الفن ضروري للحياة ما دام هناك أذواق وشعور ونفوس محبة للجمال

alarab
باب الريان 12 يوليو 2013 , 12:00ص
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني في الفكر الإسلامي تأليف: عصام تليمة رسالة الفن في المجتمع للفن وظائف ورسالة سامية بلا شك، علينا أن نتوخاها دوما عند تقديمه ورعايته، ومنها: 1 - تزكية العواطف النبيلة: فالإنسان بلا شك يتكون من عقل وعاطفة، ومجال العقل العلم، ومجال العاطفة الفن، والعقل والعاطفة يتعاونان في خدمة الإنسان بما ينتجانه من علم وفن. وعاطفة الإنسان لا تقف عند حد، كما لا ينتهي عقله إلى نهاية، والعاطفة لدى الإنسان لا تزال مشبوبة لا تخمد، وهي التي تذكي حسه، وتوقظ روحه فتجعلها في أوقات الفرح تحلم وتأمل، وفي ساعات الحزن تأسى وتتألم. ولما كان الفن لغة عالمية يفهمها كل الخلق ويحسون بها، ولا يتغير عند أمة وأخرى إلا بمقدار أثر البيئة التي تحيط به، فإن الفن تبعا لذلك عليه أن يبسط للناس صور الحياة بوسيلة مستساغة يألفها الجميع ويتفهمونها. فهناك معان جميلة لوثها الملوثون، وأفسدها المفسدون، باسم الفن، والجمال، والحب، وغيرها، علينا أن نعيد لهذه المعاني الراقية رونقها وبهاءها، وأفضل الوسائل الناجعة في هذا الشأن، هو الفن بلا ريب. 2 - الترفيه والترويح عن الناس: يحيا الناس بين العمل ومصاعب الحياة، والإنسان بطبعه ملول، لا يقوى على العيش على وتيرة واحدة، ولا بد له من وسائل تخفف عنه متاعب الحياة وصعابها، والفن خير ما يملأ الحياة مرحا واطمئنانا، والنفس المكتئبة تضيق بها الحال فتعجز ولا تنتج، كالمريض الذي لا يقدر على الحركة. والفنان بعمله وإنتاجه يدخل الفرح والسرور على النفوس المتألمة الحزينة، أو المتشائمة المتعبة، فينقلها من حال إلى حال، ومن قدر إلى قدر، بقطعة من الموسيقى المشجية يعزفها، أو بصورة من الصور الجميلة ينمقها، أو بعمل فني بديع يقوم به. ولذلك كان وجود الفن في الحياة من مستلزمات هذه الحياة، ما دام هناك أذواق وشعور، ونفوس محبة للجمال، وقلوب نابضة بالإحساس. 3 - إذكاء الواجب الوطني: ومن وظائف الفن: إذكاء الواجب الوطني عند الأفراد والمجتمع، وذلك يتحقق بعدة أمور، وأهداف ينبغي أن يتوخاها الفن والفنانون، وهي: 1 - خلق روح الابتكار، ودفع عجلة الإبداع الفني الوطني. 2 - التعبير الصادق عن الأحداث الوطنية أو السياسية. 3 - دفع عجلة المجتمع نحو النهوض قدما للأمام لرفع شأن الوطن. 4 - تنمية العلاقات الإنسانية والروابط بين الشعوب. 5 - توجيه النفوس ودفع الشباب إلى اعتناق المثل العليا، وإلى حب الوطن والتضحية والبذل لحمايتها من كل مغير. 6 - التعبير عن الشعور بالولاء والإخلاص والتقديس لكل جنسية مرتبطة بأرضها الأم. 7 - بث روح الحماس والشجاعة والتضحية في نفوس النشء. 8 - الحث على الانتماء إلى الوطن سواء في أوقات الشدة والمحن أو الابتهاج والسرور. 9 - التعبير عن صور الكفاح التي تألق فيها الإنسان المصري الذي ارتبط بالأرض والوطن ارتباطا وثيقا. 10 - التعبير بصدق عن آمال الشعوب في الحرية. 11 - تصوير أحلام الأجيال في مستقبل تسوده العزة والمجد والكرامة. 12 - تعبئة النفس بالقوة الروحية وحشد المشاعر حول شيء واحد وجمع القوة وتوجيهها لإدراك النصر المنشود. 13 - إيقاظ المثل والعواطف بأسمى وأرفع المبادئ. 14 - حب الوطن والتغني بأمجاده. 15 - مقاومة الظلم والطغيان أيا كان صاحبه: ومن أهم أدوار الفن: أنه يغرس في نفوس الناس مقاومة الظلم، والطغيان، سواء ضد الأفراد، أو الحكام والأنظمة الفاسدة، ومؤخرا ظهر واتضح دور الفنون في الثورات التي قامت في عدد من الدول العربية، وكيف كان لها أثرها، وهو دور يحتاج إلى رصد، وتوثيق لكل ما قام به المبدعون من أهل الفن، في ثورة مصر مثلا، من رسوم على الأرض، إلى تجديد الشعارات التي يهتف بها كل يوم، إلى اللوحات المعلقة، إلى العبارات المحمولة على أوراق ولافتات، وهكذا، كان للفن في الثورات دور كبير جدا. أثر الفنون في الأطفال ومما لا شك فيه أن الفن مؤثر كبير من المؤثرات على الأطفال، بكل وسائله، وأشكاله، إن هدما أو بناء، فالفن يلعب بوصفه جانبا من جوانب الثقافة، دورا كبيرا في تشكيل وتكوين الميول والاتجاهات الإبداعية لدى الفرد، وتأصيل روح الابتكار والإبداع، حيث يتطلب تكوين هذه الميول والاتجاهات العديد من العمليات التي تبدأ في فترة مبكرة من الطفولة، والتي تبدأ بمرحلة هدهدة الأم لطفلها الرضيع، وترنيمات المهد، مرورا بــ(الحدوتة) التي تلقيها على مسامعه وهي تضعه في الفراش، والقصص المسلية عن الحيوانات بوصفها أحب الموضوعات إلى قلب الطفل في سنوات عمره الأولى، والتي تتدرج بعد ذلك للتناول بعض القيم الاجتماعية الإيجابية التي تسعى الأم لغرسها في وجدان الطفل، مثل أهمية الصدق والأمانة، والنظافة وحب التعلم، وما إلى ذلك من قيم تساهم في بناء شخصيته، والتي تنمي لديه ملكة التخيل، ولذا كان لزاما علينا الانتباه لهذا الأثر، واغتنام ميل الأطفال الشديد لسماع القصص والموسيقى والأغاني، لتقديم كل ما يبني شخصية الطفل بناء قويا متماسكا. دور ورسالة الفنان ولا ينفصل دور الفن عن الفنان نفسه، ودوره ومساهمته في رقي المجتمع وأفراده. وعلى قدر هذا يمكننا أن نحدد للفنان رسالة، وأن نعرفها بأنها رسالة الإنسانية والواجب، وهي دقيقة خطيرة يحمل الفنان تعاليمها وأغراضها في عنقه ليؤديها إلى الناس صادقة كاملة مقبولة، وهو في سبيل ذلك يتحتم عليه أن يسمو بتفكيره ومادته، وقصده، ليقدم للمجتمع الخير والحسن. وإذا كانت صلة الفنان بحياة الناس الشاملة وثيقة متشعبة النواحي، فإن واجبه أن يحيط بمعالم الطبيعة وأسرار الكون ليكون في مقدوره أن يعكس بأعماله على الناس خير ما في الكون من جمال، وما في الطبيعة من شؤون، وأن يأخذ من الحسن نبراسا، ومن الخير قدوة، ويصوغهما معا ليستخلص منهما أخيرا صورة جليلة من صور الكمال والفضيلة، وكل من يحيد عن هذا الدستور يهبط بالفن ويشوه من جلاله. والفن هو الفضيلة باتفاق الفلاسفة والحكماء، وهو يجب أن لا يبدو في عمل من الأعمال مشوبا بأي أثر من آثار الاستهتار والشهوة، والاندفاع والإباحية، والخروج، لأن ذلك يهوي به من قدسه ويبعده عن الكمال والفضيلة. إذن فالفنان إنما يضطلع برسالة سامية مقدسة تجعل منه قائدا روحيا، وهو يؤدي هذه الرسالة للناس بقلمه إن كان شاعرا، وبريشته إن كان مصورا، وبأداته إن كان رساما، وبأنغامه إن كان موسيقارا، ولا يستطيع أن يؤدي هذه الرسالة إلا إذا كان سليم النفس، نقي الطوية، صادق الإيمان، مرهف الحس، رقيق الشعور، جياش العاطفة، قوي البصيرة، واسع الأفق، ناضج الإدراك. وبهذه السجايا والخصائص يطبع الفنان أعماله ثم يهدي بها الناس صورة من نفسه. وإلى جانب هذا، ينفذ الفنان بأعماله إلى أعماق النفوس، ويحلل المشاعر، ويبسطها لتكون أنموذجا حيا يشعر منه الرائي أنه مندمج فيه، عائش في محيطه. وفي أعمال الفنان -فوق ما بينا- غايات أخرى تنطوي في ثناياها، وتنطق بها الفكرة التي يهدف إليها، فهو أحيانا يعالج في أعماله موضوعات اجتماعية، وقصصية أو تاريخية، أو أدبية أو رمزية، يقصد بها درسا أو عبرة، أو قدوة، أو تسجيلا أو ذكرى. ورب صورة من الصور، أو نغمة موسيقية، أو مقطوعة شعرية، رقأت دمعا، وواست قلبا، وأشاعت في النفس طمأنينة ورضا. والفنان في أعماله يحبب الناس في الخير، ويقربهم إلى الله، إذ هو يطلعهم على عظمة الخالق بما ينقل لهم من مباهج الكون وجماله، وبما يحلله من المحاسن والفضائل؛ بمقارناته بين الخير والشر، والحسن والقبح، والفضيلة والرذيلة.