علي المناعي: كنت أنام وأصحو على أشعار الفيحاني ومرويات أمي
منوعات
12 مايو 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
سرقته أحاديث الكبار صغيرا، وبعد ثلاثين عاماً من تدوينها، والولع بها اكتشف أن حياته الماضية كلها تدور حول شغف بدأه في العائلة الصغيرة، حيث الصغير يدرب أذنيه على إيقاعات الشعر الأولى لأم حافظة للمرويات الطويلة، وأب أسرته أشعار مبدع قطر الكبير محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، الذي لاحق علي شبيب المناعي سيرته كبيراً، ووثق لحياة الشاعر الذي كان ينام على أشعاره طفلاً في المهد.
لم يتوقف عند هاجس الشهادات العلمية كثيرا، واكتفى منها بما يؤهله ليكون واحداً من أشهر باحثي قطر والمنقبين في أدبها، ورحلات غواصيها والأمين لأوابدها وذاكرة بيوتها الطينية الأولى، كتب ووثق، وما يزال يسكنه هاجس ألا يضيع شيئا من ذاكرة الكبار وأحاديثهم.
حمل مع رفيق رحلته والباحث المنقب صاحب المؤلفات الكثيرة (علي عبدالله الفياض) الكاميرا صغيراً، سرقتهما مشاهد الطبيعة والبيوت في الشمال وفي رحلاتهما معاً كان يوثقان الأمكنة والوجوه في «ذاكرة الضوء» قبل أن يبدآ رحلة طويلة ما تزال مستمرة فصولها في توثيق وحفظ الذاكرة القطرية، أنجزا كتباً مشتركة كثيرة وديوان شعر مشترك أقرب إلى المطارحات الشعرية لصديقين عن «ترانيم الفجر»، وفي بحث التوأمين الصديقين جهد ومؤلفات ومصنفات كثيرة، تنوء عن القيام به مؤسسات بحثية.
ظل أميناً لإيقاعات أولى ومواويل سمعها من الأبوين، فلاحق الموال الذي طالما سمعه صغيراً، فلاحق سيرته في كتاب «الموال في قطر» رادا بعض الفضل لأهله، «للذين قبضت أكفهم على تعب المجاديف»، وإلى «من بحت باليامال والهولو أصواتهم»، وفي الكتاب درس عميق عن علاقة الفن الشعبي «الموال» بالبحر، أساطيره المفزعة أو خيره الذي يدفق به، فيما أصحاب المواويل بحسب المناعي شهود ومؤرخون على علاقة البحر بناسه، ومن يسكنون ضفافه، ومن أودعوه بحارتهم أيضاً باحثين عن لؤلئه.
وفي سيرته التأليفية يتجاوز علي المناعي ما ذكره القطريون عن قطر ليمتد تأليفه إلى إليها، كما بدت في عيون المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان في كتاب مشترك مع الكاتب والباحث «غزير الإنتاج علي عبدالله الفياض»
العرب التقت الباحث في الأدب الشعبي والمؤرخ علي المناعي وكان هذا الحوار.
ترسم، وتخط، وتنقب عن المخطوطات، وتحفر في التراث وتكتب في الشعر، كيف جمعت إليك كل هذه الفضائل، وأنا أعلم أنك لم تمض وقتاً طويلاً على مقاعد الدرس؟
- لا فضل لي بكل هذه المواهب إلا بالقدر الذي كان لبيئتي، وحواضن ومدارج الطفولة والشباب الأولى وفي الشعر فقد كانت معلمتي الأولى وفاتحة مخيلتي على إيقاعاته أمي، وهي راوية الشعر الأولى وحافظته، وفي ذاكرتها آلاف المرويات الشعرية، تهدهدني على ما تحفظ، وأبي لم يكن بعيداً عن ذلك، مثلها تماماً، كانت تأسره أراجيز شاعر قطر الكبير «محمد عبدالوهاب الفيحاني، وبينهما كنت أدرب أذني على إيقاع الشعر الموغل في شفافيته وابتعاده في مجاهل التراث القطري، تلك الأجواء الطفولية الأولى ومعها قليل من موهبة فطرية كانت تنشئ عندي الشاب الذي صار فيما بعد لعبته وهوايته واحترافه التراث والشعر.
بيئتي البسيطة (الشمال) كانت قرية صغيرة ونموذجاً يختزل التراث القطري بكل أبعاده، هناك تجليات المكان، البحر بزرقته يطبع المكان بظلاله، والصحراء بصفرتها كانت تغريني، بتوثيق من مروا عليها بحدائهم وصبرهم وأشعارهم أيضاً، كان بعضهم -وربما لا يزال كثيرون- يعتقدون أن لا شيء تضمه هذه البيئة من غنى، ربما توقف بعضهم عن بيوتات الطين في (الشمال)، ولم تغرهم بساطتها أو لم تتفتق مخيلتهم عن غنى ساكنيها بالخلاف، وربما بسبب ما رأيته من أبواي وجدت للطين ذاكرة عامرة، تسكن أناس تلك البيوتات، في سمرهم حكايات طويلة عن البحر وآفاقه وغموضه، ورحلات الصيادين فيه، وكان حديث يطول أيضاً عن الغوص والمراكب المتجهة إلى البحر بحثاً عن لآلئه، وبين الحكايات أدب كثير وشعر، يسطر ويؤرخ رحلات البحر، في البر كان للناس طقوس فرحهم، و»عرضاتهم» باعتبارها زينة أفراحهم.
مع تلك الأجواء كان الهدوء الذي يشيعه المكان دعوة للتأمل، وحفز للشاعر أن يكتب قصائده بحسب ما يمليه المكان، على أن المكان والبيئة والأجواء كلها كانت تنمي موهبة موجودة لدي، مبكراً في المدرسة وبين معلمين كانوا يشيرون إلى موهبة ناشئة في الخط، والرسم تولاني في تلك الفترة المدرسية المبكرة، معلمون دأبوا على إعطائي نصحهم، وصقلوا كثيراً تلك المواهب الفطرية الأولى.
في مراحل العمر الأولى
مبكراً رحت توثق للرواة الأوائل وتأخذ عنهم، وعمن أخذت ثقافتك الأولى وحب التأليف؟
- منذ الطفولة كان لدي ميل شديد للقراءة، وأنا لست مختلفاً في ذلك عن أبناء جيلي، الذين أقبلت معهم في صفوف الدراسة الأولى، على كتب الأطفال، أذكر أن الوالد كان يصطحبني إلى الدوحة في البواكير الأولى من الطفولة، للحلاقة وغيرها، كنت أقصد إدارة الثقافة لجلب مجلات الطفولة، «سندباد» وغيرها وسوبرمان، و»تان تان» كمجلات الطفولة التي كانت تغري من بسني للإقبال عليها عبر حكاياتها البسيطة ورسومها الزاهية التي كانت تملك على كل الأطفال -كما هو شأني أنا- مخيلتهم، وتثير فيهم فرحاً خاصاً ورغبة بإشباع فضول المعرفة والحكايات، تطورت هذه القراءات وصولاً إلى الروايات الصادرة عن دار الهلال المصرية، قرأت للعقاد والمازني وطه حسين ومصطفى لطفي المنفلوطي آنذاك، إلى جانب هذا كانت تغريني أشعار الحب العذري لمجنون ليلى وجميل بثينة، وغيرهم كل تلك القراءات الأولى على تواضعها حفزت لدي الدخول فيما بعد إلى عالم القراءة والكتابة.
الشمال بيئتي الأولى
الشمال المكان الذي تفتحت فيه طفولتي، هو من أجمل الأماكن القطرية، إلى ذلك المكان تعود علاقتي بالصديق الذي ما زلنا متلازمين وبيننا مشاريع كثيرة «علي الفياض»، كنا نقوم برحلات أسبوعية نلتقي الناس في تلك القرى التي أصبحت مدينة «الشمال» الآن نصور ونوثق للمكان تلك الرحلات الأولى قبل أن يتبلور لدينا مشاريعنا فيما بعد عن التوثيق للمكان والكتابة عنه، والشمال منطقة جميلة، وهي ممر ومستوطن حضارات قديمة بائدة، مكانها وموقعها أتاح لها ذلك البعد الذي يؤهلها لأن تكون جاذبة للسكنى عبر إطلالتها على البحر.
في أدب البحر
الحديث عن البحر يقودنا إلى واحد من انشغالاتك في الجمع والتوثيق عن رحلات الغوص ماذا لديك من أحاديث البحارة الأول عن ذلك؟
- جمعت الكثير من المرويات عن رحلات الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، لكن ما شغفني حقيقة ليس البعد التاريخي والتوثيقي لهذه الرحلات، ما سرقني إلى ذلك العالم هو الشغف بالجانب الأدبي هذه الرحلات، أو ما يمكن تسميته بـ «أدب البحر الشعبي» الأدب ذاك بكل ما يمكن أن يمثله من حالة إغراء لي من «قص» و«رواية» و«شعر» و«موال» شعبي كل ذلك جمعته ووثقت له، أما ما قادني إلى سحر الحكايات البحرية -كما قلت لك- فهو أنني وجدت نفسي هكذا ابناً لعائلة شغفتها أحاديث البحر وأساطيره، سمعت صغيراً من أبوي ومن محيط العائلة الكبير أعمامي، حكاياتهم مع الأمواج وأنواء البحر فرحهم وحزنهم هناك، متاعبهم التي كانوا يصوغونها شعراً، ومواويل مساءاتهم وفجرهم في محاولة للإراحة من عناء وقسوة البحث عن اللؤلؤ المتوهج في القيعان السحيقة.
الغناء البحري، والأحاسيس المرهفة كلها كانت تصاغ حداءً و»نهما» جميلاً، كان يستحوذ علي لجمعه وتوثيقه، هذا إبداع هو خلاصة البحر ومكابدته، ومنذ ثلاثين عاماً وأنا أجمع وأوثق ولا أشعر بملل وأحس أبعد من ذلك أن الحكايات تستولد حكايات أخرى تمدني إلى الآن بهذا الشغف التوثيقي المتواصل.
وأنا في حيرة، كيف لهؤلاء البسطاء الذين توافروا على حظ قليل من العلم أن يكون في حوزتهم هذه الحصيلة الهائلة من آداب البحر وفنونه وعلومه أيضاً، صحيح أنهم قد حازوا علوماً غنية في القرآن وحفظه ودراسته، ولكن المستغرب هو القدرة على الإحاطة بعلوم الإبحار والسفر والغوص، والعمل في البحر دون معرفة علمية، لكن الخبرة المكتسبة كانت تشير دائماً بالنسبة إلى ذلك التراكم الغني والإرث المتحصل عن الآباء والأجداد.
في العائلة القريبة ثمة غواصون وطواشون وآخرون خدموا على سفن الغواصة، أمدني هؤلاء بحكاياتهم الشفوية، وتعاونت والصديق علي الفياض في إجراء مسح شامل ومتسع للعاملين في البحر آنذاك، وجلهم دعني أقول من الناس الذين عاينوا وعانوا التعامل مع البحر، بعضهم نواخذة وطواشين «تجار لؤلؤ»، وغواصين وسيب، وتم توثيق هؤلاء حياتهم ومعاناتهم في سير ذاتية على أن مشروع السير الذاتية لهؤلاء لا يزال متواصلاً.
ولدينا مشروع كبير فيما يتعلق بكل تراث الغوص رجالاته وأدبه وفنونه وتاريخه الغني.
فكرنا في مشروع الموسوعة القطرية ومنذ السبعينات بدأنا بالاهتمام بها كجزء من مشروع الحفاظ على الذاكرة القطرية، أنجز الجزء الأول.
دافع وطني
لم تقف الشهادات العلمية بالنسبة لك حائلاً دون المضي في هذا السيل التجميعي والتأليفي!
الشهادات شيء مهم، لكنها وحدها ليست الكفيلة بالتصدي لمشروعات بالأهمية التي طرقتها وزميلي «علي عبدالله الفياض» بل إن هناك كثيراً من الأكاديميين أصحاب الشهادات للأسف تقاعسوا عن أداء دورهم في هذا الجانب الذي أراه مهماً، المهم بالنسبة لي أنه كان هناك دافع، وأسميه هنا دافعاً وطنياً للسير بهذه المشاريع التي هي جزء من هويتنا الوطنية والحضارية والتاريخية، وعلي يقع كما على غيري عاتق إبرازها وإنجازها وحفظها للأجيال المقبلة. ونقوم بنشر سير رجالاتنا وتاريخهم الوطني الرائد.
استقبال جيد
ماذا عن استقبال جهودكم في هذا المجال؟ وكيف ترون صداها بين المهتمين بالذاكرة والتراث الثقافي القطري؟
- الحمد لله أرى أنه استقبال جيد، والكثير ينوهون بهذا العمل الذي بالتأكيد يحتاج صبراً طويلاً وأناة عالية، وجلد، وبالنسبة للثنائية التي تربطني بالأخ علي الفياض -والذي أثمر هذا النتاج الكبير- فقد كانت العلاقة سببها الأساسي القربى التي تجمعنا في نفس المكان، وفي المدرسة جمعنا مقعد دراسي واحد، الألفة والمحبة التي جمعتنا سوياً كان يرافقها اهتمام وميول واحدة أيضاً سهلت فيما بعد إنجازنا واشتراكنا في مشاريع التوثيق المشتركة، وعلي يفوقني ثقافة ومعرفة في الأيام المدرسية، وهو كان يسكن منطقة العريش، وكان يأتي للدراسة في منطقتنا في «مظروف»، وعلي لديه الاهتمام بالشعر والأدب، وكان يجمعني وإياه نقاشات طويلة في هذه المجالات المختلفة، جمعتني وإياه صداقة حميمة إذا قبل أن تتبلور المشاريع المشتركة بيننا، وأذكر هنا أنني كنت أذهب إلى لقائه مشياً من منطقة سكناي بـ»مظروف» إلى «العريش» التي أصبحت في السبعين مدينة الشمال حيث جمع أهالي القرى فيها، وأصبح فيما بعد جارنا، وكما قلت لك فإن ما كان عند علي من كتب ومعارف كانت تحفزني دوماً للذهاب إليه ولو مشياً، ويومياً كنت أقطع مسافة ربع كيلو مترات إلى سكناه، وفي جلساتنا قرأنا لعلي محمود طه، صلاح عبدالصبور التراث الشعري العربي بمن فيه المتنبي، وقراءاتنا مشتركة جمعتني وعلي علاقة شعرية شعبية مشتركة، وتراسلنا بالشعر، كنت أكتب موالاً ويرد علي بآخر، وجاءت فكرة علي بأن يكون ديواناً، وهو عموماً تجربة أدبية جميلة. وبيني وبين علي زهاء أربعة عشر كتاباً مشتركاً، لا أنظر في الواقع إلى عدد الكتب المنجزة، وكثرتها وإنما الأساس بالنسبة لي هو مدى أهميتها، وتقديمها لشيء يسهم في الحراك الأدبي والثقافي في المشهد القطري خاصة والخليجي والعربي عامة. وبما يخدم تراثنا، وما يكرس الأصالة في المنجز الثقافي.
في ذاكرة المكان
عملت أيضاً على ذاكرة المكان، ووثقته ماذا عن جمرة الشعر، أما زلت قابضاً عليها؟
- نمضي في هذا العمل «ذاكرة المكان» الذي هو جزء مهم من مشروعنا التوثيقي، ذلك أن المكان يعبر بمجمل ثقافة ساكنيه عن مخزون غني في الإرث الأدبي والشفوي، أنجزنا ذاكرة الذخيرة، وفي البال أيضاً المضي قدماً في إنجاز وتوثيق العديد من الأمكنة، ولدي ميل أدبي لتوثيق ذلك، وهذا جهد مجتمعي أرى للآخرين التقدم لهذا العمل، وعن الشعر فأنت تعرف أنه لا يقبل ضرة، ولعل انهماكي في العمل البحثي قد حال بيني وبينه قليلاً، ربما أنظم الآن قليلاً من الشعر، ولكن لا أكتبه ولا أنشره، والشعر يحب أن يكون خالصاً لصاحبه، وربما شيء آخر يجعلني زاهداً فيه، فإن تقرأ للفيحاني وغيره تحس أنه لا مجال لإضافة شيء إبداعي جديد إلى ما أضافوه، فتكتفي بدور الراوي والمتلقي لشعرهم فقط. والفيحاني رجل أسطوري بكل ما للكلمة من معنى: حياته وأدبه وإبداعه، وصياغاته الشعرية الجميلة.
ما زلت أرسم، وتغريني اللوحة والألوان المائية، وأحياناً الزيتية، شاركت في معرض تشكيلي، وأتمنى لو أنه يتاح لي الوقت الكافي لاستئناف ما بدأته مبكراً في الرسم والتشكيل