

شهدت دولة قطر خلال السنوات الأخيرة توجها متصاعدا من وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي نحو زيادة أعداد الطلبة المقبلين على التخصصات العلمية، انسجاما مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 ومتطلبات سوق العمل.
وتعمل الوزارة على بناء بيئة تعليمية محفزة تشجع الطلبة على الالتحاق بالتخصصات العلمية التي تشهد طلبا متزايدا في سوق العمل، وتعد من تخصصات المستقبل التي تستهدف الدولة إعداد كوادر وطنية مؤهلة فيها.
ووفقا للسياسات التي انتهجتها الوزارة خلال السنوات الأخيرة، يرتكز هذا التوجه على ثلاثة مسارات رئيسية، تتمثل في التوسع في المدارس التخصصية، وتعزيز البرامج والمسابقات العلمية، وتوجيه الابتعاث الحكومي نحو التخصصات ذات الأولوية.
وتعكس هذه المسارات الثلاثة توجها واضحا في سياسات وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي نحو بناء منظومة تعليمية أكثر ارتباطا باحتياجات التنمية وسوق العمل، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030. ويبقى نجاح هذه السياسات مرهونا باستمرار تنفيذها، وتعزيز الشراكة مع الأسر ومؤسسات المجتمع، بما يسهم في توجيه مزيد من الطلبة نحو التخصصات العلمية، ورفع نسب الخريجين القطريين العاملين في مجالات تخصصهم خلال السنوات المقبلة.

المسار الأول: توسيع مدارس العلوم والتكنولوجيا والتقنية مراعاة لسوق العمل
واصلت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي التوسع في إنشاء المدارس التخصصية، وفي مقدمتها مدارس قطر للعلوم والتكنولوجيا، التي تقدم نموذجا تعليميا قائما على تكامل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، وفق مناهج تستند إلى الإطار العام للمناهج الوطنية ومعايير العلوم للجيل القادم.
وشملت المدارس الجديدة التي تبدأ استقبال الطلبة خلال العام الأكاديمي 2026-2027، مدرسة قطر للعلوم والتكنولوجيا الإعدادية الثانوية للبنين في منطقة الصخامة، والتي تستهدف طلبة الصف السابع بطاقة استيعابية تبلغ 100 طالب، ومدرسة قطر للعلوم والتكنولوجيا الثانوية للبنات في منطقة روضة الحمامة، والتي تستهدف طالبات الصف التاسع بطاقة استيعابية تبلغ 100 طالبة، إلى جانب مدرسة قطر للعلوم والتكنولوجيا في منطقة أم السنيم، التي تستقبل الطلبة الجدد بالصفين السابع والتاسع بطاقة استيعابية تبلغ 48 طالبا لكل صف.
كما افتتحت الوزارة خلال العام الأكاديمي 2025-2026 مدرسة قطر التقنية الثانوية للبنات في منطقة الشمال، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعليم التقني والمهني للفتيات، وإعداد كوادر وطنية مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل.
واستقبلت المدرسة في عامها الأول نحو 40 طالبة في الصف العاشر، في تأكيد على توجه الوزارة نحو توسيع فرص التعليم المهني والتقني في مختلف مناطق الدولة، بما يدعم الاقتصاد القائم على المعرفة، ويعزز مشاركة الكفاءات الوطنية، ولا سيما الإناث، في مسيرة التنمية.

المسار الثاني: نشر ثقافة الابتكار والبحث العلمي
بالتوازي مع التوسع في المدارس التخصصية، عززت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي برامجها ومسابقاتها العلمية الهادفة إلى نشر ثقافة الابتكار والبحث العلمي بين الطلبة، وجعل مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات خيارا جاذبا منذ المراحل الدراسية المبكرة.
ويأتي في مقدمة هذه المبادرات المعرض الوطني للبحث العلمي والابتكار، الذي يعد أبرز منصة علمية مدرسية، حيث يتيح لطلبة المرحلتين الإعدادية والثانوية عرض مشاريعهم في مجالات الهندسة، والذكاء الاصطناعي، والطب، والعلوم البيئية، والطاقة، والروبوتات، والتقنيات الحديثة، مع تأهيل المشاريع الفائزة للمشاركة في مسابقات ومعارض علمية دولية. وفي الإطار نفسه، جرى توحيد عدد من البرامج الوطنية تحت مظلة STEM HUB، من بينها أولمبياد الابتكار العلمي، وبرنامج NExplorer بالتعاون مع شركة شل، بهدف تنمية المهارات التطبيقية والابتكارية لدى الطلبة، وربط الجانب النظري بالتطبيق العملي.
وأكدت الأستاذة مريم نعمان العمادي، مدير إدارة التوجيه التربوي بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، في تصريحات صحفية في وقت سابق، أن البرنامج يمثل نموذجا تعليميا متكاملا يركز على تنمية مهارات الطلبة وإعداد جيل قادر على مواكبة التحولات المستقبلية، مشيرة إلى أن المشاريع المشاركة أظهرت مستويات متقدمة من الإبداع والقدرة على توظيف التقنيات الحديثة في معالجة قضايا بيئية وتنموية متنوعة.
كما تبرز بطولة قطر للروبوت والذكاء الاصطناعي، التي ينظمها النادي العلمي القطري بدعم من وزارة الرياضة والشباب ووزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، باعتبارها إحدى أبرز المبادرات الوطنية في هذا المجال، إذ يشارك فيها سنويا أكثر من 1500 طالب وطالبة يمثلون أكثر من 150 مدرسة وعددا من الجامعات، بما يسهم في تنمية روح الابتكار والعمل الجماعي وتشجيع الطلبة على مواصلة دراستهم والعمل مستقبلا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

المسار الثالث: «الابتعاث» منصة للكفاءات الوطنية
إلى جانب تطوير البنية التعليمية ونشر ثقافة البحث العلمي داخل المدارس، اتجهت سياسات الابتعاث الحكومي نحو إعطاء أولوية أكبر للتخصصات العلمية والتطبيقية، بما يحقق المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.
ولم يعد الابتعاث يقتصر على توفير فرص الدراسة في مختلف التخصصات، بل أصبح أداة استراتيجية لإعداد الكفاءات الوطنية في المجالات ذات الأولوية الاقتصادية والتنموية التي تشهد نقصا في الكفاءات.
ويظهر هذا التوجه من خلال التركيز على تخصصات مثل العلوم الصحية، والهندسة النووية، وعلوم الحاسب، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وهي تخصصات أصبحت تمثل محاور رئيسية في سياسة الابتعاث الحكومي.
كما ربطت الوزارة برامج الابتعاث باحتياجات الجهات الحكومية والقطاعات الاقتصادية، عبر تحديد التخصصات المطلوبة بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات الوطنية، بما يضمن توفير كوادر قطرية مؤهلة في المجالات التي تشهد نموا متسارعا أو تعاني نقصا في الكفاءات الوطنية، وصولا إلى توظيف المبتعثين بعد التخرج.
ومن أبرز الأمثلة على هذا النهج إطلاق برنامج الابتعاث في تخصصي الهندسة البحرية والملاحة البحرية بالتعاون مع وزارة المواصلات، بهدف إعداد كوادر وطنية تخدم قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية، في خطوة تعكس توجه سياسة الابتعاث نحو دعم القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.
كما عززت الوزارة الابتعاث الداخلي من خلال توجيه الطلبة القطريين إلى الجامعات الوطنية التي تقدم برامج تطبيقية في التخصصات ذات الأولوية، وفي مقدمتها جامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا، مع توفير مخصصات مالية شهرية وإعفاء الطلبة القطريين من الرسوم الدراسية، بما يشجعهم على الالتحاق بهذه البرامج.
ولم يقتصر تطوير سياسة الابتعاث على طلبة المسار العلمي، بل امتد ليشمل طلبة المسار الأدبي عبر برنامج الجسر الأكاديمي، الذي يتيح لخريجي الثانوية العامة الانتقال إلى التخصصات العلمية بعد استيفاء متطلبات القبول واجتياز البرنامج التأهيلي لمسار العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).
وبموجب هذا المسار، أصبح بإمكان طلبة المسار الأدبي الالتحاق بالتخصصات العلمية من خلال برنامج أكاديمي معتمد يوفر تأهيلا متكاملا وفق معايير عالمية، ويكسبهم المعارف والمهارات اللازمة للنجاح في الدراسة الجامعية.
وأكد الدكتور حارب محمد الجابري، وكيل الوزارة المساعد لشؤون التعليم العالي بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، أن المبادرة تمثل خطوة استراتيجية لتوسيع الخيارات الأكاديمية أمام طلبة المسار الأدبي وتمكينهم من الالتحاق بالتخصصات العلمية التي تحتاجها الدولة.
وقال الجابري، في تصريحات صحفية، إن برنامج الجسر الأكاديمي يسهم في إعداد كوادر وطنية مؤهلة في المجالات العلمية ذات الأولوية، مشيرا إلى أن البرنامج يوفر بيئة تعليمية داعمة ومرنة تساعد الطلبة على اكتساب المهارات والمعارف اللازمة للنجاح في التعليم العالي.