الإثنين 30 صفر / 26 سبتمبر 2022
 / 
11:30 م بتوقيت الدوحة

الهداية أعظم ما يطلب العبد من ربه

تنفرد «العرب» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
بعد الثناء على الله بما يستحق من المحامد، وبعد مناجاته بما يستحق من إفراده بالعبادة والاستعانة، جاء التوجه إلى الله بالدعاء، وكان التوجه بالدعاء هنا إلى طلب (الهداية) من الله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، كما اشتملت الفاتحة على أعظم ما يطلب الرب من عبده وهو التوحيد: {إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، اشتملت على أعظم ما يطلب العبد من ربه، وهو الهداية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
أنواع الهداية
والهداية هدايتان، هداية بيانية معرفية، وهداية عملية توفيقية، توصل المكلف إلى الحق ليؤمن به، ويعمل بمقتضاه.
أولاً: الهداية البيانية:
وللهداية البيانية التي بمعنى بيان الحق، والدلالة عليه: عدة مراتب:
المرتبة الأولى: الهداية الكلية العامة التي بثها الله في الكون، وجعل لكل شيء فيه حظه منها، حتى الأرض والجبال والمياه، والشمس والقمر والنجوم وعالم الأفلاك على سعته، يهدي إلى غايته التي يتم بها ما خلق له. وهي التي أشار إليها القرآن على لسان سيدنا موسى عليه السلام: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50].
المرتبة الثانية: هداية الحواس، مثل السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وهي التي تهدي الإنسان في عالم المحسوسات، وهي الهداية التي يشترك فيها الإنسان والحيوان والطير.
المرتبة الثالثة: هداية العقل، وهي فوق هداية الحسّ، وهي التي تفضح غلط الحواس، مثلما ترى العين الظل ساكناً وهو يتحرك ببطء، ومثلما ترى النجم صغيراً وهو أكبر من الأرض آلاف أو ملايين المرات. وهي ما يدرك بالفؤاد أو القلب – وهو العقل - كما يقول تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78]، فالسمع والإبصار: للهداية الحسية، والأفئدة: للهداية الفعلية.
والمرتبة الرابعة: هداية الوحي، أو النبوة، وهي أعلى مراتب الهداية، وهذه تستدرك على العقل ما غلط فيه، كما استدرك العقل على الحواس، ثم هي تمنح العقل المعرفة فيما لا سبيل إلى معرفته مثل: الإيمان بالغيب، وما يتضمنه من الإيمان بالله وصفاته، وواجبه على خلقه، والإيمان بالعالم غير المفطور، وعالم الآخرة والجزاء، مما لا يدخل تحت دائرة المختبرات، ونحوها. ولا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، ولكنه ليس من المستحيلات عقلاً، بل هو جائز في نظر العقل، بل هو موافق للحكمة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:27-28]. فهذه المرتبة الرابعة والعليا من الهداية البيانيَّة، هي التي تنكشف فيها الحقائق لبصائر المؤمنين، وهي التي يسألها المؤمنون من ربهم.
ثانيا: الهداية التوفيقية:
ومع هذه الهداية البيانية، هناك هداية أخرى، يسعى إليها كل من يحب الحقيقة، وهي التوفيق إلى نور هذه الهداية، واتباع طريقه، وهي التي جاء بها قوله تعالى لرسوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، وهي التي يسألها المؤمنون من ربهم، في سورة الفاتحة: أن يعرفوا الحق ويتبعوه، وهي التي وصفت في القرآن بقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16].
ومعنى قوله (اهدنا) - مع أن الذي يدعو قد هُدي إلى الإيمان - أن المراد به: زدنا هدى، كما قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76]، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد:17]. أو معناه: ثبتنا على هذه الهداية، وعلى نور الإيمان.

_
_
  • العشاء

    6:56 م
...