ثقافة وفنون
12 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. الحبيب ناصري •
يعتبر فيلم الرسالة للمرحوم مصطفى العقاد، من الأفلام التي تزخر بها السينما العربية، فيلم يؤكد أن العقل العربي، في شقه الثقافي كلما وفرت له بعض أدوات العمل، من الممكن أن يبدع، من الممكن أيضا أن يقول أشياء جميلة ودالة، سواء عن طريق الكلمة، أو الصورة، أو الريشة، أو أي وسيلة أخرى تدل على فكرة ما، أو رؤية ما.
فيلم «الرسالة» واحد من الأفلام الخالدة في السينما العربية، خصوصا أنه ما زال يفعل فعله في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني ككل، على اعتبار أن مهمة السينما مهمة إنسانية، ناهضة على ضرورة الحوار والتحاور بالصورة، ولا شيء آخر في السينما غير الصورة، حمالة المعاني والدلالات وما يصاحبها من وسائل تعبيرية أخرى متعددة كالموسيقى وغيرها.
عمق القضية، والتوظيف الجيد للغة السينما، والاختيار الدقيق للعديد من المكونات الفنية الأخرى المصاحبة للموضوع إلخ، كل هذا جعل من فيلم العقاد «الرسالة»، فيلما مؤثرا وجالبا للعديد من المتفرجين، بل فرصة فنية ممتعة، تتقاطع فيه الفرجة بين العديد من الفئات، (شباب وشيوخ ومثقفين ونساء وأطفال إلخ)، واحد من الأفلام العربية التي أبدعها الإنسان العربي، في شخص مخرجه المرحوم مصطفى العقاد.
أتسمر دوما في زاوية بيتي لأعيش متعة تلقي هذا العمل، أعيد ترتيب الأمكنة وفق لذة المكان و/أو الفضاء كما قرأته عند غاستون باشلار، حيث يصبح المكان شخصية فاعلة فعلها في الإنسان. أستحضر أمكنة الفيلم التاريخية في الجزيرة العربية، وفق رؤية شعرية (من الشعرية بمفهومها البنيوي/السردي)، كما أستحضرها بمفهومها الشاعري/الجمالي. أستمتع بقوة وتناغم شخوص الفيلم سواء في عمقها العربي أو الأجنبي، وأستحضر كونية وإنسانية القضية، ومن خلالها إنسانية السينما وكيف أنها تجمع ما تفرقه السياسة. أتلذذ أيضاً بجمالية الملابس وأستخلص بعدها العربي الثقافي المتفاعل مع بقية الحضارات والمرجعيات الثقافية. أتأمل جيدا طرق الحياة وأقول مع نفسي، قطعة فنية وأثرية من الممكن أن نعتمد عليها في بحوثنا ودراساتنا ومقالاتنا التي تريد أن تأخذ منحى إنتربولوجيا أو تاريخيا أو أدبيا إلخ، إذ السينما هنا وبهذا المفهوم من الممكن أن تصبح مصدرا للكتابة والتأريخ إلخ.
تذكرت صديقي سي محمد بلحاج في الجزيرة الوثائقية لماذا أخرج فيلما وثائقيا عن الفيلم في صيغة فنية عميقة مفادها (وتستمر الرسالة)، رسالة المخرج والقضية كوجهين لعملة واحدة، أشكره هنا لأنه استطاع بحسه الفني أن ينتبه لعمق الفيلم/الرسالة، وبهذا حقق اعترافا لصاحب الفيلم، اعترافا بلغة الصورة وليس مجرد كلمات ألفناها عن الذين رحلوا عنا، خصوصا الذين بصموا المشهد العربي الفني ببصمات جميلة وقوية ودالة، بصمات آمنت بدور الفن والثقافة ككل، في تحقيق العديد من أوجه الفعل الإنساني بعدما أفسدت السياسة العديد من هذه الأوجه.
الفيلم إذن واحد من الإبداعات العربية السينمائية التي سيظل الإنسان العربي يعتز بها اعتزازا سيجعل المرحوم بل الشهيد مصطفى العقاد حاضر في الوجدان الثقافي العربي، هو الاعتزاز نفسه يشعر به المرء حينما يشاهد أمهات الأفلام العربية الراسخة في الأذهان والقلوب، صحيح قد تختلف معاييرنا النقدية/الجمالية، في طبيعة هذه الأفلام وطبيعة رقعها الجغرافية والاسمية في وطننا العربي الجريح، والممتد عبر آهاته المتعددة والآتية من عمق جروح السياسة وحيلها المتعددة، لكن مهما اختلفنا حول طبيعة هذه المعايير، فهناك ما يمكن أن نطمئن إليه نحن قبيلة النقاد، كقبيلة قد توحدنا معايير القول الجمالي بالصورة وعمق القضية وما تنهض عليه هذه القضية من رسالة ما، وكيفية فعل الصورة لفعلها في المتلقي إلخ.
عموما ففيلم الرسالة لمخرجه المرحوم مصطفى العقاد، سيظل واحدا من العديد من الأفلام العربية التي تستقطب الفرجة الفنية والثقافية، للعديد من الفئات المجتمعية العربية وغير العربية مما يعطي لهذا العمل السينمائي حقه الطبيعي والفني، في الخلود والاستمرارية وتحقيق الفرجة الفنية المضمونة.
رئيس المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بالمغرب •