د.الفرجابي: السعادة الحقيقية في الإيمان بالله

alarab
محليات 12 نوفمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبره
أكد الداعية د.أحمد الفرجابي، خطيب جامع الشيوخ بالجسرة، أن السعادة الحقيقية تأتي من الإيمان بالله، والرضا بقضائه وقدره، ولا تأتي من امتلاك المال، والتمتع بالصحة وشغل أعلى المناصب، والتمتع بأطيب الملذات والشهوات. وحذر الشيخ الفرجابي -في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس- من شهوة التطلع لتولي المناصب قائلا: «نعمت المرضعة وبئست الحاضنة، هي هموم وغموم، تورث صاحبها حسرات إذا نُزعت منه أو تركها». وحذر من شهوة امتلاك الأموال، مشيراً إلى أن كثيراً من الأغنياء امتلكوا الأموال لكنهم «حرموا لذة النوم وبهجة السعادة وراحة البال». كما حذر من الجري وراء إِشباع الغرائز والشهوات، مشيراً إلى أن «الذين بحثوا عن السعادة في متاع الحياة أصابتهم الأمراض التي تحول بين أغنى الأغنياء وألذ الأطعمة، فهم يملكون المال ولا يتمتعون به». وأشار د.الفرجابي إلى أن المسلم يستمد مصادر السعادة من تعاليم دينه، ومنها قول النبي (صلى الله عليه وسلم): «من بات آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». وذكر د.الفرجابي أن الناس جميعا يبحثون عن السعادة ونظرتهم إليها تختلف من بلد إلى بلد ومن شعب إلى شعب. وأشار إلى مفارقة غريبة هي أن أعلى دول العالم في الرفاهية والثراء تشهد أعلى حالات الانتحار بين سكانها بسبب عدم الرضا عن الحياة. وفسر ذلك بأنهم فقدوا جرعة الإيمان، حيث لم يجدوها في تولي أعلى المناصب، وامتلاك أكبر الثروات، وإشباع الغرائز والشهوات. الصحراء وطن السعداء وفي معرض حديثه عن السعادة في نظر المسلمين وفي نظر الغربيين روى الشيخ الفرجابي قصة باحث وكاتب أميركي شهير عاش في الصحراء الشمالية الغربية لإفريقيا ووصف حال البدو المسلمين بعد أن عاش حياتهم ومكث سنوات طويلة معهم. وأشار إلى حيرة ذلك الباحث من صبر أولئك الأقوام على صعوبات الحياة، وأورد ما كتبه الباحث الأميركي حيث قال: «جاءت ظروف كلها جفاف، وجاءت رياح عاتية حرمت القوم من زرعهم وضرعهم ولم تبق لهم إلا %40 من ممتلكاتهم، وتعجب من صبرهم على ما حدث لهم وقولهم: «الحمد لله الذي ترك لنا هذا فقد ترك لنا كثيراً». وذكر أنه كان يسمع قولهم: «قدر الله وما شاء فعل، قسمة ونصيب»، ويلاحظ عليهم الرضا والسعادة في حياتهم رغم الصعوبات التي تواجههم. وأضاف أن الباحث الأميركي لما رجع إلى بلاده قال: إن السكارى وأصحاب الأمراض العصبية في أوروبا فقدوا جرعة الإيمان، والرضا بالقضاء والقدر التي جاء بها رسول الإسلام محمد. وسجل شهادة الكاتب الأميركي بأن الإسلام «دين يسعد فيه الإنسان لا بما يملك من أموال ولا بما يشغل من مناصب، ولا بما يتمتع من متاع الحياة، ولكنه قبل ذلك يسعد بإيمانه بالله وبرضاه بقضاء الله وقدره». وأشار إلى قول الشاعر عن الدنيا: «جُبِلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الآلام والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار» الناس في مواجهة البلاء واستشهد بقول د.مالك، أحد الأطباء النفسيين الذين عملوا في عدة بلاد غربية وشرقية: «لو أن الأحوال التي تمر على بعض بلاد المسلمين في إفريقيا وآسيا مرت على بعض البلاد الأوروبية اليوم لتحول الأوروبيون إلى «3» أقسام: الأول سينتحر مباشرة والثاني سيذهب إلى مستشفيات المجانين والمرضى النفسيين، والثالث سيأكل بعضهم بعضا. ثم قال: لكن هذه الأهوال تمر على طوائف من البلاد المسلمة الفقيرة ومع ذلك تجد فيهم من يضحك وينام ملء جفونه». اللذة والسعادة وأجاب الشيخ الفرجابي على تساؤل يردده كثيرون وهو: هل ينعم غير المسلم بالسعادة إذا امتلك المال والصحة والمنصب والثروات؟ وفي إجابته على السؤال فرَّق بين السعادة واللذة موضحا أن الفرق كبير بينهما، فاللذه مؤقتة يشعر بها الإنسان بعد أكل طعام فاخر، أو قضاء سهرة ممتعة، أو حضور حفل بهيج، وسرعان ما تذهب فقد يتسبب الطعام الشهي في عسر هضم وإمساك ومغص وارتفاع في نسبة السكر. وقد يواكب السهرة الجميلة إرهاق وتعب أو موت قريب أو حبيب فتنقلب الحال إلى حزن وكآبة. وأكد أن السعادة شعور يغمر النفوس المؤمنة الراضية بقضاء الله وقدره التي تجعل الإنسان يردد قول عمر بن عبدالعزيز رحمة الله عليه: «كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدام، فيما يقدره الله تبارك وتعالى». سجين وسعيد وقال الفرجابي: إن السعادة التي تبحث عنها البشرية نالها الإمام ابن تيمية برضاه بقضاء الله وقدره وهو في داخل السجن طوال «15» عاما، حيث كان سعيدا بين جدران السجن، وهو يُعَذَّب ويُضرَب، ولا يملك من الدنيا شيئا». وأورد قول ابن تيمية عندما أدخلوه السجن: «المحبوس هو من حُبِسَ قلبه عن الله، والأسير من أسره هواه، ماذا يفعل أعدائي بي، سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة». وقوله: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إن القلب ليرقص طربا من حلاوة الإيمان وحلاوة ذكر الله عز وجل القائل: «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب». وأشار إلى قول الإمام ابن القيم: «إذا تكدرت أمامنا الحياة كنا نزور شيخ الإسلام بن تيمية في سجنه فكنا نرى على وجهه علامات السرور والفرح والحبور ما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى». وذكر الفرجابي أن إبراهيم بن أدهم كان لا يملك إلا خبزا يابسا يبلله بماء نهر الأردن ويأكله ويقول: «إنا في سعادة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف». ونصح خطيب جامع الشيوخ مستمعيه من جموع المصلين بأن يفهموا أن السعادة قد تكون مع الفقر كما تكون مع الغنى بشرط أن يكون الإيمان هو القائد، والرضا بقضاء الله وقدره هو الذي يدفع الإنسان ويتوج مسرته في هذه الحياة. شكر النعم ونبه إلى أن المؤمن ينبغي أن يتعرف على نعم الله التي يتقلب فيها، مشيراً إلى أن كل الناس يغرقون في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى. وأشار إلى أن الله عز وجل بكرمه وفضله لم يحرم إنساناً من النعمة، مبينا أن بعض الناس يتمتعون بنعمة الصحة والعافية، وبعضهم يتمتعون بالمال والجمال، وأصناف منهم تتمتع بالمناصب والوظائف. وقال إن السعيد هو الذي يعرف النعمة التي يتقلب فيها فيشكر الله عليها حتى تدوم وتستمر. وشدد الشيخ الفرجابي على أن شكر النعم يزيدها ويبارك فيها مستشهدا بقول الله عز وجل: «لئن شكرتم لأزيدنكم». ونصح المؤمن بأن ينظر في هذه الدنيا إلى من هم أقل منه ومن هم دونه في الصحة والمال والمنصب والولد ولا ينظر إلى من فوقه ولأعلى منه حتى لا ينسى نعمة الله عليه. وقال إن اتباع التوجيه النبوي الذي جاء في الحديث الشريف: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم»، يمنح الإنسان سعادة لا حدود لها، وضرب مثلا بالفقير الذي لا يملك ريالا فإذا نظر لمن هم أقل منه فسيجد آلاف الفقراء المحرومين المعدمين الذين لا يملكون درهما ولا صحة ولا أولادا ولا مناصب. ونصح أصحاب النعم الذين يتمتعون وينعمون بأشياء لا يجدها غيرهم بأن يقولوا: «الحمد الله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا». ولفت الشيخ الفرجابي إلى أن عدم الرضا بقضاء الله وقدره يملأ النفوس بالحقد والحسد والشح الذي أهلك من كان قبلنا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وقال إن الذي لا يرضى بما أعطاه الله يعذب نفسه بالنظر إلى بيت هذا وقصر ذاك وأموال غيره من الناس فيتعب مما يرى ويتحسر وقد يمرض ويموت من الحسرة والألم. الغيرة في الدين مطلوبة وبيَّن الشيخ الفرجابي أننا مطالبون بالنظر إلى من هم أقل منا في الأمور الدنيوية، وأننا مطالبون بالنظر إلى من هم أعلى منا في الأمور الدينية حتى نرتقى ونعلو لدرجة الكمال. وأشار إلى أن المثل الأعلى والأكمل في التدين وتطبيق أوامر الله عز وجل هو النبي صلى الله عليه وسلم، وطالب بالسير على سنته ونهجه القويم وخُطى صحابته الأطهار الكرام.