؤهلهم للعمل في مجال آبائهم ولكن يوجد حالات لأبناء عززوا موهبة آبائهم وأضافوا لها الكثير.
الموهبة التي تصل إلى ذروتها، تستطيع أن تقدم بيئة ملائمة للإبداع، هناك الكثير من الأمثلة لمواهب وصلت لذروتها وأنجبت مواهب كانت أعمق، وأيضا هناك أمثلة كثيرة عن مواهب وصلت إلى ذروتها وأنجبت أبناء احترفوا ذات الموهبة، لكنهم لم يقدموا ذات الإبداع ولم يطوروه بل كانوا أدنى مما قدمه آباؤهم بكثير.
«العرب» استطلعت آراء البعض ممن وَرّثوا ووَرِثوا المواهب والإبداع، والذين تباينت آراؤهم، منهم من رأى أن الموهبة تورث ومنهم من قال إنها منحة ربانية لشخص بعينه.

د. أحمد عبدالملك:استكشاف المواهب عمل مؤسسي

قال الدكتور أحمد عبدالملك، أستاذ الإعلام المشارك بكلية المجتمع سابقاً وروائي قطري والذي تعد كريمته أمل عبدالملك واحدة من بين الوجوه الإعلامية بالدولة، أن العمل الثقافي مؤسسي، مؤكدا أن كل المجتمع مسؤول عن اكتشاف المواهب.
وأضاف «أن المدرسة هي الحاضن الأول للمواهب في كافة الميادين، وأن البذور الأولى للمواهب، حتى القيادية، تكون في المدرسة، ولكن للأسف، كثيرون يعتقدون أن المدرسة عبارة عن مدرس ومنهج وطالب! وهذا تفكير خاطئ، وأعني بذلك أن الطالب عليه أن يجاوب على أسئلة المنهج وينجح طبقاً لذلك! لكن الحقيقة غير ذلك، لأن الطالب إنسان، وله اتجاهاتٌ معينة، ومواهبُ مختلفة، لا يكتشفها لا المدرسُ ولا المنهج».
وتابع إن «وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي لها دور في إبراز المواهب، ونحن بحاجة إلى حُسن اكتشاف، وهذا لا يتأتى عبر منهج خامل ينفرُ منه الطالب»، داعيا لإيجاد دور من قبل الشخصيات المبدعة المؤثرة عبر استغلال 
كم مثل الفنان غانم السليطي أو عبدالرحمن المناعي في إظهار المواهب الأخرى في الأداء المسرحي».

أمل عبدالملك: هبة من الله لكن الأسرة تُنميها

على عكس الوالد، ترى الإعلامية أمل عبدالملك ابنة الدكتور أحمد عبدالملك، أن مسؤولية اكتشاف المواهب تقع على عاتق الأهل أولاً، موضحة أن «مسألة توريث الإبداع، اختلف العلماء في تحديد مسألة هل للمواهب للإبداعية جينات يمكن أن تورث للأجيال أم لا».
وقالت أمل «اعتقد أن الموهبة هي هبة من الله يعطيها من يختاره ومن ثم يأتي دور البيئة التي يعيش فيها الطفل لتنمية هذه الموهبة، وكلنا يعلم الدور الكبير الذي تلعبه التنشئة وانعكاسها على شخصية النشء، فإذا كان المحيط الذي يتربى فيه الطفل مُبدعاً في الكتابة أو الرسم أو أي نوع من أنواع الفنون سنجد أنه وتلقائياً سيتأثر طفل واحد على الأقل في العائلة وهو من وهبه الله تلك الموهبة وسيُعّبر عن موهبته الابداعية».
وأضافت أنه «غالباً ما يتأثر النشء بمهنة آبائهم فمثلاً الطبيب سيورث ابن واحد على الاقل طبيب والمهندس كذلك، ونجد معظم القيادات العسكرية أبناؤهم أختاروا المجال العسكري للعمل، وهذا ما يثبت أن البيئة هي المحرك الأول لميول الأبناء فهم يتأثرون بالمحيط مهما كان نوع العمل والابداع، وهذا أيضاً يسّهل دخول الأبناء في هذا المجال أو ذاك فالآباء بوابة سهلة او ربما واسطة لنفاذ أبنائهم في تلك المهنة الابداعية، فكم من الممثلين او المخرجين أمتهن أبناؤهم الفن لأن ساعدوهم وعرفوهم بالمجال والحال ينطبق على كل المهن».
ودعت الأسر إلى اكتشاف موهبة أبنائهم مبكراً وتشجيعهم عليها والسعي لتطويرها مهما كانت تلك الموهبة سواء أدبية أو علمية أو رياضية لينتج عنها مُبدع يُفيد نفسه والمجتمع من حوله.

الفنان عبدالله أحمد: فرص نجاح أكبر في أسرة مبدعة

رأى الفنان عبدالله أحمد، أن الإبداع يورث، وأن الطفل الذي يكون لديه الموهبة وينشأ في بيئة مبدعة تكون فرص النجاح لديه أقوى.
وأوضح الفنان عبدالله أن حمل الواقع الأدبي اليوم دلائل على اتصال دائب لحركة الإبداع بين الأب أو الأم وبين الأبناء، ويبدو علم النفس متباين الآراء في مسألة وراثة الإبداع، حيث تذكر بعض الدراسات أن هناك من يرى أن 80 إلى 90% من الذكاء يحدد وراثياً، وللتدليل على صحة هذه النظرية يستند أصحابها إلى نتائج الدراسات الكثيرة على التوائم المتشابهة، والتي نشأت في ظروف بيئية مختلفة، وبقيت بالرغم من ذلك متشابهة الذكاء.
 وأضاف أن «الإبداع يورث للأبناء خصوصا الذين يملكون الموهبة من الأساس، وهناك الكثير من التجارب التي أثبتت أن الأبناء يتلمسون خطوات أوليائهم، فالأب هو قدوة أولاده وهو من يلهمهم في اختيارهم، وبالنسبة لي فإن ابني أحمد بحكم أنه كان ابني البكر، فإنه كان ملازما لي منذ نعومة أظافره». وتابع قائلا «كان أحمد يظهر موهبته منذ صغره يغني، ويكتب ويمثل، ويلفت الانتباه لنفسه، وهو ما جعل بعض المخرجين والكتاب يهتمون به، ويطلبونه لأداء أعمال مميزة خاصة أن الله حباه بصوت محبب للمستمع، وقريب من الأذن، ورغم أنني لم أقدم مع أحمد إلا عملا واحدا لكنني كنت أستمتع بكل أعماله ونجاحاته».

نجل الفنان عبدالله أحمد: والدي ملهمي.. وولدت برصيد إبداعي

اعتبر الفنان أحمد عبدالله ابن الفنان عبدالله أحمد، أن والده كان السند له، وكان هو الداعم الأول له منذ بداية مشواره، مضيفا «أن تنشأ في كنف قامة مثل الفنان عبدالله فإن ذلك يعني أنك قد نشأت برصيد إبداعي موجب، والدي كان ومازال ملهمي وأول جمهوري، والمشجع الدائم لي، هو يقدم لي النصائح والاستشارات والتشجيع والمساندة، وكان هو سبب توجهي إلى هذا المجال، كنت أكبر الأبناء وعشت مع والدي خمس سنوات قبل أن يولد أخي الثاني، كان يصحبني خلالها إلى المسرح والبروفات والتلفزيون، لذلك لم تكن أبدا البروفات والأضواء غريبة عني».
وقال أحمد «هناك حقيقة لا يمكن إنكارها هي أن الفن لا يفرض، وليس بامكان الوالد أن يخلق موهبة غير موجودة في أبنائه، فالممثل الذى يفتقد الموهبة ينطفئ بريقه ويصبح وجوده فى أي عمل مجرد سد خانة، وإذا كانت الموهبة هى التى تفرض نفسها فى النهاية فإنها قد تورث وتنتقل من الآباء إلى الأبناء لكن على الأبناء أن يؤكدوا أحقيتهم فى ميراث الموهبة التى انتقلت إليهم من الآباء وأن يكونوا جديرين بها فعلاً، فمن الطبيعي أن يرث الابن بعضاً من موهبة أبويه، لكن ذلك يظل في حدود المعقول لا يتخطاه ليصبح قاعدة».

د. حسن رشيد: تنقل الموهبة بين الأسرة ليس قاعدة ثابتة

اعتبر الدكتور حسن رشيد الإعلامي والناقد المسرحي، أن التنشئة في أسرة مليئة بالإبداع يساهم في تنمية الموهبة التي تكون موجودة من الأساس لدى الطفل، إذ لا يمكن خلقها فالمواهب ربانية.
وقال حسن، إن الوالدين اللذين يحاولان أن يكونا واسطة لأبناء في وسط ما بحكم مكانة أحدهما فيه لن يتمكنا من إنجاحه إذا لم يكن يتمتع بالموهبة الربانية.
 وأضاف الناقد المسرحي «لكل قاعدة شواذ، لكن لا يمكن الحكم بأن الإبداع يورث وإلا لكان أبناء محمد عبدالوهاب على سبيل المثال عمالقة في الفن، لأن بعض القواعد لا تنطبق على الجميع خاصة في إطار الإبداع الفني ومحاولات بدأت وانتهت بلا أي نجاح يذكر».
واستشهد على ذلك بتجربة أحمد السنباطي نجل الموسيقار الكبير رياض السنباطي الذي حاول أن يكون صورة طبق الأصل من مطربي جيله لكنه فشل فشلا ذريعا، الأمر ذاته أيضا حدث مع عبدالله نجل طلال مداح الذي لم يحقق أي نجاح يذكر، مضيفا «لكن في بعض الحالات نجد أن هناك من يحاول قدر المستطاع من خلال تواجده في هذا الإطار أن يتلمس خطى من سبقه من عائلته وأن يصل إلى بعض الجزيئات من أطر النجاح، ولكنها ليست قاعدة، فنجل بيليه أشهر لاعب كرة قدم في الكون في زمنه حاول أن يكون لاعبا لكنه فشل لأن الموهبة لا يمكن تقسيمها على أحد ولا يمكن إعطاؤها لأحد إذا لم يمنحها له الله».
وعن تجربته العائلية، قال رشيد «بالنسبة لابني فيصل وابنتي سارة فربما ساهم تشبعهما بروح الإذاعة منذ صغرهما وملازمتهما لي، بتغلبهم على الخوف من الميكرفون وقدرتهم على مواجهة الجماهير واعتقد هذه الحالة قد ساعدتهما، ولكنها ليست قاعدة للنجاح، فاللبنة قد تعطى من الأهل لكن عملية التطوير والاستمرارية تكون ذاتية»، مؤكدا أن «كثيرين الذين حاولوا فرض أبنائهم على أوساطهم الفنية أو الإبداعية لكنهم لم ينجحوا».

سارة حسن رشيد: الأسرة داعم.. وإثبات الذات مسؤولية فردية

رأت الإعلامية سارة حسن رشيد، أن العمل في مجال الإعلام بالنسبة لها لم يأت صدفة بل ساعدتها الأسرة في حب العمل الإعلامي، خصوصا الوالد الذي خطت معه خطواتها الأولى في مجال الإعلام.
وقالت سارة «تعرفت على الإذاعة والميكروفون والجمهور من خلال زياراتها مع الوالد للإذاعة منذ نعومة أظافرها، مضيفة «الأب سند لأبنائه أيا كان مجاله، وهو القدوة والمثل لأولاده، لذا فهم يتأثرون به وبمشواره المهني وشغفه، وإذا كانت لديهم الموهبة فإنه يتم اكتشافها مبكرا من طرف الأهل، وبالتالي يتم تقديم الدعم لهذا الموهوب ليطور من نفسه».
وأضافت الإعلامية في قناة الجزيرة «قد يكون والدي قد افادني كثيرا وكان الداعم والموجه لي إضافة إلى أن اسمه ساعدني في بعض الأحيان، لكن يبقى إثبات الذات وتحقيق النجاحات مسؤولية فردية على الموهوب أن يعتمد على نفسه».

فيصل حسن رشيد: السير على خطى الوالد «سلاح ذو حدين»

أكد المخرج فيصل حسن رشيد أن والديه كانا متذوقين للفن بشكل جيد، وذلك كان له تأثير واضح على مسيرته في المجال الفني، مضيفا «كونني ابن الدكتور حسن فإن ذلك ساعدني كثيرا في دخول مجال الإخراج والإبداع، لكنه يمثل بالنسبة لي سلاحا ذو حدين، لأن الاخفاق أو الفشل أو عدم التميز قد يعود بالضرر علي وعلى عائلتي ككل، وأي عمل أقدمه دون المستوى قد يسيء لاسم والدي بالقدر الذي يسيء إلي ولذلك كنت دائما أحرص على ما أقدمه».
وتابع قائلا «من جهة أخرى يجب أن ندرك أنه لا وساطة فى الفن، فالمجالات الابداعية لا يمكن أن يخفي فيها الشخص مستواه أو يتلاعب فيه، فأنت إما أن تحقق النجاحات أو لا، وتلك حقائق يحكم عليها الجمهور والنقاد بغض النظر عن اسمك أو من تكون، لذلك فإن نشأة الطفل في عائلة موهوبة قد يكون عاملا مهما في اكتشاف مواهبه مبكرا وتقديم الدعم له، لكن ليس هو مصدر للموهبة، وإلا لكان ابن الفنان فنانا وابن الرسام رساما، وابن الأديب أديبا وهذا ليس هو الواقع».

دراسات علمية تؤكد دور الوراثة في إظهار الموهبة

أكدت الدراسات العلمية، أن الوراثة لها الدور الأكبر في إظهار الموهبة، ولكن للبيئة أيضاً دور فهي التي تغذي وتطور الموهبة.
وأوضحت الدراسات أنه لا يمكن للبيئة أن تخلق الموهبة لوحدها، ويمكن أن نلحظ تراجعا في الموهبة إذا لم تكن هناك بيئة داعمة لها، مشيرة إلى عوامل نجاح الموهبة تكون وراثية.
وتستشهد الدراسات إلى أن الخبير الإحصائي البريطاني فرانسيس غالتون أول من طرح فكرة موروثية الذكاء ومنذ ذلك الوقت لا يزال علماء كثيرون يعتبرون أن الوراثة تلعب دوراً هاماً في تطور القدرات العقلية المتميزة ومن أكثر الدراسات دعماً لمفهوم موروثية الذكاء هي “دراسات التبني” التي تُبين أن قدرات الأطفال بالتبني تشبه إلى حدٍ بعيد قدرات آبائهم البيولوجيين، ثم تأتي العوامل البيئية والتي تتميز بتأثيرها الكبير على على الذكاء فإذا كانت الوراثة مسؤولة عن انبثاق المواهب غير العادية فإن البيئة هي التي تغذي وتطور تلك المواهب وتعتبر الأسرة من أهم العوامل البيئية في هذا الصدد فاكتشاف الأسرة للموهبة مبكراً من شأنه أن يسهم في تشجيع وتطوير الموهبة ومن العوامل البيئية الأخرى المؤثرة، المعلمون الذين يتوقع منهم رعاية التلاميذ الموهوبين وتنمية قدراتهم.
وتشير بعض الفرضيات إلى أن السلالات توحي بالإسهامات الجينية في القدرة الإبداعية. يرى “فرانسيس غالتون” في كتابه (العبقرية الوراثية – 1869) أن القدرة العالية تجري في عروق بعض العائلات، فالآباء الذين حصلوا على تعليم عال يغلب أن يكون تعليم أبنائهم عاليا أيضاً.
وتصبح الأحلام التي يسعى الناس لتحقيقها جزءا من آلية تفكيرها وترتبط ارتباط وثيقاً بأدق تفاصيل حياتها وبالتالي تنتقل إلى الأبناء من خلال التربية والأفعال غير المباشرة التي يقوم بها الآباء ويكتسبها الأبناء وربما هذا ما يلعب دورا في تبعية الأجيال لبعضها بحد كبير.