السبت 14 ربيع الأول / 31 أكتوبر 2020
 / 
11:09 م بتوقيت الدوحة

خدمات الكرعانة.. «تعبانة»

يوسف بوزية

الإثنين 12 أكتوبر 2020
موقع أحد المشاريع غير المكتملة

سعياً للتنمية وتعميرها بالبشر.. هل آن أوان الهجرة العكسية من الدوحة إلى المناطق الخارجية؟

القرية تجاور مراكز ترفيهية كبرى مثل منتجع سلوى و«أكوا بارك».. وتفتقد للأسواق والبنوك والحدائق والمرافق العامة

انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية والمجتمعية تفتح «العرب» ملفاً استراتيجياً يتعلق بشؤون وشجون المناطق الخارجية بالدولة، بهدف وضع هذه المناطق في بؤرة الضوء أمام المسؤول والمواطن على حد سواء. 
ويطرح هذا الملف سؤالاً أساسياً فحواه: هل آن أوان تحقيق هجرة عكسية من الدوحة إلى المناطق الخارجية سعياً لنشر التنمية الشاملة في مختلف ربوع الدولة، وزرع هذه المناطق التي تتصل بحدود برية أو بحرية مع العالم، بالبشر لتعميرها؟
أرقام جهاز التخطيط والإحصاء تكشف عن حال سلبي لتوزيع السكان داخل البلاد؛ إذ يشير تعداد عام 2015 إلى أن ما نسبته 79% من إجمالي عدد السكان يقيمون في ثلاث بلديات فقط، هي: الدوحة، والريان، والوكرة، بواقع 42% و25% و12% على الترتيب، فيما تتوزّع نسبة الـ 21% الباقية من السكان على باقي بلديات الدولة.
والسياج البشري المأمول في هذه المناطق يتطلّب توسيع نطاق الخدمات والبنية التحتية لتحسين جودة الحياة هناك، لجذب شرائح سكانية جديدة، وتفكيك التكدّس بالدوحة والمدن الرئيسية بالدولة.

كان ينتظرنا في أحد مجالس «الكرعانة» العامرة ثلّة من الأهالي، مع دلّة القهوة الراسخة والجاهزة على مدى النهار. 
قهوة لها مذاق الهيل الطاغي.. وهو «عرض لا يمكنك رفضه» أو تجاوزه.. فليس من قواعد اللباقة رفض «عزومة» القهوة العربية ذات القيمة الوراثية الغنية، إلا إن كان الضيف يملك قدراً مناسباً من الجرأة.. الممزوجة بـ «التهور».

الأول للضيف.. والثاني للكيف.
كيف نقيّم الخدمات الأساسية في الكرعانة؟ 
«تعبانة!!»، قال مرافقنا الدؤوب رشدان عبيد آل رشدان، موضحاً أن حالة من تردّي الخدمات والمرافق الأساسية في قطاعات مختلفة.. تثقل كاهل 11 قرية وعشرات العزب الصغيرة المتآخية في محيطها.. منذ سنوات ونحن نطالب بالمساواة مع مناطق الشمال «المدللة».. والتي طالتها يد النهضة والتطوير من دون قصور أو تقصير.

خارطة مشاريع
تقع الكرعانة على بعد مسافة مشابهة من الدوحة ودخان؛ نحو 60 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة، ويسكنها نحو 300 مواطن، ورغم اختيار الكرعانة بالذات مقراً قديماً للحكم والإمارة في عهد الشيخ ﻋﻠﻲ ﺒﻥ ﻋﺒﺩﷲ ﺒﻥ جاسم ﺁل ﺜﺎﻨﻲ، لم يشفع لها ذلك في الحصول على الخدمات، فالقرية «سقطت من قائمة الخدمات الأساسية في قطاعات مختلفة».. كما يشرح السيد علي خلف العنزي راعي المجلس، مبيناً افتقار المنطقة للخدمات الضرورية، بما فيها خدمات الصرف الصحي، والحدائق العامة، والخدمات الحكومية، والمحلات التجارية، والبنوك، وغيرها من المرافق بعد أن كانت على خارطة المشاريع الخدمية والمناطق الصناعية الخاصة قيد التطوير من قبل شركة «مناطق».. 

قائمة مطالب
وبيّن العنزي أن المسافة بين الكرعانة وبين أقرب خدمة طوارئ بعيدة جداً، وقد لا يمكن إنقاذ المريض خلالها، لا سيما إذا كانت امرأة حاملاً في لحظاتها الأخيرة، أو مريضاً تستدعي حالته الصحية التدخّل لتقديم إسعافات أولية لإنقاذه.
وشاطره الرأي في هذا الإطار سعد خلف العنزي، أحد مواطني الكرعانة، مؤكداً خلوّ القرية من الخدمات المتاحة لأهل المدن، بما في ذلك جمعية الميره، وحديقة للعائلات، وملاعب رياضية، وجسر مقابل المنطقة يُسهّل حركة السيارات ذهاباً وإياباً إلى الدوحة.

كثافة سكانية
وأعرب العنزي عن أمله في أن تنال احتياجاتهم «قسطاً من الاهتمام»، والتي تتصدرها من حيث الأهمية خدمات الطوارئ، علماً بأن المركز الصحي الحديث والمجهّز بكل الوسائل الطبية، يعمل من الساعة صباحاً 7 وحتى الساعة 9 مساءً، ويغلق في أيام الإجازات والأعياد وعطلة نهاية الأسبوع، وهو أمر يتعارض مع مبدأ الرعاية الصحية، وسلامة أهالي المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية، خاصة أن المركز الصحي يخدم -إلى جانب الكرعانة- مناطق عديدة، مثل: أم عوينه مقارين بن شويرب، وسهلة المرخ، وأم غويلينة، وجريان البطنة، ومرخية الدرب، وبيضاء القاع، وأم قرن الغربية، وروضة الأرنب، وأم حوطة، والعامرية، بالإضافة إلى الكثافة الكبيرة للعزب المحاذية للكرعانة، إلى جانب وجود مناطق حيوية، مثل: منتجع أكوا بارك، ومنتجع سلوى، ومعسكرات للجيش، ومراكز شرطة.
كما أعرب عن شكره لممثل الدائرة 21 في المجلس البلدي، السيد نايف بن علي مايقة الأحبابي، على تواصله مع أهالي المنطقة، وجهوده الواضحة في توفير النواقص، واستمرار مساعيه في توفير ما يلزم من المشاريع الخدمية الأساسية.

جولة ميدانية
وبينما يصطحبنا في جولة «ميدانية» لرصد الأوضاع الخدمية وآمال الأهالي في المنطقة، لتكون بمثابة «دليل إرشادي» أمام المسؤولين عند تحديد الاحتياجات الضرورية المطلوبة لها.. يؤكد رشدان عبيد آل رشدان أن قضية نقص المرافق مشكلة تؤرق جلّ المواطنين والمزارعين في منطقة الكرعانة وما يجاورها، بما فيها نقص المحلات التجارية، والمتنزهات العامة، والصرف الصحي، والحلاقة، والمخابز، وخدمات «الدراي كلين»، والجزارة، والحدادة، والورش الصناعية، والأعلاف، ومجمع الخدمات الحكومية، وخدمات السيارات، ونقص المياه، حيث اعتاد الأهالي على مدى السنوات الماضية، وحتى اليوم على استخدام تناكر المياه، في ظل وعورة الطرق التي تؤدي إلى مزارعهم وحلالهم، خصوصاً في فصل الشتاء، حيث تحيل الأمطار الطرق إلى برك من الوحل، يصعب معها وصول المواطنين إلى مزارعهم لمتابعة محاصيلهم ونخيلهم.

مرافق التعليم
وعندما بدأت الشمس في تغيير اتجاهها نحو المغيب، بدأ زميلي المصور وأنا في تغيير اتجاهنا نحو الجنوب، حيث عاد أدراجه إلى موقف السيارات بخُطى متثاقلة أنهكها يوم شاق من العمل والحر..
وقبل انصرافه أكد مرافقنا رشدان أن الدولة لم تقصِّر في بناء المرافق التعليمية والمدارس ورياض الأطفال، مستطرداً: «لكن هذا لا يمنع أن تنال احتياجاتنا الأخرى، بما فيها الخدمات الصحية، قسطاً من الاهتمام»، منوّهاً في هذا الصدد بتأكيدات كثير من المسؤولين بأن الخدمات الرئيسية ليست مكرمة أو منحة من الدولة، بل واجب عليها تجاه المواطنين بدواً وحضراً.. شمالاً وجنوباً.

شبكة حديثة

كان الأهالي على موعد مع شبكة حديثة من الطرق السريعة، التي خُطط لها أن تصل القرية بالمناطق الحيوية في قطر والمنطقة، لما تتميز بموقعها في منتصف الطريق الواصل بين الدوحة ومنفذ أبو سمرة الحدودي مع المملكة العربية السعودية، ما يجعل منها البوابة البرية إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي.
لكنّ الحصار بدّد الآمال بإنشاء خط السكك الحديدية، واستفادة الأهالي من ربط القرية بالميناء والمواقع الحيوية بالدولة، وهو ما حرم المنطقة من فرصة أن تكون موقعاً مثالياً للعمليات والصناعات التي تحتاج إلى مساحات كبيرة لتخزين البضائع.
وأكد إبراهيم خلف العنزي من جانبه، أن خدمات الطوارئ تتصدر قائمة المطالب الملحّة لأهالي الكرعانة وما يجاورها، خصوصاً أن المركز الصحي الوحيد الذي تم تشييده في المنطقة لا يفتح أبوابه بعد الساعة التاسعة مساءً، ما يضطر الأهالي لقطع مسافة أزيد من 140 كيلومتراً ذهاباً وإياباً، من أجل مراجعة العيادات الصحية أو زيارة عيادة الطوارئ في الدوحة أو مدينة الوكرة، أو المستشفى الكوبي على بعد 85 كيلومتراً.

_
_
  • العشاء

    6:23 م
...