

المطبخ دخلته من باب تجاري.. وأتقنت الأطباق المحلية
والدتي ملهمتي.. والتنوع في المطبخ القطري يعكس ثراء ثقافتنا
رحالة زرت أكثر من 51 دولة.. وأحرص على التعرّف على الأطباق المحلية لكل دولة
تتنوع أطباق المائدة القطرية خلال شهر رمضان لتغطي جميع الأصناف من المقبلات وصولاً إلى الأطباق الرئيسية والحلويات، ويعتبر المهندس محمد أحمد عبد الملك الحمادي الذي يعمل محللاً استراتيجياً في مجال النفط، ويمارس هوايته في الطبخ أن لكل مطبخ خصوصيته وله ثقافة استهلاكه وطريقته في عرض الأكلات المختلفة التي تتنوع باختلاف المناسبات وتنوعها.
ويرجع المهندس محمد ثقافة المليار مسلم في الطبخ وتنوعها إلى التراكم في الثقافات، أو إلى كل ما يتأثر به المجتمع من حروب أو صراعات أو انتقالات مراكز القوة، أو من خلال التداول أو التدافع، وبعض الثقافات المتعلقة بالمطابخ تتشكل من خلال التراكم.
وبالنسبة لثقافة الأكل في قطر، يقول المهندس محمد: إنها تشكلت من خلال التدافع في الثقافات والتواتر وجزء آخر منها دخيل، وهذا التطور الذي عرفه المطبخ القطري شهدته كل المطابخ العالمية، أما المطابخ التي لا تتجدد ولا تتطور، فمعناه أنه يتكيف مع متطلبات العصر والمزاج العام، وذلك يؤدي إلى انقراض واندثار تلك الثقافة وذلك الموروث، وعليه فيجب عدم التخوف من التطوير والتحديث والتجديد وامتزاج الثقافات الأخرى، حيث إن ذلك يثري الثقافة المحلية ويجعلها أكثر صموداً في وجه الزمن.
3 أطباق بارزة
ويذكر المهندس محمد صاحب أكاديمية الطبخ، أن عدداً من الأطباق التي يزخر بها المطبخ القطري لا تزال تحافظ على طابعها التقليدي والشعبي، لكن في السنوات الأخيرة بدأ ينفتح على المطابخ الحديثة، مع المحافظة على خصوصيته.
ويرى الحمادي أن المائدة القطرية في شهر رمضان، بحسب روايات الأجداد، لم تكن تتضمن أطباقاً عديدة، بل كانت تكتفي بطبقين بارزين أو ثلاثة، لكن اليوم ومع التنوع الذي يشهده المطبخ المحلي دخلت وجبات وأطباق أضافت عبقاً خاصاً للمائدة القطرية خلال الشهر الكريم، دون أن تفرط في أطباقها الأصلية.
ويضيف الحمادي إلى ما سبق: موائد رمضان وطقوسه اختلفت فهي ليست كما كانت قبل عشرين عاماً من الآن حسبما يذكرها، فجدي وجدتي كانا ينامان بعد صلاة العشاء مباشرة حالهم في رمضان كما في غيره، لا يختلف شيء عن الأيام العادية إلا في الصيام والتكثيف في العبادات، لكن حالياً حتى أوقات العمل الرسمية تغيرت، وسلوك الناس تغير فأصبح السهر إلى وقت الإمساك هو سلوك أغلبية الناس، فأصبح شهر رمضان يسبب تغييراً في الروتين اليومي، من أكل ونوم وعمل ونشاط وغيره.
طريق الحرير
ويواصل الحمادي: المطبخ القطري مع كل هذا التدافع والاختلافات الموجودة من حوله كان على طريق الحرير بالطريق إلى البصرة والعراق، وكان هناك تجار من الهند والصين والعراق وبلاد فارس ونجد يعبرون المنطقة، مما شكل فيها ثراء ثقافياً كبيراً وتنوعاً وتشكلاً في الأطباق والبهارات المستعملة في الطبخ، هناك الكثير من الناس غير المطلعين على كل الثقافات قد يخلطون بين المطبخ الهندي والمطبخ القطري أو لا يميزون بينهما، وهذا التصنيف قد يرجع لعدم تعمق الشخص في المنطقة وثقافتها، مما لا يسمح له بالتمييز وإدراك الفروق بين النكهات، ونفس الشيء إذا توجه الشخص إلى فيتنام حيث يلتبس الكثير من السياح بين الأكل الصيني والفيتنامي رغم الفروق الكبيرة بينهما. ويرى الحمادي أن الثريد هو أشهر أطباق رمضان في قطر، ويروي أنه من خلال البحث تبين أن هذا الطبق موجود قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت من أحب الأكلات للرسول صلى الله عليه وسلم، والثريد هو الخبز المنقوع في الصلصة باللحم أو بالدجاج، وثاني أشهر طبخة قطرية هي الهريس، وهو حبوب القمح مع اللحم مطبوخة وتطحن لتصبح متجانسة وناعمة، أما أطباق الأسماك التي تشتهر بها المنطقة فتكون في فترة العشاء في شهر رمضان، أو ما يسمى بالتعبير المحلي الغبقة.
الهندسة.. والمطبخ
سألنا الحمادي عن كيفية دخوله مجال الطبخ البعيد جداً عن مجاله المهني الهندسة، ففضّل أن يعود بنا إلى أول مرة دخل فيها المطبخ، وحكى لنا: كنت في الصف الثاني الابتدائي وكنا خلال شهر رمضان، وكان أول عهدي بالصيام، وكانت أمي كثيرة الانشغال في المطبخ بتحضير الطعام لنا ولتوزيعه على الأهل والجيران، فدائماً ما كان مطبخنا مكتظاً وفيه حركة، يومها اقترحت عليّ والدتي مساعدتها في لفّ السمبوسة لتمضية الوقت، ولشغل وقتي، وقتها بدأت باللفّ ثم تعلمت حشوات السمبوسة المختلفة، لأتعلم بعدها كيف أقليها، لتكون بذلك السمبوسة أول ما تعلمته، لتليها التجارب والوصفات والتعلق بالمطبخ، خصوصاً أن الوالدة عائشة التميمي كانت وما زالت من أعلام المطبخ القطري.
الحفاظ على الموروث الشعبي
محمد الحمادي مهندس يزعجه لقب شيف، فهو خريج هندسة من جامعة كوفنتري عمل في مجال النفط لأكثر من عشرين عاماً، رحالة زار أكثر من 51 دولة، وحرص على التعرف على الأطباق المحلية لكل دولة، أسس المهندس الحمادي مشروع أكاديمية الطبخ، التي تُعد الأولى من نوعها في قطر، حيث يسعى من خلالها لتوفير منصة تجمع بين الهواة والمحترفين في مجال الطهي، كما يهدف للحفاظ على الموروث الشعبي من الأطباق القطرية وتقديمها للعالمية، واستخدم النباتات القطرية في عمل أطباق متنوعة، واستطاع الوصول للمرحلة النهائية من جائزة ريادة التابعة لمركز نماء عام 2019، والحصول على المركز الرابع لفئة المشاريع. ويضيف: منذ مرحلة الطفولة وبحكم عمل والدي في السلك الدبلوماسي، مما اضطرنا للتنقل معه من بلد لآخر، مما جعلني أهوى السفر والترحال، والاطلاع على الثقافات المختلفة لتلك البلدان، وأيضاً لنا باع طويل في مجال المأكولات والطهي بحكم عمل الوالدة عائشة التميمي ومشاركتها في المحافل المحلية والدولية، وكنت قريباً منها في كثير من هذه الأعمال، حيث قمنا بافتتاح مقاهٍ ومطاعم، ونظمنا «إكسبو ميلان» كان أكبر معرض للمأكولات، ونفذنا عمل بيت قطري في ريو دي جانيرو في الألعاب الأولمبية في البرازيل. وعن الهدف من تأسيس أكاديمية الطبخ، يوضح الحمادي: نسعى من خلال أكاديمية الطبخ للحفاظ على الموروث الشعبي من الأطباق القطرية وتقديمها للعالمية، بحيث يكون مصدراً للثقافة المحلية في الاستهلاك، وتعتبر أكاديمية الطبخ عبارة عن مبنيين، الأول يركز على عملية التدريب والتطوير وبناء الفرق وتقديم النصائح التوعوية من خلال الورشات التوعوية، وهناك مبنى آخر عبارة عن مطبخ أكاديمية الطبخ، حاولنا تقديم شيء جديد للسوق، من خلال التركيز على العنصر الثقافي والتطويري والمهني، ليساعد الهواة الذين يرغبون في الوصول للاحترافية وتعلم الطبخ من مختلف الفئات، وأيضاً مطبخ الأكاديمية يخدم فئة المستثمرين الجدد، عن طريق الأكاديمية باعتبارها مكاناً مرخصاً يعمل فيه كادر عالي المستوى يستطيع من خلاله توفير الأعمال للمشاريع المختلفة، والمتعلقة بالمأكولات والمشروبات، بدلاً من بحث كل منهم عن مكان منفصل مرتفع الإيجار وغيرها من التكاليف والأعباء، بحيث نقوم بجمعهم في مكان واحد، وإتاحة الفرصة على مدار 3 شهور للدراسة ورفع مستواه والاستفادة ومعرفة سوق العمل، وأن يكون جاهزاً لمرحلة الاستثمار الحقيقي، أي أن الأكاديمية تعتبر نموذجاً للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر. واختتم الحمادي حديثه بقوله: قدمنا على جائزة ريادة التابعة لمركز نماء عام 2019 ضمن 172 متقدماً، ووصلنا للمرحلة الأخيرة، وتنافسنا مع المشاريع السبعة الأولى للحصول على الجائزة، وحصلنا على المركز الرابع.