قصة ثابت بن أقرم

alarab
الصفحات المتخصصة 12 يونيو 2016 , 12:01ص
مختار محمد مختار احمد
كان يوما قاسيا، القتال شديد، والجيش الكافر كأنهم بشر صبوا من حديد، لديهم جلد غريب، وسيوفهم قوية، وخيولهم مدربة، فوراءهم دولة قوية عظيمة، تمتد حكومتها من تخوم الصحراء إلى بلاد بعيدة، رجال شقر الشعور زرق العيون غريبو اللغة. أما المسلمون فهم يواجهون العدو، بأكبر جيش يخرج بدون قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، والأكثر صعوبة، والشمس لافحة، إن قائدَي الجيش السابقين قد قُتلا، ومضيا لربهما، قتل الأول نزفا بين رماح القوم، وقتل الآخر، فاقدا ذراعيه مقسوما قسمين، التقط ابن رواحة الراية، وواصل نضاله.
والقائد الثالث يقاتل، لكن القتال لا يجدي، والقوة إزاء الكثرة لا تغني، وخالد في القوم، منكمش يقاتل، يلاحظ بعينيه الموقف، ويدرك أن العسكرية تقتضي خلاف ما يجري، لكنه لا سابقة له كالقادة، فبقي بين الجند قانعا بدوره، معتقدا بأنه في مجتمع لا يعترف إلا بالسابقة في الدين مؤهلا للتصدر، صُرع ابن رواحة. فألقى الراية لأقرب الناس إليه، ثابت بن أقرم، فينبغي للراية ألا تسقط أبدا، واصل الناس القتال، غير مبالين بالموت، لا شك أن الروم يسألون رفاقهم نصارى العرب عن الذي يجري، لماذا لا يفر هؤلاء؟ إنهم يقاتلون بلا مبالاة بالموت؟ لم يعرفوا أن القوم مطلوبهم أعلى من ذلك، وأنهم فائزون على الحالين. نظر ثابت حوله، فوجد أن مصير المقاتلين في ذلك الهرج ووهج الشمس الحارق، أكثر من أن يحتمله قلبه المؤمن، وهو مقاتل شرس، لكنه ليس قائدا ماهرا.
إسلامه قديم، يرجع لزمان بيعة العقبة، لكنه لا يريد المنصب، يريد أن يعمل وحسب، يؤدي دوره، وينسحب قانعا بثواب الله تعالى.
هتف في القوم بمن يحملها، أجابوه وهم في حرارة الضغط بأن يواصل، فأبى، فألحوا، الأمر أصعب من التفكير، صليل السيوف يدوي والآلام شديدة، البعض يفضل الذهاب على درب ابن حارثة وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم، كثيرون لا يدرون كيف يدبرون الأمر، آخرون يفضلون القتال، حتى يرتب الأمر، الآخرون يرون أنهم يجب أن ينتصروا في المعركة التي يمليها الواجب، ورد العدوان، فقد قُتل رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغساسنة، وهذا إعلان حرب، يستوجب المبادرة لحسمه، وإثبات المكانة. برقت سيوف وخوذ الروم ونصارى العرب أمام عيني ثابت، والراية في يده، ترى ما يصنع؟
برقت في رأسه بارقة، تذكر خالد البارع الذي طوق المسلمين يوم أحد بخيالته، خالد الذي لم يهزمه شيء إلا الخندق، ومع ذلك جازف، وحاول الاقتحام، لطالما كان قائدا بارزا، فإن كان كذلك مع المشركين، فلتكن هذه فرصته لصالح المسلمين، في أصعب لقاء لهم، فهم يجالدون ويقاتلون في خضم من حديد مكفهر جند بني الأصفر وحلفائهم.
دفعها لخالد، فرفض، كان مقتنعا بفكرة أحقية السابقين في القيادة والصدارة، وثابت أقدم منه وأسبق، شهد بدرا، وهو في الطليعة المبادرة، فرد ثابت بأنه لا يصلح للقيادة، وأن خالدا يصلح لها. فالأمر ليس أمانة بل قوة وكفاءة، كذلك يمنح المجتمع ما عنده من إمكانات. امتلأت نفس خالد بثقة كبيرة، تنفس عميقا، وجد الراية في يده، لديه اليوم فرصة كبيرة ليصنع للمسلمين شيئا ربما يعوض خسارتهم في أحد.
تأمل الموقف جليا، وغربت الشمس، فسمحت لخالد بإعادة التخطيط. تمكن من الانسحاب الهادئ، وإن كان انسحابا حزينا، وانقلب الميزان.
- بل هم الكرَّار إن شاء الله.