صحابي صابر أمام جبروت كسرى
الصفحات المتخصصة
12 أكتوبر 2012 , 12:00ص
أبو عبد الله
بعث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جيشا إلى الروم وفيه أحد الصحابة: عبد الله بن حذافة السهمي، الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك برسالته إلى كسرى، فأسر جميع المسلمين وفيهم عبد الله بن حذافة، وقيل لملك الروم أو لأميرهم: إن في هؤلاء أحد أصحاب محمد، فقال لهم: أجيعوه – امنعوه عن الطعام والشراب- فمنعوه عن الطعام والشراب أياما، ثم قال: اعرضوا عليه لحم الخنزير، فعرضوا عليه لحم الخنزير، فأبى أن يأكل منه، فجيء به أمام الملك وقال له: ما لك لا تأكل لحم الخنزير؟ اليس هذا حلالا لكم في مثل حالتك؟ فقال له: قد علمت والله إنه حلال لي، وأن الله قد رخص لي في أكله، ولكن ما كنت لأقر عينك بأكلي من هذا الخنزير! رفض أن يسره بالأكل وهو رخصة له: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } [البقرة:173].
ثم قال له: ما رأيك أن تدخل في النصرانية وأشركك في ملكي وأمري وسلطاني؟ فقال له: والله لو عرضت على ما تملك وما ملك جميع العرب والعجم على أن أترك دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت ذلك. فقال: إذن أقتلك. قال: أنت وذاك.
فقال لهم: اصلبوه، فصلبوه، وقال لهم: ارموا قريبا من يديه ومن رجليه ولا تصيبوه. أراد أن يفزّعوه ويرعبوه. فرموه بالنبال من حوله قريبا من يديه ورجليه، وهو ثابت كالطود الأشم لا يتزلزل ولا يتزعزع.
ثم أنزله وقال له: إلا تدخل في النصرانية؟ فأبى. فجيء بأسيرين من المسلمين أمامه، وقد أمر بماء وضع في قدر، وأوقد تحته حتى غلى واشتد غليانه، فجيء بأحد الأسيرين، فألقي في هذا القدر، حتى بدت عظامه. ثم قال له: أتريد أن تلقى مصير هذا؟ ادخل في النصرانية، فأبى. فقال له: إذن القيك في هذا القدر كما فعل بصاحبك، فزرفت عينه الدمع، فظن أنه قد جذع وضعف، قالوا: إنه بكى، فقال الملك في نفسه: هذه فرصة، فعرض عليه الدخول في النصرانية، فأبى، قال له: إذن لماذا بكيت؟ قال: بكيت لأنك إذا وضعتني في هذا القدر هلكت وذهبت نفسي، وكنت أود والله لو أن لي تحت كل شعرة نفسا تلقى حتفها في سبيل الله!
عجب الرجل من ثباته وصموده وصبره، فقال له: تقبل رأسي وأخلي سبيلك وسبيل جميع أسرى المسلمين؟ فقال في نفسه: عدو من أعداء الله يخلي سبيلي وجميع أسرى المسلمين، ما عليَّ إذا قبلت رأسه، والله لا أبالي بذلك في سبيل الله، فقام وقبل رأسه. فأطلق له جميع أسرى المسلمين.
وعاد إلى عمر رضي الله عنه، وقص عليه الخبر، وكأنه يعتذر من عمر أنه قبل رأس هذا الرجل الطاغية من أجل الإفراج عن جميع أسرى المسلمين، فقال عمر بن الخطاب: حق على كل من هنا أن يقوم فيقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، وقام وقبل رأسه جميع المسلمين.
الإيمان هون عليه كل المتاعب، وسهل عليه كل المصاعب، ويستصغر من أجله كل ما يلقى في الله.
هذا هو الصبر، هذه هي النفوس التي رباها الإسلام، هذا هو الفرد الذي نريده إذا كنا نريد تغيير مجتمعنا من حال إلى حال أحسن.
اللهم اجعلنا من الذين يؤمنون فيعملون، فيتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر، اللهم آمين