رحلة من بنين إلى ليبيا أملاً بالإبحار نحو حياة أفضل في أوروبا

alarab
حول العالم 12 مايو 2015 , 11:51ص
أ ف ب
يقف إلياس قرب الجسر نفسه في العاصمة الليبية منذ شهرين، في يده هاتف نقال وفي جيبه صورة لاعب كرة قدم شهير، ينتظر الحصول على عمل يجني منه مالا يعينه لاحقا على الإبحار نحو أوروبا.

يتسابق إلياس (18 عاما) ذو البشرة السمراء على العمل يوميا مع عشرات آخرين ينتظرون توقف سيارة في المكان ليهرعوا إليها، في رحلة عمل قصيرة غالبا ما تتخللها حالات من الإساءات اللفظية والجسدية.

ويقول إلياس الآتي من بنين والذي يتحدث الإنجليزية والفرنسية بطلاقة لوكالة فرانس برس "جئت إلى هنا لأناضل من أجل مستقبلي، وعندما أحصل على المال الكافي، سأذهب إلى أوروبا".
ويضيف "البحر خطير، لكن عندما تأتي الفرصة، سأذهب. أحيانا نعبر البحر وننجح، وأحيانا نعبر البحر ونخسر".

وحال إلياس في طرابلس كحال آلاف آخرين، يأتون إلى ليبيا التي تعصف بها الفوضى الأمنية بفعل النزاع على السلطة فيها، ويعملون لأشهر حتى يتمكنوا من ادخار مبلغ يضعهم على متن مركب يبحر بهم بطريقة غير شرعية نحو السواحل الأوروبية القريبة.

ويواجه هؤلاء ما إن يصعدوا على متن المركب ثلاثة احتمالات، أولها القبض عليهم في البحر وإعادتهم إلى البر ليخسروا بذلك كل ما أنفقوه ويعاودوا العمل لادخار المال، وثانيها أن يتم إنقاذهم ونقلهم إلى أوروبا، وآخرها غرق المركب والموت في البحر.

وفي طرابلس، يقيم الوافدون والراغبون بالهجرة في منازل وغرف صغيرة، ويجدون أنفسهم في مواجهة ظروف معيشية قاسية، علما بأن المهاجرين الذين تم إلقاء القبض عليهم وعددهم نحو سبعة آلاف في ليبيا حاليا يعيشون في مراكز إيواء تواجه السلطات صعوبات في التعامل مع احتياجاتهم فيها.

ويعيش إلياس حسبما يقول مع ثلاثة أشخاص آخرين في غرفة صغيرة، يدفعون معا إيجارا شهريا من 150 دينارا (نحو 110 دولارات). ويوضح "أنام على سرير صغير جدا، وهناك حمام واحد في الغرفة، أحاول قدر المستطاع أن أبقيه نظيفا".

ويقول إلياس الذي وضع على رأسه قبعة بنية تقيه الشمس وارتدى قميصا رياضيا أصفر "عندما لا يكون هناك عمل، أجلس في الغرفة وأستمع إلى الموسيقى التي أحب، خصوصا الراب والار آند بي. أحب كريس براون وتوباك".
ويتابع "أشاهد أيضا مباريات كرة قدم على هاتفي. أحب فريق تشيلسي الإنجليزي، ولاعبي المفضل هو ديدييه دروجبا من ساحل العاج. صورته في جيبي دائما. كنت ألعب كرة القدم مع أصدقائي في بنين، لكنني لم أعد أفعل ذلك هنا. أشتاق إلى كرة القدم كثيرا، وأشتاق إلى أصدقائي أكثر".
 
ويتعرض العمال الأجانب وخصوصا الأفارقة في ليبيا إلى إساءات جسدية ولفظية، وقد تصل أحيانا إلى حد السرقة، والتهديد بالقتل، والاستغلال الجنسي.

وتشير منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته أمس الاثنين وتلقت فرانس برس نسخة منه إلى أن "اللاجئين والمهاجرين في أنحاء ليبيا يواجهون خطر الاغتصاب والتعذيب والخطف من أجل فدية من قبل المهربين، وأيضا الاستغلال من قبل الأفراد الذين يقومون بتوظيفهم".

ويشرح إلياس الذي ترك في بنين عائلته المؤلفة من أم وأب وأربعة أشقاء وشقيقتين بعدما عجز عن إيجاد عمل أن العمل في طرابلس حيث يجني 50 دينارا "نحو 36 دولارا" في اليوم "يكون جيدا في بعض الأحيان، وسيئا في أحيان أخرى. يدفعون في مناسبات، ولا يدفعون في مناسبات أخرى. الأمر يرتبط بشخصية المرء. نحن كلنا بشر، لكننا لا نملك شخصية واحدة".

ويوضح أنه تعرض للسرقة قبل أسبوعين حين اقتحم مسلحون الغرفة التي كان نائما فيها في غرب المدينة وقاموا بسرقة الهواتف النقالة والأموال العائدة له ولزملائه تحت تهديد السلاح.
ويقول "لا أملك أية أموال حاليا. لقد سرقوا الثلاثة آلاف دينار (نحو 2100 دولار) التي كنت قد ادخرتها. لكنني أعاود العمل من الصفر".

ويأتي معظم المهاجرين إلى ليبيا برا. ومنذ عهد معمر القذافي، لم يكن الليبيون قادرين على السيطرة على حدودهم التي يعبرها آلاف الأشخاص القادمين خصوصا من جنوب الصحراء والحالمين بالهجرة إلى أوروبا.
 
وتتقاسم ليبيا حدودا برية بطول حوالي خمسة آلاف كيلومتر مع مصر والسودان والنيجر وتشاد والجزائر وتونس.
 
وأكبر تدفق للمهاجرين مصدره شمال النيجر حيث ينقل هؤلاء عبر شبكات من المهربين الذين يأتون بهم إلى منطقتي الكفرة وسبها اللتين تعدان أهم مناطق تجمع المهاجرين في جنوب ليبيا، في رحلة تحمل خطر الموت أو التوقيف منذ لحظة دخولهم ليبيا.

ويقول إلياس "أمضيت ستة أشهر في الجزائر قبل أن آتي إلى ليبيا. اجتزت الحدود مع آخرين في باص ليلا، ثم عبرنا الصحراء ووصلنا إلى هنا. كانت رحلة قاسية. كل ما يمكنني قوله عنها هو أن الحياة صعبة فعلا، لكنها بسيطة في الوقت ذاته".

 ويوضح "كل ما تراه عيناي هنا أحفظه في ذهني، ولكن عندما أغادر إلى حياة أفضل، ربما في بلدي، لن أتذكر أيا من هذه الأشياء التي رأيتها أو مررت بها".

ويؤكد إلياس "آريد أن أصبح رجلا غنيا في المستقبل ، ليس لدي فكرة كيف، ولكنني متفائل. قد ندرك ما يحمله يومنا لنا، لكننا لا يمكن أن نتنبأ أبدا بما قد يحمله الغد. زمن المعجزات لم ينته بعد".