سحر النبي كان في الأمور الدنيوية ولا علاقة له بأمر التبليغ والتشريع

alarab
الصفحات المتخصصة 12 أكتوبر 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. أيَّ الرأيين نرجح؟ والآن ما موقفنا أمام الرأيين المتنازعين بين إثبات السحر ونفيه؟ أيهما أحق بالقبول والترجيح؟! والذي يلوح لي من خلال النصوص والأدلة وموازناتها بعضها ببعض: أن هناك جملة أمور يجب أن نبينها بوضوح وجلاء: أولا: أن آية النفاثات في العقد يمكن أن نفسرها ونشرحها ونبين المراد منها، دون ربطها بما جاء من الأحاديث في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، سواء ارتضينا هذه الأحاديث كما ارتضاها جمهور العلماء، مثل: الطبري، والقرطبي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم. ولم يثبت أن هذه الواقعة سبب نزول السورتين، بل الثابت المعول عليه: أن السورتين نزلتا بمكة. ثانيا: حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم، يمكن أن نسلم به، على أن نحمل ما روي أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، لا يتعلق بأمر التبليغ ولا التشريع، إنما كان في أمر دنيوي، وهو ما يتعلق بأمر الجماع، وهو ليس بأمر ذي بال، ولا يخل بأمر العصمة المطلوبة، والواجبة للأنبياء جميعا، وهنا نرفض كل ما ينافي العصمة في التبليغ، أو يجوز تطرق الشك إليه ، ويكون ذلك طعنا معتبرا في صحة الرواية التي تثبت ذلك. ثالثا: أن الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان في بدنه لا في عقله، فهو نوع من المرض الذي يبتلى به الناس عامة، حتى الأنبياء عليهم السلام، ولا نقص عليهم في ذلك، كما ذكر ابن القيم. وقد ابتلي أيوب عليه السلام بما ابتلي به، حتى شفاه الله، حين {نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83-84]. على أننا نرجح هنا الرواية التي تجعل مدة إصابته بهذا الابتلاء كانت أياما، ولا نقبل الرواية التي جعلتها عدة أشهر. رابعا: إننا أخذنا برأي الجمهور في أن {النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ} هي الأنفس التي أنست بالشر، واستراحت إليه ، وركنت إلى السحر وأهله ومصادره، تلجأ إليه م وتستعين بهم، فإنا نعلن: أن هذه الأنفس إنما هي أنفس صغيرة مهزومة، جندت نفسها للشيطان تأتمر بأمره، وتسير في ركابه، وأن سحرها لا يعطيها قوة خارقة تعلو بها على المؤمنين، وتتطاول بها على الدعاة الصادقين. وأن هؤلاء السحرة، وإن نبغوا في علمهم وتفوقوا فيه:َ لا يضرون أحدا إلا بإذن الله، وأن من يستعين عليهم بالله تعالى، ويلوذ بحماه مستعيذا من شرهم، فإن الله أهل أن يعيذه ويحميه من كيدهم وأذاهم. خامسا: لا أوافق الإمام محمد عبده على إخراجه شر السحرة بإطلاق من الشرور المستفادة منها في السورة، بل أرى أن من المناسب التحذير من شر هذه الفئة الخطيرة، ومن كل ما يلحق بها، ويتفرع منها، من المنجمين والكهنة والعرافين والرمالين وأمثالهم. السحر من كبائر الإثم ومما لا خلاف فيه: أن السحر معصية لله تعالى، بل هو من كبائر المعاصي والآثام، حتى جاء في الحديث المتفق عليه، أنه صلى الله عليه وسلَّم، قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق..» الحديث . فانظر كيف جعله بعد الشرك بالله تعالى، وهو أكبر الكبائر. وفي الآية التي ذكرت قصة هاروت وماروت، قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة:102]. وقد اختلف الفقهاء في عقوبة الساحر، فذهب بعضهم إلى أن عقوبته أن يضرب بالسيف. وأعتقد أنه لا خلاف بين الفقهاء في تأثيم الساحر، وأن إثمه عند الله عظيم، ولكن الخلاف إنما هو في حقيقة السحر ما هي، وما طبيعتها؟ وما أثرها إن كان له أثر؟ والذي ينبغي أن لا يختلف عليه بين الفقهاء: أن يكون للسحر أثر، وأن يكون أثره سيئا وضارا، وإن كان ضرره بإذن الله، كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102]. وأنه أمر يعاقب الله عليه في الدنيا والآخرة، وأنه يجب أن يعزر فاعله في الدنيا. أما حقيقته، وهل هو مجرد إيهام وتخييل وسحر لأعين الناظرين، أم هو أمر مؤثر في الأبدان بالأمراض، وفي العقول بالبلبلة والاضطراب، وفي المجتمع بالتفريق بين المرء وزوجه، وبين الصديق وصديقه. هنا يحدث الاختلاف، وانقسام العلماء إلى فرقاء ثلاثة: -1 هناك فريق يبالغ في الإثبات، ويرون أن السحر يؤثر في الأبدان والعقول، والأسر والمجتمعات، ويوقنون بأن الساحر له قدرة يلمس الناس أثرها، في الوصل والقطع، والتجميع والتفريق، والصحة والمرض، والبغض والحب، وهو ما ينسب إلى الأشاعرة، أو إلى أهل السنة عامة. -2 وفريق يبالغ في النفي، ولا يثبت للساحر أي قدرة، أو أثر في غيره، إنما هو إيهام وإيحاء وتخييل، وسحر للأعين، كما صرَّح القرآن في سورة الأعراف وفي سورة طه، وهو مذهب المعتزلة، وهو ما اتجه إليه الشيخ محمد عبده، الذي قال: ماذا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه: تلك الطرق الخبيثة الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته، والزوجة عن زوجها؟ وهل يبعد أن يكون مثل هذه الطرق مما يتعلم وتطلب له الأساتذة؟ ونحن نرى أن كتبا الفت! ودروسا تلقى لتعليم أساليب التفريق بين الناس، لمن يريد أن يكون من عمال السياسة في بعض الحكومات؟ . -3 والفريق الثالث: هم الأمة الوسط، التي تقف بين الغلو والتفريط بين الفئتين المذكورتين، فهي تثبت للساحر عملا وتأثيرا في الأشياء، وهو تأثير سيئ وضار، وضرره بإذن الله، وبهذا استحق أن يكون من الموبقات السبع، وأن يُذكر بعد الإشراك بالله سبحانه، حتى أمر الله رسوله – وأمرنا معه بالتالي- أن نتعوذ بالله من شر النفاثات في العُقد، والمقصود عند جمهور الأمة من الخلف والسلف: أهل السحر. ولهذا كتب عمر إلى ولاته: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر . ولكن هذا الفريق لا يقولون: إن الساحر قادر على تبديل طبائع الأشياء، فينقل العصا أو الحبل إلى حية تسعى، أو ثعبان مبين، فهو أعجز وأقصر من أن يفعل هذا، إنما – كما ذكرنا- إيهام وتخييل. وسحر أعين هذه الجموع الكثيرة، حتى نحسب الحبال والعصي قد انقلبت إلى حيات تسعى، حتى أوجس موسى خيفة في نفسه، حينما وصل إليه من سحرهم أنها تسعى، ليس بأمر هيِّن، وهو يدل على أن لهم شيئا من التأثير بسحرهم. كما قال ابن القيم. ومن هنا ورد التحذير من هذا الباب كله، من السحر وما يتعلق به، وما يتنوع عنه، من أشباه السحرة، كالكهنة والعرافين والمنجمين، وكل هذه الأصناف. وقد جاء في حديث ابن عباس: «من اقتبس علما من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» . وفي حديث أبي هريرة: «من أتى كاهنا، أو عرافا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد» . وفي حديث بعض أمهات المؤمنين: «من أتى عرَّافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» . كلام العلامة رشيد رضا في حديث السحر، وتفسير الآية ويسرني أن أنقل كلام العلامة محمد رشيد رضا، في حديث السحر، وهو ليس كلام النافي له، أو المكذب به، بل كلام من يصدق به، ويؤوله أحسن تأويل، يقنع أهل العقل والنظر، ولا يرده أهل النقل والأثر، شأن علماء الوسطية والاعتدال أبدا. وإليك ما ذكره في نهاية تفسير سورة الفلق، من قصار السور تحت عنوان: علاوة لتفسير السورة في حديث سحر منافق من أشرار إليه ود للنبي صلى الله عليه وسلم. وبعد أن ذكر رواية الشيخين للحديث، من طريق عائشة رضي الله عنها، وهي التي أوردناها من قبل، أشار إلى الرواية الأخرى، حيث قال: وفي رواية الشيخين: كان صلى الله عليه وسلم سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن بنحوه، وفيه: سَحره رجل من بني زريق حليف إليه ود كان منافقا . وعن زيد بن أرقم: سَحر النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ من إليه ود فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل، فقال: أن رجلا من إليه ود سحرك، عقد لك عُقدا، في بئر كذا وكذا، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فحلَّها، فقام كأنما أنشط من عقال! فما ذكر ذلك لذلك إليه ودي، ولا رآه في وجهه. رواه النسائي. والأيام جمع قلة، ولكن بالغ بعض الرواة في غير الصحيحين فجعلوها أشهرا. قال السيد رشيد: فهذا الحديث صريح في أن المراد من السحر فيه خاص بمسألة مباشرة النساء، ولكن فهم أكثر العلماء أنه صلى الله عليه وسلم سحر سحرًا أثّر في عقله، كما أثر في جسده، فأنكره بعضهم، وبالغوا في إنكاره وعدوه مطعنًا في النبوة ومنافيًا للعصمة، لقول عائشة: حتى إنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله. فعظمت هذه الرواية على علماء المعقول، وعدُّوها: مخالفة للقطعي في النقل، وهو ما حكاه الله تعالى عن المشركين من طعنهم فيه كعادة أمثالهم في رسلهم بقولهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا} وتفنيده تعالى لهم بقوله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء:47]. ومخالفة للقطعي في العقل، من عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من كل ما ينافي النبوة والثقة بها، إذ يدخل فى ذلك التخييل ما هو من التشريع. ومخالفة لعلم النفس الذي يعلم منه أن الأنفس السافلة الخبيثة لا تؤثر في الأنفس العالية الطاهرة، فأنكر صحة الرواية بعض العلماء. وأقدم من عرفنا ذلك عنهم من المفسرين الفقهـاء أبوبكر الجصاص في كتابه: «أحكام القرآن» وآخرهم شيخنا الأستاذ الإمام في «تفسير جزء عم». وقد أطال شيخنا في هذا وبالغ فيه. وبنى إنكاره له على القاعدة المتفق عليها عند علماء العقائد وأصول الفقه، في معارضة الظني للقطعي، إذ الحديث آحاد، وهو يفيد الظن، فيُردّ بالقطعي عقلا ونقلا، وهو ما ذكرناه آنفًا. وقد اتفقوا على أن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في أصول العقائد. وقال: إن كونه يفيد الظن خاص بمن صح عنده، وإن له أن يتأوله أو يفوض الأمر فيه، على قاعدتهم الأخرى في النصوص المعارضة للعقل. ولعمري إن ما نعرفه عن شيخنا محمد عبده -قدس اللّه روحه- من إجلاله وإكباره لشأن محمد رسول اللّه وخاتم النبيين، في نفسه الزكية، وروحه القدسية، وعلو مداركه العقلية، مما لم نعرف مثله عن أحد من العلماء العقليين كفلاسفة المسلمين ومتكلميهم، ولا من العلماء الروحيين كالصوفية، ولا من علماء النقل كجامعي الروايات الكثيرة في معجزاته -صلى الله عليه وسلم- وحسبك منها تلك الإشارة البليغة في: (رسـالة التوحـيد). بل كان يقـول: إن روحه -صلى الله عليه وسلم- كانت منطـوية على جملة هـداية الدين، ومدارك التشريع، التي فصلت في كـتاب اللّه تعالى وسنته تفصيلا تامًّا، كما نقلناه عنه في تاريخه. وأجاب عن الرواية المحدثون المصححـون لها علمًا، والمقلدون لهم: بأن غاية ما تدل عليه: أن ذلك السحر إنما أثر في بدنه دون روحه وعقله، فكان تأثيره من الأعراض الجسدية، كالأمراض التي لم يعصم الأنبياء عليهم السلام منها. وقد محصت هذه المسألة مرارًا، آخرها في الرد على مجلة الأزهر (نور الإسلام) في زعمها المفترى: أنني كذبتُ حديث البخاري في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فبيّنت: أن الحديث الصحيح في المسألة عن عائشة رضي الله عنها، تُوهم عبارة بعض رواياته ما هو أعم من المعنى الخاص الذي أرادته منه، وهو مباشرة الزوجية بينه صلى الله عليه وسلم وبينها، فقولها: (كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وهو لم يفعله) كناية عن هذا الشيء الخاص لا عام في كل شيء، فلا يدخل فيه شيء من أمور التشريع، ولا غير غشيان الزوجية، من الأمور العقلية، أو الأمراض البدنية، فضلا عما كان يريده الذين يرمون الأنبياء بسحر الجنون؛ لأن أمورهم فوق المعقول عند أولئك الكافرين، فالمسألة محصورة فيما يسمونه حتى الآن (الربط) أو (العقد) أي: عقد الرجل المانع من مباشرة زوجته فقط. وبينت أيضًا أن الرواية في أصح أسانيدها عند الشيخين، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فيها علة من علل الحديث الخفية التي يشترط في صحة الحديث السلامة منها، وهى: أن بعض منكري الحديث أعلّوه بهشام هذا، وألّف بعضهم كتابًا خاصًّا فيه، محتجًا بقول بعض علماء الجرح والتعديل: إنه كان في العراق يرسل عن أبيه عروة بن الزبير ما سمعه من غيره، وعروة هو راوية عائشة الثقة، وهي خالته. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، يعنى: هشامًا، وقد نقم منه حديثه لأهل العراق. وقال ابن القطان: تغيّر قبل موته. ولاشك أن تعديل الجماعة له ومنهم الشيخان، خاص بما رواه قبل تغيره، فهذا عذر من طعن في روايته لهذا الحديث الذي أنكروا متنه بما علمت، والأمر فيه أهون مما قالوا ، فالتحقيق أنه خاص بمسألة الزوجية كما جاء في التصريح به في الرواية الثانية كما تقدم، ولا يعتدّ بغير هذا. أما ما رواه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس في مرضه صلى الله عليه وسلم، وأنه كان شديدا، وأنه كان سحرا في بئر تحت صخرة في كربة ، وأنهم أخرجوها فأحرقوها فإذا فيها وتر فيه إحدى عشر عقدة، وأنزلت عليه هاتان السورتان – يعني المعوذتين- فجعل كلما قرأ آية انحلَّت عقدة. ا.هـ ملخصا، فهذا حديث باطل مخالف لحديث الصحيحين في المسألة، ولروايات نزول السورتين بمكة، وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي هذا متهم بالكذب، وطريقه أوهى الطرق عن ابن عباس، واسمه محمد بن السائب. وأما ما رواه أبو نعيم في الدلائل عن أنس، قال: صنعت إليه ود للنبي صلى الله عليه وسلم شيئا فأصابه من ذلك وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فظنوا أنه الم به، فأتاه جبريل بالمعوذتين فعوذه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحا، فهو من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، وهما ضعيفان. وليس في متنه ذكر السحر ولا أن المعوذتين نزلتا في ذلك الوقت، ولا في أي شيء من روايات الصحيحين. فالاستدلال به على أنهما مدنيتان ضعيف، فالحق أنهما مكيتان كما تقدم. ا.هـ {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} وهذا هو الشر الرابع والأخير مما علمتنا سورة الفلق أن نعوذ بالله رب الفلق ونحتمي به منه. وهو شر يصدر من الأنفس الخبيثة، كما يصدر عنها السحر الذي ذكر في الآية السابقة. معنى (الحسد): ومعنى الحسد لغة: بغض النعمة عند شخص وتمني زوالها عنه، وإن لم تنتقل إليه ، فهو يكره نعمة الله التي أنعم بها على فلان من الناس، من صحة أو ذكاء، أو علم أو مال أو زوجة، أو ولد، أو حب الناس، أو غير ذلك من النعم وما أكثرها، ويتمنى زوال هذه النعمة عن صاحبها، ومثل ذلك أن يكون الشخص محروما من نعمة ما، كالمال أو الولد أو العلم، فهو يتمنى استمرار هذا الحرمان، ويسوؤُه أن يعطيه الله شيئا من ذلك. وقد يكون الحسد متعلقا بشخص معين يكره وصول نعمة الله عليه، وقد يكون متعلقا بأكثر من واحد، بل هناك من يكره كل نعمة عند شخص آخر غيره، وهذا شر الحاسدين. فهو يتلظى في جمر من الألم والنكد والكآبة كلما رأى نعمة عند أحد غيره، فلا غرو أن تراه في عذاب دائم، وأسى مستمر، فهذا الحسد يحمل عقوبته لصاحبه معه، ولذلك قالوا: لله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله! وقوله تعالى: {إِذَا حَسَدَ} دليل على أن الحسد لا يضر إذا كتمه الإنسان في نفسه، ولم يظهر أثره في قول ولا فعل، ولا لسان ولا يد. فإنه يظل مما حدثت به الأنفس، مما يدخل في دائرة ما عفا الله عنه، كما في الصحيح: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . فمعنى(إذا حسد): أي إذا ظهر حسده،وأذى به المحسود،وضره بوجه من الوجوه. والحسد من معاصي القلوب، وهي أشد خطرا، وأعظم إثما من معاصي الأبدان والجوارح، ومعلوم أن معصية آدم كانت من معاصي الجوارح، ولذلك سرعان ما تاب منها، بخلاف معصية إبليس، فقد كانت من معاصي القلوب، وهي حسد آدم على ما آتاه الله من فضل ونعمة، حتى أمر ملائكته بالسجود تكريما له. ولهذا قال اللعين: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء:62]. فدفعه الحسد إلى معصية أخرى أعظم وأخطر، وهي الاستكبار على أمر الله، {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ} [البقرة:34]. ولهذا قال العلماء: الحسد أول معصية حدثت في السماء، وأول معصية وقعت في الأرض. يعنون بأول معصية وقعت في السماء: معصية إبليس حين حسد آدم، ويعنون بأول معصية وقعت في الأرض: معصية ابن آدم الذي حسد أخاه، حينما {قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة:27]، وهو ما يعرف في الإسرائيليات بقصة قابيل وهابيل. تأثير الحاسد في المحسود: وقد دلَّت الآية على أن الحسد يؤثر في المحسود ويصيبه بالشر، ولهذا كان الأمر بالاستعاذة منه. وتأثير (الأنفس) الخبيثة والشريرة الحاسدة في المحسود أمر بيِّن، حتى ليصيبه المرض والألم، خصوصا إذا صوَّب نظرات عينيه، كأنهما سهمان أو رصاصتان يصوبهما إلى صدره. وهو ما استفاض، بل تواتر شعور الناس به، وتأثرهم بمصائبه، وشكواهم من شدة تأثيره وتكراره. بل كثيرا ما يبالغ بعض الناس في ذلك. وقد صحت الأحاديث في تأثير العين في الإنسان، وهي أثر من آثار الحسد غالبا، وجاء في الحديث: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين» . وجاء في تعويذات النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن كل عين لامَّة» . وتحدث الفقه عن (العائن) وأثره في الغير ومدى مسؤوليته. وفي بلاد الخليج يتحدث الناس أن هناك قبائل، أو أفخاذا، في قبيلة معينة مشهورة بقوة تأثير أعينها في الآخرين. وقد حُمل قوله تعالى في سورة يوسف على لسان يعقوب: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف:67]. قال أكثر المفسرين: خشي عليهم العين. وقد كشف لنا العلم الحديث من أسرار النفس البشرية، ما لم يكن يعرفه الأقدمون منها، فذكروا لنا ما يسمونه قراءة الأفكار، أي: قراءة ما يضمره الإنسان في باطنه، وما يسمونه التخاطر عن بعد، وبه فسرت حادثة عمر وسارية. حين قال: يا سارية الجبل الجبل! وكذلك ما شاهدناه بأعيننا من ظاهرة التنويم المغناطيسي. فهذا كله يقرب لنا ما يمكن أن تحدثه نفس الحاسد من شر في حياة المحسود. وما يحمله من إثم، إذا كان متعمدا لتوجيه الشر إليه ، بخلاف ما إذا صدر ذلك قهرا عنه، ولم يكن راضيا عنه، و{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. * يتبع الجمعة القادمة إن شاء الله