السادة يدعو للأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة
محليات
12 سبتمبر 2015 , 02:10ص
الدوحة - العرب
قال فضيلة الشيخ عبدالله بن إبراهيم السادة إن على المسلم أن يعرف قدر عمره وهدف حياته، ويستغل ساعات عمره ولحظاته، ويستكثر من فعل الخيرات حتى مماته، قال ربنا عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وذكر في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس، بجامع مريم بنت عبدالله بالدفنة، أنه بعد أيام معدودات، نستقبل موسماً عظيماً وأياماً مباركات، هي أعظم الأيام وأحبها إلى الله، هي موسم طاعة الله وعبادته، تنتظرها الأمة الإسلامية بشوق عميق لما فيها من المنح والعطايا والخصائص والمزايا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [رواه البخاري].
وقال السادة إن الصالحين ما زالوا يستكثرون فيها من العمل الصالح، ويتنافسون فيها، والسعيد من اغتنم تلك المواسم وفاز بوفير الجوائز والمغانم.
وأشار إلى أنه لمكانتها أقسم الله بها تشريفاً لها، وتعليةً من شأنها، فقال تعالى: (وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ*وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين: المراد بالعشر؛ هي العشر الأول من شهر ذي الحجة.
وقال الإمام ابن حجر رحمه الله: «والسبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة من صلاة وصيام وصدقة وحج ولا يكون ذلك في غيره». ومن مزاياها أنها حوت أحب الأيام وأعظمها وهو يوم العيد، يوم الحج الأكبر، وكذلك يوم عرفة الذي كمل به الدين وتمت به نعمة رب العالمين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً).
أفراح المؤمنين
ولفت السادة إلى أن أفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بإكمال طاعتهم له، فهذا هو الفضل الذي يفرح به المؤمن ويسر، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «ولما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنيناً إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادراً على مشاهدته في كل عام: فرض على المستطيع الحج مرةً واحدةً في عمره، وجعل موسم العشر مشتركاً بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته».
اغتنام الفرصة
وأضاف «فواجبنا جميعاً استشعار هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة، فنخص العشر بمزيد عناية، ولنعظم هذه العشر فنكثر فيها من العمل الصالح، فمن لم يمكنه الحج فعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بطاعة الله تعالى وعبادته، تخليةً من الذنوب ورديء العادات، وتحليةً بكثرة الصلاة وتلاوة القرآن، والذكر والدعاء، والصدقة والإنفاق في سبيل الله، والشفقة بالضعفاء ورحمة الفقراء، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله... وغير ذلك من طرق الخير وصنوف الطاعات.
وذكر خطيب الجمعة أن أهم ما ينتهزه المسلم في هذه الأيام: التوبة النصوح؛ فلها في هذه الأيام شأن عظيم، فأجرها مضاعف، وإذا اجتمع لك توبة نصوح مع أعمال فاضلة في أزمنة فاضلة فهذا عنوان الفلاح: (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ).
الحنين إلى بيت الله
وقال إنه مع إطلالة هلال ذي الحجة يزداد اللهف والحنين إلى بيت الله العتيق ومهوى الأفئدة.
كيف لا؟! والمسلمون يتلهفون للجزاء العظيم الذي وصفه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه».
طاعات تعادل الحج
وتساءل السادة: أنى للمرء أن يوفق للحج في كل عام؟ ولذا كان من نعم الله العظيمة، وعطاياه الكريمة على عباده أن هيأ لهم أعمالاً صالحةً، وجعل ثوابها وفضلها كثواب الحج، في الجزاء لا الإجزاء، فضلاً من الله ونعمةً، ومن هذه الأعمال عزم النية على الحج متى تيسر ذلك: فعن أبي كبشة الأنماري أن رسول الله قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء».
قال ابن رجب رحمه الله: «قد حمل قوله: «فهما في الأجر سواء» على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه فلم يعمله».
ومن هذه الأعمال أيضاً: ذكر الله سبحانه وتعالى دبر كل صلاة مكتوبة: فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: «جاء الفقراء إلى رسول الله فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويجاهدون، ويعتمرون، ويتصدقون، قال: «ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم، ولم يدرككم أحد إلا من عمل مثله، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين».
وذكر أن في هذا الحديث جعل النبي ثواب الذكر يماثل ثواب من حج وجاهد وتصدق، ولله الحمد على نعمه وأفضاله.
وقال: من الأعمال اليسيرة التي يدرك بها ثواب الحج التطهر في البيت ثم الخروج إلى أداء صلاة مكتوبة؛ فعن أبي أمامة أن رسول الله قال: «من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم» وهذا في صلاة واحدة فكيف بصلوات على مدى عمر المؤمن؟!
أسباب الانشراح
وقال في الخطبة إن من أسباب الانشراح في الغدو والرواح: الخروج إلى مساجدنا الفساح لتعلم العلم أو تعليمه؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه، كان له كأجر حاج تاماً حجته» وكم تعج مساجدنا اليوم بفضل الله بحلق قرآنية ودورات علمية ودروس إيمانية، تسعد القلوب بالصلاح، وتنير للسالكين طريق الفلاح، وذلك كل يوم!!
حج بلا سفر
وذكر أن من الأعمال التي يدرك بها فضل الحج شهود صلاة الفجر في جماعة ثم الجلوس لذكر الله إلى طلوع الشمس، ثم صلاة ركعتين؛ فقد صح عنه أنه قال: «من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة، قال: قال رسول الله تامة، تامة، تامة».
وقال: كم في أصبوحات الشهر من أجور ممنوحة وكنوز منثورة يدرك بها المؤمن فضل الحجيج مع كتاب الله خير شافع وحجيج.
وأشار إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» وهكذا كان الصحب الكرام يخرجون إلى الأسواق فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهم.
وذكر أن من رحمة الله عز وجل على عباده: أن جعل لهم موسم عشر ذي الحجة، عوضاً لمن حال بينه وبين الحج مانع أو عذر، فتأمل أيها المؤمن عظم هذه المنح الربانية، والعطايا الإلهية وهي توهب لك، وأنت مقيم في دارك، بين أهلك وأولادك، ومع ذاك تبلغ ما بلغ الحاج، وأنت وإياه في الأجر سواء، يقول النبي «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم «أي: شاركوكم الأجر، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر».
واختتم بالقول: فليستعن العبد على التقليل من خلطة الناس للتفرغ لفعل الخيرات؛ فهي أيام معدودات، وليحذر من لصوص الأوقات، وليخفف من الارتباطات واللقاءات؛ فإن حرمنا الحج، فلا نحرم أجره وفضله، متخلصين من الأوزار كما ولدتنا أمهاتنا أطهاراً.