يُثبِّت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا مهما نالهم من الأذى والشدائد والمحن
باب الريان
12 أغسطس 2011 , 12:00ص
(وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)
مشيئتُه سبحانه المطلقة لا تنفصل عن حكمته:
هو صاحب الملك يتصرَّف فيه كيف يشاء، يهدي ويُضل، ويُعزُّ وُيذل، ويُفقر ويُغْني، ويُضحك ويُبكي، ويُحيي ويُميت، يفعلُ ما يشاء.
هل يلامُ صاحب الملك أن يتصرَّف في ملكه، هو يفعل ما يشاء، ولكن مشيئته سبحانه لا تنفصل عن حكمته، كلُّ ما يشاؤه عز وجل لا يخرج عن الحكمة، لأنه حكيم, ومن أسمائه الحسنى: الحكيم، فهو حكيم في أقواله، حكيم في أفعاله، حكيم فيما شرع وأمر، وحكيم فيما خلق وقدَّر، فلا يخلق شيئًا باطلاً، ولا يشرع شيئًا عبثًا، يفعل الله ما يشاء، لكن هل من الممكن أن يظلم؟! لا (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)[الكهف:49]، أيمكن أن يفعل الأشياء عبثًا؟ لا،(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)؟! [المؤمنون:115].
وكما ذكرنا في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)[إبراهيم:19]، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الدخان:38،39]. فكلمة: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم:17] مقيَّدة بالحكمة -بحكمة الله عزَّ وجل- مشيئته مقيَّدة بالحكمة، ولهذا قال أُولوا الألباب: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَك)[آل عمران:191].
لم يَخلق الله السماوات والأرض وما بينهما ولا شيئًا فيهما باطلاً أبدًا، كل ما خلقه بالحق وبالحكمة اللائقة به، وبكماله عزَّ وجل.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ * قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ)
موقف العباد من نِعَم الله تعالى:
ذكرنا من قبل أنَّ سورة إبراهيم تدور حول محوَرَيْن أساسيين:
المحور الأول: الرسالة والرسل، وموقفهم من قومهم، وموقف قومهم منهم، وموقفُ الله تعالى من الجميع، بأن ينصر الرسل ويُهلك الظالمين، ويُسكنهم الأرضَ من بعدهم.
والمحور الآخر: هو محور النِّعم، نِعَم الله تعالى على عباده، وموقف العباد من هذه النِّعم، فقد قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم:7].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا)
دلالة التعبير بقوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ)
حَوْل محور النِّعم تَتَحدَّث هذه الآية، تُخَاطبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, وهو أوَّل وأوْلى مَنْ يُخَاطبَ بالقرآن، أو تُخاطب كلَّ مَنْ يصلح للخطاب، حين تقول: (أَلَمْ تَرَ).
وقد رأينا هذا التعبير في القرآن أكثر من مرة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ)[إبراهيم:19]. (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة)[إبراهيم:24].
(أَلَمْ تَرَ) يقول فيها العلماء: استفهامٌ تقريريٌّ أو إنكاريّ. (أَلَمْ تَرَ) ألم يَنْتَهِ علمُك؛ لأنَّ الرؤيا هنا علميَّة.
الرؤيا -كما ذكرنا من قبل- لها ثلاثة معان: الرؤيا البصريَّة: (أَلَمْ تَرَ) أي: ألم تنظر ببصرك.
أو الرؤيا المناميَّة: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)[يوسف:4] فهو رأى في المنام.
والرؤيا العلمية.
وإنْ كان بعض العلماء يقول: لا، الرؤيا هنا بصريَّة لأنه يُكلِّمهم عن كفار قريش -كفَّار مكة- وهؤلاء يراهم، ولكنه يقول: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) جهنَّم وهذا أمرٌ لم يُر بعد، وإنما عُرف بالعلم عن طريق الوحي.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا) أي: ألم يَنْته علمك -يا محمد، أو يا أيها المُخَاطَب- إلى (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا) يقصد بهؤلاء أوَّل ما يُقْصد؛ كفَّار مكة -يقصِدْ مشركي العرب- الذين جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم برسالة التوحيد, رسالة الحق والخير، رسالة الهدى والنور، رسالة العدل والإحسان فكذَّبوا وعَصَوا وردّوا هذه النِّعمة التي أنعم الله عليهم بها.
النِّعم قسمان: ماديَّة ومعنويَّة:
والنِّعم قسمان: نِعَمٌ ماديَّة ونِعَمٌ معنويَّة، كثيرٌ من الناس لا يهمُّهم إلا النِّعم المادية -النِّعم الحسيَّة- التي يبصرونها بأعينهم، ولكن في الواقع النعم المعنوية هي أعظم النِّعم.
هناك بعض الناس لا يرى النعمة إلا الأكل والشرب التي يحسُّها بحواسِّه، لا يهمُّه نعمة العلم أو نعمة الإيمان أو نعمة الأخلاق، ولكن في الواقع النعم المعنويَّة هي أعظم النِّعم.
نعمة الهداية بالنبوَّة:
وأعظم نعم الله على عباده: نعمة الهداية بالنبوة والرسالة والوحي.
الله سبحانه ينعم علينا بألوان من الهداية: الهداية الحسيَّة عن طريق البصر والحواسّ الخمس، والهداية العقليَّة عن طريق ما آتى الله الإنسان من عقل به يفكِّر وبه يدبِّر، وأعظم من ذلك: نعمة الهداية العظمى عن طريق وحي الله عزَّ وجل، إذا كان العقل يُصحِّح خطأَ الحواسّ فإنَّ النبوَّة تُصحِّح خطأَ العقول، العقول لو تُركت كثيرًا لنفسها تضل.
تُرِكَ الناس لعقولهم فعبدوا الأحجار. تُرِكَ الناس لعقولهم فَوَأدوا البنات، وقتلوا أولادهم من إملاق أو خشيةَ إملاق.
تُرِكَ الناس لعقولهم فشربوا الخمور وارتكبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولذلك كان لا بدَّ من نهج النبوَّة هذه، وخَتَم الله هذه النبوات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهي نعمةٌ تعتدُّ أعظم النعم وتستحق الشكر، ولكنَّ الناس بدل أن يشكروها كفروها.
والله تعالى يقول: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:151،152]. مقابل إرسال هذا الرسول -الذي يعلمكم الكتاب، والحكمة، ويزكِّيكم، ويعلِّمكم ما لم تكونوا تعلمون، ويتلو عليكم آيات الله- اذكروا الله واشكروه، هذه النعمة يجب أن تُذكر وتُشْكَر، ولكنهم لم يقابلوا هذه النعمة العظيمة بالشُّكران بل قابلوها بالكفران، بدَّلوا نعمةَ الله كفرًا، ولذلك يُعجِّب الله نبيَّه، ويُعجِّب كلَّ مخاطب من شأن هؤلاء.
التعجُّب من أمر المبدِّلين نعمة الله كفرًا:
(أَلَمْ تَرَ) عبارة تعجيب لأمر هؤلاء، أي: اعْجَب من موقف هؤلاء الذين بدَّلوا نعمة الله كفرًا.
وقياسًا على هؤلاء، يجب أن يَعْجَبَ الإنسان ويَدْهَش من كلِّ من بدَّل نعمة الله كفرًا، مَنْ آتاه الله نعمةً فلم يستخدمها فيما يُحِبُّ الله ويرضى، لم يستخدمها فيما جُعلت له، وإنما استخدمها في معصية الله، وفي إيذاء خلق الله.
أعطى الله الإنسانَ الذكاء، وبعضُ الناس استعمل ذكاءَهُ فيما يضُرُّ الخلق، أعطى اللهُ الإنسانَ العلم: (عَلَّمَ الإنسانَ مَا لَم يَعلَم) علَّمه أشياء يسيرة، كيف يكتشف أسرار الكون، وكيف يكتشف الظواهر الكونية، وسخَّر له هذه القوانين، ولكنه -للأسف- لم يُسَخِّرها في خدمة الناس ومنفعة الخَلْق، وفي العِمْران والحياة، ولكنَّه استخدمها في الخراب والموت، كما نرى الحضارة الغربيَّة كيف استخدمت العلوم، استخدمت الأسلحة النوويَّة، والأسلحة المتطوِّرة والقنابل الذكيَّة ومثل هذه الأشياء؛ استخدمتها في التدمير والتخريب والإهلاك والبوار.
أعطى الله الإنسان هذا الهاتف المحمول (الموبايل) بعض الناس بدل أن يستخدمه في المصالح وإجراء المنفعة وتيسير الأمور؛ استخدمه في الصفقات المحرَّمة وفي معاكسة النساء والفتيات؛ كل هؤلاء بدَّلوا نعمة الله كفرًا.
كثير من الناس بدَّلوا النعمة، أنعم الله على الناس بأشياء كثيرة في هذا العصر من جرَّاء استخدام العلم والتكنولوجيا، وكان المفروض أن يستخدم الناس هذا التسخير الإلهي في طاعة الله، وفي مصلحة عباد الله، ولكنهم لم يفعلوا، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا كما بدَّل مشركو العرب وكفَّار مكة نعمةَ الله كفرًا، فكفروا بالقرآن، وكفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآذَوْه وآذوا أصحابَه، وأخْرَجُوهم من ديارهم بغير حقّ إلا أن يقولوا: ربنا الله.
دار البوار
{وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}
البوار أي: الهلاك، كما قال سبحانه: {وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح:12].أي: هالكين.
ودار البوار هي: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا}: يدخلونها، ويقاسُون حَرَّها وهَوْلَها وعَذابَها {وَبِئْسَ الْقَرَارُ}، جهنَّم: بئس القرار أي: وساء سوءاً –لا يوجد أشدّ منه– مكان إقامتهم واستقرارهم. وأيُّ قرار هذا الذي يقرُّ أو يستقرُّ أو يستمرُّ في جهنَّم، لو كان يدخل فيها يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين أو مائة سنة أو مئتين أو ألفاً أو ألفين، لا... {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} والعياذ بالله، وأي جهنَّم؟!
الإنسان يعيش في الدنيا مستمتعاً باللذائذ والشَّهوات، ومن كلِّ ما لذَّ وطاب من الحلال ومن الحرام، فإذا جيء به يوم القيامة، وغُمس في جهنم غمسة واحدة، ثم يُسأل: رأيت خيراً قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب، غمسة واحدة تُنسيه كل نعيم الدنيا فما بالكم بمن يقرُّ في جهنَّم وبئس القرار.
الكبراء والزعماء الذين قادوا قومهم إلى الهلاك:
{وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} وهذا إشارة أنَّ هؤلاء القوم هم كبار القوم، زعماؤهم الذين قادوا قومهم إلى هذا الهلاك والدمار والعذاب.
الذين يقودون الأقوام دائماً هم السادة والكبراء والزعماء الذين يَتْبعهم الناس، كما يقال: (الناس على دين ملوكهم).
لذلك يقول الضعفاء يوم القيامة: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب:67].
هؤلاء الكبراء هم دائماً سبب هلاك أقوامهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيمكُرُوا فِيهَا} [الأنعام:123].
وكذلك دائماً الملأ –كما يُعبِّر القرآن– يعني أشراف القوم، هم الذين يُضلُّون القوم. رأينا فرعون يقود قومه إلى النار –فرعون ومَنْ معه من الملأ– يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص:41]. هم أئمةٌ ولكن أئمة في أيِّ شيء؟ في الضلال، مثل إبليس زعيم الزعماء، فهؤلاء أئمةٌ يَدْعُونَ إلى النار. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} هو يتقدَّمهم {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود:96-98].
بين قادة الشر وقادة الخير:
فهناك قومٌ يُوردونَ قومهم المهالك، وأيُّ مَهْلَكةٍ أعظم من النار. وهنالك قومٌ يقودون قومهم إلى الخير –خَيْري الدنيا والآخرة– كما قادت مَلكة سبأ قومَها –أهل سبأ في اليمن– قادتهم إلى خَيْري الدنيا والآخرة، وأسْلَمت مع سُليمان لله ربِّ العالمين، وَجَنََّبتهم حرباً خاسرةً، وذلك كان بحكمتها وما رزقها الله من حُسْن الفِطْنة والفهم والكياسة والتَّدبُّر في عواقب الأمور.
اتِّخاذ الأنداد لله
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} هؤلاء الذين أحلُّوا قومهم جهنَّم دارَ البوار، جعلوا لله أنداداً مماثلين لله، ونظراء له، أشركوهم مع الله، أو عبدوهم من دون الله، واتَّخذوهم آلهة، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]. وكذبوا، فلا يُقرِّب إلى الله إلا التوحيد، ولا يقرِّب إلى الله إلا العمل الصالح الخالص لوجهه، الشرك لا يقرِّب إلى الله بل يُبعد من الله.
وكلمة {أَنْدَاداً} أي: شركاء، كأنَّهم قُرناء أو أمثال لله عزَّ وجل!! الله تعالى يقول: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:22].
الله تعالى ليس له نِدّ، وليس له مثيل، وليس له شريك، وليس له ولد: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص:4،1].
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء:111]. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11].
ولكنَّ هؤلاء اتَّخذوا من دونه آلهةً لا يَخْلُقون شيئاً وهم يُخلقون، ولا يَمْلكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون مَوْتاً ولا حَياةً ولا نُشوراً، ولا ينفعهم ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48].
فهؤلاء اتَّخذوا أنداداً، اتَّخذوا أصناماً، اتَّخذوا آلهةً زائفةً وعبدوها مع الله وظنُّوا أنها تجلب لهم الخير أو تدفع عنهم الضر! وهي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً، فكيف تملكه لغيرها، هي لا تُبصر ولا تسمع، ولا تُعطي ولا تمنع، ولا تضرُّ ولا تنفع.
{لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ}
معنى اللام في قوله تعالى {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ}:
هل هذه اللام في قوله {لِيُضِلُّوا} لام التعليل؟ أو لام العاقبة والصَّيْرورة؟
بعضهم يقول لام تعليل: هكذا فعلوا لِيُضلُّوا الآخرين عن سبيل الله، يعني الزعماء يفعلون ذلك ليضلّوا أتباعهم.
والبعض يقول: هذه لام العاقبة، أي: إنّ عاقبة عملهم أن يُضلُّوا الآخرين عن سبيل الله كما قال تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص:8]. يعني هذه اللام تُسمَّى لام الصيرورة أو العاقبة، يعني هم لم يلتقطوا هذا الطفل، أو هذا الوليد ليكونَ لهم عدواً وحَزَناً، ولكن العاقبة والنتيجة كانت كذلك، فهؤلاء جَعَلوا لله أنداداً لتكون النتيجة: ليُضلوا عن سبيل الله، عن طريق الله، عن طريق الحق، عن طريق التوحيد.
متاع المشركين الزائل:
{قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}
أي: تمتَّعوا أيُّها المشركون، تَمتَّعوا بِشرككم، تَمتَّعوا بضلالكم، تَمتَّعوا بشهواتكم، تَمتَّعوا بدنياكم، فهذه المُتعة، أو هذا المَتاع، متاعٌ زائل، مهما طال فإنه سيتركُكُم أو تتركونه، وتنتقلون إلى دار أُخرى مصيركم فيها إلى النار، كما قال تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر:8].
هؤلاء يقول لهم: {تَمَتَّعُوا} تَمتَّعوا بكفركم وتَمتَّعوا بدنياكم، ولكن هذا المتاع متاع الغُرور، متاعٌ قليل، كما قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء:77].{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة:38].
{قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} ومَنْ كان مصيره إلى النار فكيف يتمتَّع، وما قيمة ما يتمتَّع به إذا كانت العاقبة والنهاية هي جهنَّم وبئس القَرَار.
وصية الله لعبادة بإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم سبحانه:
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً}.
{قُلْ لِعِبَادِيَ} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن تتكرَّر فيه هذه اللفظة: {قُلْ}، ومعناها أنَّ محمَّداً مأمورٌ، فهناك مَنْ يُلقِّنه مَنْ يأمره ويقول: قُل بلِّغ. قُل كذا. {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا}، لم يقل: (وقل لعبادي)، إنما أراد ألا يعطفها على قوله سبحانه: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}، لأنَّ هذا نوع وهذا نوع، فينبغي فَصْل هذا عن ذاك.
شرف العبوديَّة لله عزَّ وجل:
هؤلاء هم الخُلَّص من عباد الله: {ِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} أضافهم الله إلى نفسه: {قُلْ لِعِبَادِيَ} تشريفاً لهم وتكريماً، وأنهم الأَحِقَّاء بعبودية الله فلا يستحق أن يُنْسب إلى الله غيرهم.
الجميع عبادُ الله وخَلْقُ الله، ولكن لا يُضاف إليه إلا أمثال هؤلاء الذين لا يستطيع الشيطان أن يتسلَّط عليهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42].
وصية الله لعبادة بإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم سبحانه:
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً}.
{قُلْ لِعِبَادِيَ} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن تتكرَّر فيه هذه اللفظة: {قُلْ}، ومعناها أنَّ محمَّداً مأمورٌ، فهناك مَنْ يُلقِّنه مَنْ يأمره ويقول: قُل بلِّغ. قُل كذا. {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا}، لم يقل: (وقل لعبادي)، إنما أراد ألا يعطفها على قوله سبحانه: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}، لأنَّ هذا نوع وهذا نوع، فينبغي فَصْل هذا عن ذاك.
شرف العبوديَّة لله عزَّ وجل:
هؤلاء هم الخُلَّص من عباد الله: {ِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} أضافهم الله إلى نفسه: {قُلْ لِعِبَادِيَ} تشريفاً لهم وتكريماً، وأنهم الأَحِقَّاء بعبودية الله فلا يستحق أن يُنْسب إلى الله غيرهم.
الجميع عبادُ الله وخَلْقُ الله، ولكن لا يُضاف إليه إلا أمثال هؤلاء الذين لا يستطيع الشيطان أن يتسلَّط عليهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42].
أمران أساسيان في بناء الشخصية المسلمة والمجتمع المسلم:
هذا الصِّراط المستقيم أول ما يؤمر به له أمران أساسيان: إقامة الصلاة والإنفاق مما رزق الله، الصلاة تمثِّل حقَّ الله، والإنفاق يمثِّل حقَّ الإنسان، الصلاة تمثِّل العبادة البدنيَّة والإنفاق يمثِّل العبادة المالية، فكثيراً ما يذكر القرآن هذين الأمرين، وأحياناً تُذْكَرُ الصلاة والزكاة، قرن القرآن الصلاة والزكاة في ثمانية وعشرين موضعاً، وأحياناً يأتي بدل كلمة الزكاة: الإنفاق.
كما في وصف المتَّقين في أوائل سورة البقرة: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:3].
وكما في وصف المؤمنين في أوائل سورة الأنفال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال 2، 3].
وفي سورة فاطر: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:29].
وفي سورة الشُّورى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى:38].
فهذان أمران أساسيان في بناء الشخصيَّة المسلمة، وفي بناء المجتمع المسلم.
معنى إقامة الصلاة:
إقامة الصلاة. لم يقل: يؤدُّون الصلاة أو يفعلون الصلاة، لكن قال: {يُقِيمُوا الصَّلَاةَ}؛ ومعناها: أداؤها قائمةً مستويةً على وجهها، بأن تُؤدَّى في أوقاتها، وأن تُؤدَّى كاملة الأركان، بركوعها وسجودها، وبروحها وهو الخشوع: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2]. كلُّ هذا من إقامة الصلاة.
دلالة قوله سبحانه: {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}:
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً} لم يقل: ينفقوا من أموالهم سرّاً وعَلانية ؛ لأنه أراد أن يذكِّرهم بأنَّ الأموال التي يمتلكونها، وتسجَّل بأسمائهم في السِّجل العقاري، أو الأماكن المختلفة لتسجيل المُمتلكات، هي في الحقيقة مِلْكُ الله، اللهُ مالكُها، والله رازقُها، ولذلك بَدَل أن يقول: من أموالهم يقول: {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} يعني لا تظنّ أنك مُتَفَضِّل بما تُنفق، هذا من رزقِ الله عليك.
كم من أناسٍ من حَوْلك يكدحون ويتعبون، ويواصلون تعبَ النهار بسهر الليل، ولا يحصُلون على شيء، ولكنَّ الله يسَّر لك ورزقك، فاعرف فَضْلَ الله تعالى عليك. {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} من رزق الله تعالى تنفق، وهذا يذكر بالفكرة الإسلامية المعروفة في الاقتصاد الإسلامي (فكرة الاستخلاف) أنَّ المال في الحقيقة مالُ الله والإنسان مُسْتَخْلَف فيه، يعني الإنسان موظَّف عند الله مالك المال: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7].
أي إنك مُسْتخلف في المال، نائبٌ عن الله، عن صاحب المال في إنفاق