أبوالقاسم الشاطبي إمام القراءات القرآنية

alarab
الصفحات المتخصصة 12 سبتمبر 2014 , 06:49ص
أبوالقاسم، أو أبومحمد، القاسم بن فِيرُّه بن خلف بن أحمد الشاطبي الرُّعيني الأندلسي الضرير، فِيرُّه معناه بلغة عجم الأندلس: الحديد.
ومن المحتمل إلى أن يكون في الاسم إشارة إلى قُوّة المسَمّى في الدين، وشدة بأسه على الأعداء المارقين، وكثرة نفعه للموحدين. والشاطبي: نسبة إلى شاطبة، مدينة كبيرة، ذات قلعة حصينة، بشرق الأندلس. والرُّعَيْني: نسبة إلى «ذِي رُعَيْن»، أحَدُ ملوك حِمْير. ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمئة بشاطبة (538هــ)، وقال ابن الجزري: (وبلغنا أنه ولد أعمى)، وأشار القسطلاني أنه كان مبصراً ثم أصابه العمى، وقال: (وكان إذا جلس إليه أحد لا يحسب أنه ضرير، بل لا يرتاب أنه يبصر؛ لأنه ما كان يظهر منه ما يظهر من الأعمى في الحركات، والذي أقول إنه كان أبصر من البصراء). عاش بداية حياته في بلدة شاطبة بالأندلس، ثم انتقل بعد ما جاوز الثلاثين مِن عمره إلى مصر - أي: سنة (572هـ) - وعاش بها إلى أن توفي. وعاش الإمام الشاطبي في العصر الثاني مِن عصور الحكم العباسي، وفي تلك الفترة التي عاش فيها الشاطبي بداية حياته في الأندلس كانت دولة الموحدين قد آل إليها الأمر على أنقاض دولة المرابطين، وقد كانت دولة المرابطين في المغرب والأندلس، يقودها يوسف بن تاشفين، وظهرت دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين. وكان وصول الإمام الشاطبي إلى مصر بعد استقلال صلاح الدين الأيوبي بالحكم في مصر، وقيام الدولة الأيوبية، بعد أن كانت وزارة صلاح الدين الأيوبي تابعة لنور الدين محمود زنكي في الشام، ولما فتح صلاح الدين بيت المقدس في هذه المعركة توجه الإمام الشاطبي إلى بيت المقدس، وصلى به وصام فيه رمضان واعتكف. ولما دخل الشاطبي مصر استقبله القاضي الفاضل عبدالرحيم بن علي اللخمي فأكرمه وبالغ في إكرامه. وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخية داخل القاهرة، وجعله شيخها، وبقي الإمام الشاطبي بها يُقْرِئ القراءات إلى أن توفاه الله.

شيوخه:
الإمام الشاطبي بدأ طلبه للعلم منذ نعومة أظفاره، وهو غلام حدث، فأخذ يتتبع علماء شاطبة ومقرئيها، حتى حوى علماً غزيراً، يقول القفطي: (تفنن في قراءة القرآن والقراءات، وهو حدث، وقرأ الناسُ عليه في بلده، واستفادوا منه قبل التكهل).
ورحل إمامنا من ((شاطبة)) إلى ((بلنسية)) - قرية من قرى شاطبة - وعرض على علمائها، وكان الإمام الشاطبي متولياً الخطابة بشاطبة، وكانت لا تُسند إلا لأهل العلم والفطنة، والبصر بأمور الناس، ولكنه توقّف عنها خشيةً لله، حيث كان يُطْلب من الخطباء المبالغة في وصف الملوك والأمراء، وكان الشاطبي يعدّ هذا الأمر نقصاً، وخرماً في المروءة، بل ذُكِر أن سبب انتقاله ((شاطبة)) إلى مصر هو امتناعه عن الخطابة.
ومن العلماء والمشايخ الذين تتلمذ عليهم: ابن اللايه، كان متصدراً الإقراء، ديّناً بصيراً بالروايات، قرأ الشاطبيُّ عليه القراءات وأتقنها ببلِدِه شاطبة، وأبوالحسن، علي بن محمد بن هذيل البلنسي، عرض الشاطبي عليه كتاب «التيسير»، وسمع منه الحديث، وأبوعبدالله، محمد بن يوسف بن مفرج الإشبيلي، روى الشاطبي عنه: «شرح الهداية» للمهدوي، وأبوالحسن، علي بن عبدالله بن خلف بن النعمة الأنصاري البلنسي، روى الشاطبي عنه: «شرح الهداية» للمهدوي، وأبوعبدالله، محمد بن جعفر الأموي البلنسي سمع منه: «كتاب الكافي» لابن شريح، وأخذ عنه كتاب: «سيبويه»، و»الكامل» للمبرد، و»أدب الكاتب» لابن قتيبة، وغيرها.

تلاميذه:
وقد كان الشاطبي أحد الأعلام الكبار المشهورين في الأقطار، قرأ القراءات وأتقنها، وحفظ الحديث، وتبصّر في العربية، وجُعِل شيخاً للمدرسة الفاضلية بمصر تقديراً وتعظيماً لمكانته، ومَن نَظَر في قَصِيدتَيه: ((اللامية))، ((والرائية)) عَرف قدْرَه ومكانة علْمِه، فلقد خضع لها فحول الشعراء، وكبار البلغاء، وحفظها خَلْقٌ لا يُحْصون، ومع هذا كان وَرِعاً عازفاً عن مناصب الدنيا وأعطياتها.
ولقد رُزِق الإمام الشاطبي القبول مِن الناس مما جعلهم يجمعون على إمامته وزهده وإخلاصه، فقد قال: أبوالحسن علم الدين السخاوي: ((سمعت أبا عبدالله، محمد بن عمر بن حسين يقول: سمعت جماعة من المغاربة يقولون: من أراد أن يصلي خلْف رجل لم يعصِ الله قطّ في صغره ولا كبره، فليصلّ خلف أبي القاسم الشاطبي).
ومما يدل على مكانته وسعة علمه ما أثنى به العلماء عليه مِن الأوصاف الكريمة، والمناقب الجميلة، فمن ذلك ما قاله الإمام إبراهيم بن عمر الجعبري، (كان إماماً في علوم القرآن، ناصحاً لكتاب الله تعالى، متقناً لأصول العربية. ثم قال: ((كان غاية في الذكاء، صادقاً في تعبير الرؤيا، مجيداً في النظم، متواضعاً لله تعالى، قدوة في الصلاح، ذا بصيرة صافية، تلوح منه الكرامات)).
- وقال الإمام الذهبي: ((وكان إماماً علامة ذكياً، كثير الفنون، منقطع القرين، رأساً في القراءات، حافظاً للحديث، بصيراً بالعربية، واسع العلم... ثم قال: (وكان متجنباً فضول القول، ولا يتكلم في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه الضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة، وخضوع واستكانة، ويمنع جلساءه مِن الخوض إلا في العلم والقرآن، وكان يعتلّ العِلّة الشديدة فلا يشتكي، ولا يتأوه).
وقال ابن الجزري: (كان إماماً كبيراً، أعجوبة في الذكاء، كثير الفنون، آية من آيات الله، غاية في القراءات.... رأساً في الأدب، مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع.... ثم قال: (وكان يصلي الصبح بغلس بالفاضلية، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السّرى إليه ليلاً، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله من جاء أولاً فليقرأ، ثم يأخذ عليه الأسبق فالأسبق).