نحتاج وساطة الصين لاستعادة الاستقرار ومساندة القضايا العادلة
محليات
12 نوفمبر 2015 , 01:26ص
اسماعيل طلاي
أكّد الدكتور حسن المهندي، مدير المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية، نائب رئيس اللجنة القطرية لحوار الحضارات أنه من مصلحة الدول العربية الانخراط بمشروع الرئيس الصيني لإحياء «طريق الحرير والحزام البحري»، مقابل استعادة دور الصين الفاعل لإعادة السلام والاستقرار، ليس بالاشتراك عسكرياً في النزاعات. بل في الوساطة من أجل الحلول السلمية، وتنشيط دبلوماسيتها التقليدية والعامة لمساندة القضايا العربية العادلة.
وجاء كلام المهندي خلال الجلسة الختامية حول «التواصل الشعبي والدبلوماسية العامة»، قائلا إن أغلبية البلدان العربية تشترك مع الصين في معاناة تاريخية متشابهة، وأوضاع متقاربة، وتطلعات متماثلة تقريباً، بما يمكننا من القول إن هناك قاسما مشتركا بين الطرفين، ينبغي العمل على فهمه أولاً، وتوسيع نطاقه ثانياً بحيث يدركه أكبر عدد من الناس، حتى يسهل استغلاله كدعامة للعلاقات بين الشعوب وليس فقط بين الدول.
وأكد أن جمهورية الصين الشعبية تريد عبر مبادرة الرئيس شي جين بنج إحياء طريق الحرير والحزام البحري. إنه مشروع ضخم بكل المقاييس، وهو بلا شك أهم مبادرة في الدبلوماسية العامة تقوم بها دولة كبرى منذ مشروع مارشال الأميركي لإنعاش الاقتصاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.
وأضاف: من الواضح أنه من مصلحة الدول العربية الانخراط في هذا المشروع الذي ستعم فوائده الجميع. فمنطقتنا التي تواجه تحديات أمنية واقتصادية ضخمة، تعيش مرحلة من عدم الاستقرار والتأزم، وهو ما يعني الحاجة إلى مشروع كبير منقذ، تتكاتف فيه الدول، وتعمل الكفاءات معاً للبناء والتشييد.
وتساءل الدكتور المهندي: «كيف نبني طريق الحرير الحديث، ووضع سوريا وفلسطين والعراق واليمن لا يزال هشاً وغير مستقر؟ وكيف تقوم طريق الحرير دون أن تمر من هذه المناطق التاريخية؟ من الواضح بالتالي أننا بحاجة إلى التشارك في تأمين المنطقة ضد التحديات التي تواجهها، لكي يسهل مد الجسور الاقتصادية والتجارية. وبكلام آخر، نحن بحاجة إلى أن تكون الصين فاعلة إلى جانب إعادة السلام والاستقرار إلى جزء مهم من الأراضي العربية التي يفترض أن تمر منها طريق الحرير الحديث».
وأوضح أن هذا الكلام لا يعني دعوة لإشراك الصين عسكرياً في النزاعات. بل هو دعوة لإشراكها في الوساطة من أجل الحلول السلمية. إنه دعوة لتنشيط دبلوماسيتها التقليدية ودبلوماسيتها العامة لمساندة القضايا العربية العادلة، كما فعلت دوماً عبر التاريخ.
وقدم الدكتور المهندي مجموعة من النتائج والتوصيات، مشيراً إلى أن العالم العربي، في أشد ما يكون من الحاجة إلى ترويج صورة إيجابية عن منطقتنا، التي تعاني من مآس كثيرة، تجعلها للأسف غير جذابة لعامة الناس في المجتمعات الأخرى. ورغم الطبيعة المسالمة لمجتمعاتنا وشعوبها، فإننا على وعي بأن النزاعات والحروب المتعاقبة تجعل من الصعب أحياناً أن يصدق الآخرون أننا لا نريد شيئاً سوى السلام والاستقرار. ومع ذلك، فنحن دعاة سلام، وإن اضطر بعضنا أحياناً إلى الدفاع عن نفسه ضد تسلط المتسلطين، وتخريب المخربين.
وأوضح يقول: الواقع أن العالم العربي يعيش مخاضاً مستمراً منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. مخاض عسير، يتبين أحياناً، أنه ينتهي بولادة قيصرية، ووليد غير عادي، قد يقتل والدته. للأسف، تاريخ العرب المعاصر هو تاريخ الثورات ضد الاستعمار، والإمبريالية، والاستبداد، والظلم، كأنه كتب على هذه المنطقة ألا تعرف السلم والاستقرار حيناً من الزمن إلا لتعود إلى النزاع العنيف.
وقال المهندي: «تجمعنا ثقافة واحدة، ولغة واحدة، ودين مشترك للأغلبية، مضطرون للاعتراف بأننا رغم النجاحات التي أحرزتها بعض دولنا على الصعيد الاقتصادي، لا نزال في مواجهة تحديات خطيرة، ليس من السهل السيطرة عليها بإمكانات كل دولة على حدة. نحن بحاجة إلى جمع كلمتنا أولاً، لوضع أهداف واقعية لعملنا المشترك. ولا بد من الاعتراف أيضاً، أننا من أجل هذه التحديات والمخاطر المذكورة، نحتاج إلى التعاون مع جمهورية الصين الشعبية، التي لها تجربتها التاريخية، والتي هي على عكسنا، دولة موحدة تماماً منذ 1949، تتعايش فيها بسلام 56 مجموعة إثنية معترف بها من طرف الحكومة المركزية.
وأشار مدير المعهد الدبلوماسي إلى أن الصين في طريقها لتحتل مكانة الدولة العظمى، وهي تعتمد اعتماداً كبيراً على منتوجات الطاقة الأحفورية من العالم العربي. هناك بالتالي، مصالح مشتركة. الصين سوق ضخمة، يحتاجها العرب أيضاً. ويمكن عن حق الحديث بالتالي عن الاعتماد المتبادل. وقد بينا في هذه الورقة أن ما يجمعنا ليس هو النفط وحسب، كما يحاول البعض تصوير المسألة، بتقليص علاقة الصين بالعرب إلى مجرد علاقة نفطية تجارية. هذا ليس صحيح. إن تاريخاً طويلاً يجمعنا – تاريخ لا يمكن اختصاره في ورقة موجزة.
وأضاف أننا في حاجة إلى بناء دبلوماسية عامة صينية-عربية متوازنة ومتكاملة.. بحاجة إلى التشاور من أجل ذلك، وتبادل الأفكار. ولا شك أن البداية يمكن أن تكون من الثقافة والآداب والفنون والرياضة والإعلام. ويمكن أن نتبادل الزيارات والبعثات والوفود، تماماً كما كان الحال بيننا منذ قرون خلت. ويمكن كذلك أن نستعيد أيضاً أمجاد طريق الحرير، بحيث لا يكون مجالاً للتجارة وحسب، وإنما أيضاً لارتقاء الفنون، وتبادل الأفكار، والاطلاع على تجارب الشعوب وتوثيقها من خلال الأشرطة السينمائية أو التلفزيونية، وغير ذلك من الوسائل الحديثة.
وتابع بقوله: «نحن بحاجة أيضاً إلى التكنولوجيا الصينية، فالدول العربية في مرحلة بناء، وتحتاج للخبرات الصينية في مجال التكنولوجيا والصناعات. ولا بأس أن تركز الدبلوماسية العامة على خدمة هذه القضايا. فلطالما طالبنا بنقل التكنولوجيا الغربية، ولكن ذلك لم يتم، بسبب حواجز وضعوها، أو بسبب التقسيم الدولي للعمل، الذي بموجبه تكون دول الجنوب –ومن بينها الدول العربية– مستهلكة للتكنولوجيا، لا مصنعة لها. لقد استطاعت جمهورية الصين الشعبية أن ترفع هذا التحدي، ونرجو أن نستفيد من خبرتها في هذا المجال. ومن الضروري فتح قنوات ثقافية وإعلامية وعلمية وأكاديمية صينية-عربية مشتركة، وتشجيع حركة الترجمة والنقل من لغة إلى أخرى، وتنظيم الندوات والمؤتمرات.