من أمثلة تدبر القرآن الكريم (4)
باب الريان
12 أغسطس 2012 , 12:00ص
سعيد محمد عزيز الجناحي •
ما زلنا أحبتي القراء نطوف بتلك القلوب العجيبة، التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، ولنقف مع قلب عجيب ذكره الله تعالى في كتابه، إنه القلب الذي يتمتع بالكفر والعياذ بالله تعالى، قال جل وعلا: (قل تمتع بكفرك قليلا)، سبحان الله وهل يتمتع بالكفر أحد؟! إن المؤمن إذا عصى الله تعالى ضاقت عليه نفسه، وتقطع قلبه، فكيف بالكفر؟! ولا تعجب أخي القارئ فإنه موت القلب وانتكاسه، فإذا انتكس القلب أحب الخبائث وكره الطيبات، وتمتع بالكفر والموبقات، ولأهل المعاصي من ذلك حظ ونصيب، فإن من يجد راحة قلبه وانشراح صدره وأنسه في معصية الله تعالى، فهو مريض قد انقلب ذوقه لمرضه، فصار على شفا هلكة إن لم يتدارك نفسه بالتوبة والأوبة، وتجرعِ مرارة الصبر على فطام النفس عن محبوباتها، حتى تعود إلى طبيعتها وسلامتها، فتستخبث الخبيث، وتستطيب الطيب، وقد سألني أحدهم متعجبا: لقد وعظتُ فلانا وذكرته بما يبتلى به أهل العصيان من الهم والغم، وضيق الصدر، فقال: إني أجد راحة نفسي في المسلسلات، فكيف يكون ذلك؟! فقلت له: إن صاحبك قد اشتد مرضه حتى أصبح يستلذ القذارة، فأدركه بالمواعظ الزواجر، وادع الله له لعله يفيق من رقدة الغافلين.
وإذا بلغ البلاء بالعبد هذا المبلغ، استوحش من الصالحين، وأنس بالغافلين اللاهين، وكره ذكر الله تعالى، واستبشر بذكر الشهوات والملهيات، فهؤلاء فيهم شبه ممن قال الله تعالى فيهم: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).
فيصير أحدهم عبدا لهواه، فيكون أحدهم كما قال ابن القيم رحمه الله واقفا (مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضي ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما، وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه.
وقد قال جل وعلا في هؤلاء: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، وقال سبحانه: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
ومن القلوب التي ذكرها الله تعالى صاحب القلب الحماري، أعزكم الله، حيث البلادة والغباوة، وترك العمل بالعلم، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارا)، فهذا مثل طائفة بين يديها الكتاب والسنة، وفيهما أسباب السعادة والفلاح، والحياة الطيبة المطمئنة، فيعرضون عنهما ويقبلون على دنياهم، طالبين السعادة فيما فيه شقاؤهم، باحثين عن الفلاح عند أهل الخسارة والهلاك، فهل عرفتموهم أيها القراء الكرام؟ لا بد أنكم رأيتم منهم خلقا كثيرا.
أسأل الله لي ولكم ولهم السلامة والعافية، وأن يرزقنا قلوبا سليمة منيبة مقبلة عليه سبحانه، إنه سميع قريب.