زينب خاتون.. قصر تحيط به الأساطير
منوعات
12 أكتوبر 2012 , 12:00ص
القاهرة - العرب
ما إن يبدأ بالحديث حتى يفتح بابتسامته ونبرة صوته الهادئة خزائن التاريخ المغلقة، بسلاسة يعود بك إلى حكايات ملوك وأمراء عاشوا قبل مئات السنين، تراهم بخيال واسع في أثناء الجولة التي يصطحبك بها في أروقة القصر الغامض الذي امتلأ بالدهاليز والحجرات المصممة بطراز معماري نادر يميز عصر المماليك وما سبقه من عصور مصرية أصيلة.
هنا تجول «محمد بك الألفي» أول ملاك القصر مع حاشيته، وهنا جلست «زينب خاتون» صاحبة القصر الشهير بميدان الأزهر، تعالج الفدائيين الذين تسللوا هرباً إلى قصرها الشهير بالمقاومة الشعبية أيام الحملة الفرنسية، لتستقر أجسادهم في المقبرة الملحقة بالقصر الذي رحل عنه ملوكه وأمراؤه، تاركين «عم أشرف» حارس قصر «زينب خاتون» الذي أحاطته الشائعات عن أرواح أهل القصر التي تتردد لزيارة المكان الخالي، «عم أشرف» الذي تفرغ للتعرف على كل ركن من أركان البيت الكبير حفظ تفاصيله عن ظهر قلب طوال عشرين عاماً جلس خلالها على أبوابه، وعاش مع ضيوفه القادمين من أزمانهم البعيدة لإلقاء التحية على أهل البيت.
«عم أشرف عبدالكافي قاسم» 48 عاماً، ليس مجرد حارس عينته وزارة الآثار لحراسة مجموعة من البيوت الأثرية العريقة بمنطقة جمعت بيت زينب خاتون وبيت الهرواي وبيت الست وسيلة ومدرسة العيني، التي حفلت بحكايات تاريخية قبل أن يتحول معظمها إلى بيوت ثقافية ومزارات سياحية يتولى أمرها «عم أشرف» الذي لم يكتفِ بالجلوس على عتبتها لقطع التذاكر، بل توجه إلى الكتب التاريخية وحجة البيوت التي يسرد منها حكاية كل بيت بالتفصيل، ينتقل بين العصور المختلفة بسلاسة ويحكي القصص مؤرخة بالسنوات.
«كل بيت له حكاية.. زينب خاتون أتسمى على اسم زينب خاتون آخر ملاك القصر من العصر العثماني عام 1836 بعد أن ورثته عن زوجها «شريف حمزة الخربوطلي» أو من لقب «بأمير الحج» في هذا الوقت نظراً لتوليه خروج موكب كسوة الكعبة».
أما عن العالم الروحاني الخاص الذي لم يطلع عليه سوى «عم أشرف» حارس الكنوز التاريخية المختبئة وراء أحجار تخطى عمرها مئات السنوات، فليس من المعتاد أن يحكيها «عم أشرف» لكل من يسأله ببساطة، فأحياناً يخشى إخافة أحد الزوار بقصصه التي ليس من السهل تصديقها، ويكتفي بسردها على من حوله من جيران بالمنطقة في أثناء جلوسه في حلقات لسرد قصة الرجل ذي الجلباب الأبيض الذي رآه «عم أشرف» يتجول في صحن القصر ليلة مولد «الحسين».
«كلمته قولتله بتعمل إيه هنا.. ضحك ولما حاولت أشده قالي أنا هدخل الأوضة دي وأطلع أوام.. وبعدها اختفى!» يبتسم «عم أشرف» وهو ينهي قصته التي ظل يتذكرها عاماً بعد عام، لم يشعر بالخوف من رؤية أحد سكان البيت الذي اقتنع تماماً أنه لن يؤذيه «ممكن يكون من حراس المكان وكان جاي يزوره» ببساطة شديدة يفسر «عم أشرف» ما يراه من أشخاص يتجولون ليلاً ونهاراً في صحن قصر زينب خاتون وبيت الست وسيلة، وما يسمعه من وقع أقدام مجموعة من الأطفال تتعالى صيحاتهم على سلم الخدم وسرعان ما تختفي الصيحات بمجرد هرولته على السلم بحثاً عنهم» يصدق تماماً أنهم أهل المنزل وهو أحد ضيوفهم ولا يحب أن يكون ضيفاً ثقيلاً!
«دول أهل البيت.. مش جن ولا عفاريت زي ما الناس فاكره الجن بيظهر في صورة حيوان.. بس اللي أنا شفته دا واحد وشه سمح ولابس جلابية بيضا»، يبتسم «عم أشرف» مقتنعاً بروايته غير منتظر أن يصدقها أحد، «استنيت الشخص دا يجي تاني عشان كنت عايز أتكلم معاه ويحكيلي هوا مين وإيه حكايته»، بصدق يقول «عم أشرف» الذي استمر في فتح باب الغرفة التي اختفى بها شبح الجلباب الأبيض كل عام في موعد «الليلة الكبيرة» ولكن دون جدوى.
«البيوت دي مكاني وبقت جزء مني.. أنا كتير بتجول فيها لوحدي، وكتير أوي ببات هنا»، كثيراً ما يتجول بها ليلاً حاملاً شمعدانا صغيرا يحاول تخيل الحفلات وليالي القصر المضيئة يسمع بعض الهمهمات هنا، وبعض الضحكات التي تثير ابتسامته هناك، لا يشعر بالخوف الذي يشعر به من يدخل القصر وحيداً، فهنا عاش وهنا حفظ تاريخا طويلا لحضارات اختفت وما زال أهلها يمرون على «عم أشرف» لإلقاء التحية.