علماء: على الوالدين مساعدة الأبناء في اختيار الأصدقاء

alarab
محليات 12 مايو 2012 , 12:00ص
الدوحة – عامر غرايبة
هل قضت الحياة الحديثة بصخبها وعنفها على الصداقة الصالحة؟ وما أهمية الأصحاب والأصدقاء في حياة الناس؟ هل طغى النفاق وحسابات المصالح على الصداقة؟ كيف يختار الإنسان أصدقاءه؟ كيف تعرف الصديق الوفي من المتنفع؟ وما هدي الإسلام في الصحبة والصداقة؟ «العرب» استطلعت آراء بعض أفراد المجتمع، والتقت بالداعيتين الدكتور وجدي غنيم والدكتور إبراهيم العجمي وسألتهما عن الصحبة الصالحة وأهميتها في حياة المسلم. فؤاد أبوالنور (مقيم عربي 36 عاما) يقول إن هذا زمان لم يعد فيه صحبة حقيقية صادقة؛ وإنما هناك مصالح متبادلة، الصحبة التي يتحدث عنها الناس انتهت منذ أمد طويل، ولم يعد لها وجود، أظن أن الصحبة التي يتحدثون عنها موجودة فقط في كتب التاريخ والحكايات القديمة، قد تجدها بكتاب «ألف ليلة وليلة» أو «المستطرف في كل فن مستظرف» أو «الفرج بعد الشدة»، أما اليوم فلا تجد ممن يسمون الأصدقاء إلا الغدر والخيانة، وأقرب الأصدقاء قد يطعنك في ظهرك لمجرد مصلحة صغيرة من عدوك أو خصمك، الحقيقة أنني ببساطة لم أعد أثق بالأصدقاء، فهذا زمان الصفقات والنفاق والمصالح. محمد فهد (مواطن 29 عاما) قال: الأصدقاء نوعان؛ هناك أصدقاء مخلصون تجدهم وقت الضيق، وهناك أصدقاء سيئون يتخلون عنك في أحوج ما تكون لهم، ومن واقع تجربتي وجدت أن الأصدقاء من الأقرباء هم الأوفى والأقرب إلي خصوصا وقت المحن والشدائد، أما الأصدقاء الذين يقتربون منك بطرق مختلفة ليستفيدوا منك فإنهم سرعان ما يتخلون عنك ولا ينفعونك، ولكن الحياة لا يمكن أن تستمر ولا يكون لها طعم إلا بوجود الأصدقاء، وقد سمعت عن أحد الأقرباء.. فقد سمعه فجأة بعد تجرئه على الأذان وحكى لي معاناته خلال سنتين.. يقول: والله جميع الأصدقاء تركوني! كنت أخطط للسفر معهم وقضاء الأوقات معاً ولكن تركوني جميعاً فأصبحت جالساً في البيت وحدي.. وشعرت وقتها بضيق لا يعلمه إلا الله، وحزن شديد، لدرجة أنني فكرت أن أنتحر.. يقول: تصدق أنني تمنيت أنني مولود أصم! على الأقل يكون لدي أصدقاء أفهمهم ويفهموني بالإشارة.. ولكني علمت يقيناً أن الله عظيم وأنه سمعني يوم أن لم يسمعني أحد. فاطمة محمد (41 عاما) تقول: في بداية حياتي كنت أصاحب الجميع، وكنت أحب أصحاب الكلمات المرحة، وأعترف الآن بعد مرور سنوات أنه ليست كل الصديقات ممن يستحققن الصداقة والإخلاص، كانت بعض الصديقات نعم المعين جررنني إلى الفضيلة.. بينما سعت أخريات إلى جري نحو الهاوية، والحمد لله فقد سلمني الله من بعض صديقات السوء، وكادت مجموعة ممن كنت أعتقد أنهن صديقات أن يوقعنني في مأزق صعب، وإنني هنا أشير بالتلميح إلى تلك الحكاية لعل غيري يستفيد منها؛ كنت فتاة بسيطة في السنة الأولى من الجامعة بدولة عربية شقيقة، وتعرفت على مجموعة كبيرة من الصديقات، كنا نمضي أوقاتا طويلة في أنشطة لا منهجية. وتضيف فاطمة: ذهبنا في رحلة إلى أحد الأماكن التاريخية.. ولأنني كنت أستعد لامتحان في مادة مهمة بعد يومين أخذت دفترا كنت أسجل فيه ملخصات مهمة للمادة وتوقعت أن يتاح لي قراءة جزء من الملخصات في أثناء الرحلة، طبعا وكما هي العادة لم أقرأ أي شيء، بل واكتشفت بعد عودتي إلى السكن أنني نسيت دفتر الملخصات في المكان الأثري الذي زرته، وفي الصباح قلت لصديقاتي فأخبرتني إحداهن أنها تعرف سائق سيارة أجرة يمكن أن يأخذني للمكان لإحضار الدفتر والعودة بسرعة، فعلا اتصلت به فجاء بسرعة.. ولكن صديقتي المزعومة تلك اعتذرت عن مرافقتي فذهبت معه وحيدة.. وبعد أن أحضرت دفتري وفي طريق العودة ذهب في طريق فرعي مدعيا أنه سيحضر غرضا من بيته القريب، ولكنه وقف وصعد معه أحد أصدقائه.. عندها شعرت بالخوف والفزع مما يخطط له الصديقان.. وهذا ما حدث إذ أخذ الشابان يهددانني إن لم أفعل ما يريدان وكان يخططان لتصويري على أجهزة الجوال.. ولولا إرادة الله إذ مرت بالقرب من مكاننا سيارتان بهما عائلات.. لحدث أمر رهيب.. هرب سائق الأجرة وصديقه.. وأوصلني أصحاب تلك السيارات مع أهلهم، منذ تلك اللحظة عرفت أن صديقات السوء يمكن أن يكن قاتلات.. ولم أعد أصادق إلا ذوات الدين والأصل اللواتي يساعدنني على الخير. المرء يعرف بصاحبه الشيخ الدكتور وجدي غنيم قال إن المرء يعرف بصاحبه، وللأصدقاء دور مهم في الحياة، وقد بين القرآن الكريم أهمية هذا الدور، فالله تعالى في كتابه العزيز يقول: «قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ»، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، وقديما قالوا أيضا «قل لي من تصاحب أقل لك من أنت»، فالصاحب ساحب كما قالوا، وبه يعرف الإنسان، فإذا كان الصديق صالحا فإنه يدل على الخير ويعرف به، وإن كان العكس أخذ بيد صاحبه للشر والسوء، ودفعه إلى البلايا في الدنيا ثم يتبرأ منه يوم القيامة، يقول الله تبارك وتعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» ويقول أيضا: « وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا». تخير أصحابك وبين غنيم أنه لا بد للإنسان أن يتخير صحبته وأن يحرص على انتقائهم؛ لأنهم سيكونون عنوانه ويدلون عليه، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحا خبيثة» فهذا هو الصاحب على قدر ما فيه من الخير أو الشر يؤثر فيك ويأخذ بيدك إليه. الصداقة الحقيقية وأوضح غنيم أن الصداقة الحقيقية هي الأخوة في الله والحب في الله تعالى، وهو الذي يعين الإنسان في الدنيا على طاعة الله تعالى، ويشفع له يوم القيامة أمام الله سبحانه؛ فالصاحب الحقيقي لا يتخلى عن صاحبه في وقت المحن والشدائد، وأكبر محنة وشدة قد تمر على الإنسان هي محنة يوم القيامة وشدته، وقد جاء في الحديث: «أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، قال: المرء مع من أحب». وفي حديث الشفاعة يبين الله تعالى عظم مصاحبة الأخيار في الدنيا، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويشفع المؤمنون لإخوانهم الذين في النار؛ يقولون ربنا إخواننا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، ولكن أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم، فيقول الله تعالى لهم: أخرجوا من عرفتم». فهل بعد هذا الفضل فضل لمصاحبة أهل الحق من الأخيار والأبرار الذين يحبهم الله تعالى ويقبل منهم الشفاعة في إخوانهم؟! فصحبة المرء هي سمعته التي يعرف بها بين الناس فاختر لنفسك مع أي فريق تكون. ما أهم قرارات الحياة؟ الداعية الدكتور إبراهيم الكفيف العجمي قال إن اختيار الأصدقاء من أهم قرارات الحياة، والأصدقاء بهم يعرف الإنسان، ولا بد للإنسان أن يتخير صحبته، وأن يحرص على انتقائهم لأنهم سيكونون عنوانه ويدلون عليه، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحا خبيثة»، فهذا هو الصاحب على قدر ما فيه من الخير أو الشر يؤثر فيك ويأخذ بيدك إليه. وأوضح الدكتور العجمي أن الأولاد وهم صغار نراهم متفوقين ومتميزين ويتعلمون بسرعة ويستجيبون لما يسمعونه، ونحن نشجعهم ونحفزهم، ونقدم لهم الهدايا والمكافآت حتى يتميزوا بصورة أكبر.. ولا شك أن الاهتمام بالأولاد منذ الصغر يجعلهم يسيرون على طريق الجد والتفوق والسعي الدائم إلى التميز وحصول الدرجات العلا في جميع المجالات التي يشاركون فيها سواء في المدرسة أو غيرها. الآباء قدوة وحث د.العجمي الآباء على تحفيز الأبناء وتشجيعهم بالقدوة، وضرب مثلا بأنك تستطيع أن تجعل من ابنك خطيباً مفوهاً إذا حرصت أن تأخذه معك في صلاة الجمعة وتوصيه بالانتباه لما يقوله الشيخ الخطيب، وأنه يستطيع أن يكون مثله وأفضل.. وبعد مرات إذا انتهت الخطبة وخرج الناس انتظر بالمسجد وقل لابنك: أنت الآن تستطيع أن تكون خطيبا مفوها، فلسانك مستقيم ولغتك جميلة، وتدربه على الخطابة بأن يصعد على المنبر، أو يقف كأنه خطيب ويتحدث، فأول مرة يتلعثم وكذا ثاني مرة، وأنت تشجعه بالقول: هيا يا بني فأنت الخطيب وأنا المصلي، قل ما شئت وأنا أسمعك. واجعله يتعلم بعض الجمل التي سيتحدث عنها، وبالتأكيد سيصبح خلال فترة بسيطة متمكنا بالتدريج وبالصبر عليه وتشجيعه. وقال د.العجمي: نفسيا لا شك أن الأولاد ليس لديهم أصدقاء ولا طلعات في المولات وغيرها، ولكن يتعلق الطفل غالبا بأمه وأبيه وأسرته من الأخوة والأخوات، وهم بفطرتهم أسوياء طاهرون، ففي الحديث يقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». وهنا تظهر البيئة وأثرها في الشخص فهو على ما يخالطه من صحبة وأهل وأصدقاء وغيرهم، وبالتالي يؤثر عليه كل هذا في المقام الأول سواء في صلاحه وتقواه ودرجة إيمانه أو بالعكس إذا فسدت بيئته وصحبته من حوله، فابنك بذكائه وفطنته ومحيطه النقي منذ صغره إذا استمر في هذا النشاط والجد، وإذا استمر تشجيعك له وتحفيزك واهتمامك به بنفس المستوى حتى المراحل التالية من عمره في الجامعة مثلا وكان بنفس المقاييس لا شك أنه سيكون فيلسوفا متمكنا. الأبناء كالغِراس ونوه د.العجمي إلى أن البذرة إذا وضعناها في الأرض وحافظنا عليها وتعاهدناها بالسقيا والرعاية ستثمر وتنمو على خير وجه، وستكون ثمارها يانعة وارفة.. وكذا الأولاد مثل البذرة إذا تعاهدناهم بالرعاية والتربية والتوجيه السليم سيكونون بمشيئة الله شبابا ناجحين متميزين في جميع المجالات التي تعلموها وتدربوا عليها.. وسيكون الابن عونا لأبيه وأمه نافعا لنفسه وأهله بل ومجتمعه وأمته، وعليك أيها الأب أن تبحث عن أصدقاء أبنائك، وأنت أيتها الأم ابحثي عن أصدقاء بناتك وليعلم كل منا أين يسير ابنه ومع من يسير ويخالط، ومن الذي يؤثر عليه أو يتأثر به.. ولينظر كل منا ماذا نقول لربنا إن أسأنا لأولادنا ولتربيتهم فالصحبة الصحبة. وبين الدكتور العجمي أن قدوتنا في اختيار الأصدقاء وفي كل أعمالنا وسلوكنا رسولنا الكريم.. فإذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة ذهب إلى أبي بكر وأخبره بالهجرة ويقول له الصديق الصحبة يا رسول الله، فهو يريد صحبة نبيه ومصطفاه.. وكذا النبي كان يريد صحبته، ولذا ذهب إليه ليخبره وإلا سار وهاجر بنفسه والله يحميه ولكنه اختار أحسن رجل في العالم بعد الأنبياء إنه الصديق. وأشار العجمي إلى أنه علينا أن نربي أولادنا على المحافظة على الصلاة في جميع الأوقات حتى إذا كانوا في لعب فنقول لهم أوقف اللعب وقم للصلاة حافظ عليها وعلى الخير وما تفعله مع أولادك.. واعلم أن الصداقة الحقيقية هي الأخوة في الله والحب في الله تعالى الذي يعين الإنسان في الدنيا على طاعة الله تعالى ويشفع له يوم القيامة أمام الله سبحانه، فالصاحب الحقيقي لا يتخلى عن صاحبه في وقت المحن والشدائد وأكبر محنة وشدة قد تمر على الإنسان هي محنة يوم القيامة وشدته، وقد جاء في الحديث (أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم. قال: المرء مع من أحب)، فصحبة المرء هي سمعته التي يعرف بها بين الناس فاختر لنفسك مع أي فريق تكون.