العلاقات السعودية- التركية ثقل إستراتيجي ودور عربي إسلامي
حول العالم
12 أبريل 2016 , 01:11م
قنا
تعكس الزيارة الرسمية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية لتركيا الحرص المتبادل بين البلدين على التواصل والتباحث وتبادل الرؤى وتنسيق الجهود في إطار ترسيخ العلاقات التي وصفها مراقبون بـ " المميزة " لاسيما أنها الزيارة الثانية للعاهل السعودي لتركيا خلال ستة أشهر , وتأتي بعد أقل من أربعة أشهر لزيارة كان أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض نهاية شهر ديسمبر المنصرم.
وسيبحث الملك سلمان والرئيس التركي خلال الزيارة العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في المجالات كافة ، والتشاور في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك والتي تتصدرها سبل مكافحة الإرهاب، وتعزيز التحالف الإسلامي الذي يضم أكثر من 30 دولة، بينها تركيا.
والزيارة على جانب من الأهمية إذ أنها تعزز عهدا جديدا للعلاقات المتينة والتاريخية، التي تجمع البلدين ، بما يمثلان من ثقل دولي وإقليمي وإسلامي , حيث إنه من المعلوم أن كلتا الدولتين تشغل مركزًا متقدماً ضمن أهم الدول العشرين في التبادل التجاري على مستوى العالم.
والزيارة التي سبقها إعداد وتحضير مكثف عن طريق زيارات متبادلة بين كبار المسؤولين في البلدين تكتسب أهميتها من الثقل الذي يمثله بلداهما، إضافة إلى توقيت تلك الزيارات، وتقارب رؤى الجانبين تجاه العديد من ملفات المنطقة الساخنة , إذ تعكس القمم المتتالية والزيارات المتبادلة بين الجانبين وفي وقت قريب وقصير، الحرص المتبادل بينهما على التواصل والتباحث والتنسيق خاصة في مثل هذه الظروف التي تمر بها المنطقة, فيما يشير آخرون إلى أن الزيارة تمثل رسالة للعالم بقدرة السعودية على لعب دور عربي إسلامي قيادي لاسيما أن السعودية تحمل من الثقل الاقتصادي والعسكري والجيوسياسي ما يمكنها من ذلك .
ويرى باحثون اقتصاديون ومحللون أن أوجه التعاون بين السعودية وتركيا تسير في اتجاه متصاعد ومثمر، نظراً لما تتمتع به من آفاق واسعة للتبادل التجاري لقوة البلدين على الساحة الاقتصادية الدولية، حيث تمثل السعودية شريكاً إستراتيجيا قوياً ومضموناً لتركيا على غير صعيد خاصة في ظل التقارب المتنامي بين البلدين، والعلاقات الإيجابية التي أثمرت منذ شهور عن إنشاء مجلس للتعاون الإستراتيجي بين البلدين يركز على مشروعات التعاون المشترك في عدة مجالات، على رأسها المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطاقة والتعليم والشؤون الثقافية والطب وغيرها.
ويقدر خبراء أن تنمية العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتنويع قاعدة التعاون الاقتصادي لتشمل أكبر تشكيلة ممكنة من القطاعات التجارية والصناعية، وتبادل المنتجات المرغوبة في كلتا السوقين، والاستفادة من المميزات النسبية لكل دولة , سيصب بالضرورة في زيادة الدور الإقليمي والدولي للبلدين، خاصة مع التغيرات التي يشهدها الإقليم , ففيما تعتبر تركيا مدخلًا لأوروبا، فإن السعودية بلا شك هي المدخل للخليج باعتبارها أكبر بلد في محيطها والأقوى اقتصادياً , لاسيما في ظل ازدياد عدد الشركات التركية العاملة في السعودية بمختلف أحجامها، وتنوع نشاطات هذه الشركات حيث تتوافر فرص استثمارية في بعض القطاعات ومن أهمها القطاع الصناعي، لكون تركيا تعتبر الآن وبكل المقاييس، دولة متقدمة مقارنة مع مثيلاتها في المنطقة، وتشهد في ذات الوقت ثورة في مجالات القطاع الصناعي كافة .
وفي عودة لسياق الزيارة الرسمية للعاهل السعودي تناقلت وسائل الأنباء المختلفة ما وصفته بـ " البادرة الاستثنائية " حين توجه الرئيس التركي إلى مطار أنقرة لاستقبال العاهل السعودي حيث رحب به والوفد الكبير المرافق له فيما يشير إلى الأهمية البالغة لضيف تركيا , ومضامين زيارته لاسيما أن العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت تقاربا وتقاطعا بوجهات النظر حيال العديد من الملفات , خاصة من الأزمة السورية .
إلى ذلك أكد بيان صادر عن رئاسة الجمهورية التركية، أن زيارة العاهل السعودي الرسمية لأنقرة والتي بدأت أمس الاثنين ستستمر حتى يوم غد , حيث سيشارك العاهل السعودي عقب انتهاء المحادثات مع الجانب التركي في أعمال القمة الإسلامية الثالثة عشرة التي تنظمها منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول يومي 14 و15 أبريل الحالي.
وتتطابق الرؤى السياسية بين الجانبين السعودي والتركي حيال الكثير من الملفات العالقة وعلى رأسها الملف السوري وموقف البلدين من حتمية رحيل نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ودعم المعارضة السورية، والتأكيد على الحل السياسي للقضية، مع المحافظة على سيادة ووحدة التراب السوري، وحق شعبه في الحرية والكرامة والعدالة .
في الوقت الذي تدعم به تركيا التحالف الذي تقوده السعودية لمساندة الشرعية في اليمن، وتتطابق وجهات نظرها مع السعودية، خصوصاً فيما يتعلق بإيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية , التي تأتي بدورها على رأس الملفات التي سيناقشها قادة البلدين ، خاصة تأكيد دعمهما لشرعية حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو الموقف الذي كان قد أكده الرئيس أردوغان، بإعلانه تأييد الموقف السعودي المتمثل في عاصفة الحزم، وضرورة دعم شرعية الحكومة اليمنية المنتخبة فيها.
وفي إطار التعاون الإستراتيجي العسكري بين البلدين والذي شهد نقلة نوعية وتعاوناً متنامياً، كانت شركة صناعات عسكرية وإلكترونية تركية قد وقعت مع شركة سعودية في فبراير الماضي، اتفاقاً لتأسيس شركة للصناعات الدفاعية الإلكترونية المتطورة في السعودية , في الوقت الذي يُعزز فيه أطر التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بين البلدين على نحو متقدم وفاعل .
إلى ذلك فإن العلاقات بين المملكة وتركيا، كانت قد مرت عبر عهود طويلة بمراحل تطور عديدة على مدى سنوات مضت , حيث بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1929 , ومنذ ذلك الحين شهدت توافقا في معظم قضايا المنطقة والعالم , وأسفرت عن علاقات مثمرة وتوقيع اتفاقيات عديدة في إطار الصداقة والتعاون , الأمر الذي أسس لقواعد متينة في تلك العلاقة ودعمها في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية , كما اتسمت مواقف البلدين بالتنسيق والتشاور وتبادل الآراء فيما يخص تطوير العلاقات بينهما بما يخدم مصالح الأمة الإسلامية، من خلال الزيارات المتبادلة، أو داخل الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فقد بذلت كل من السعودية وتركيا جهودًا مكثفة لنصرة الشعب الفلسطيني، والوصول إلى تسوية عادلة للنزاع العربي- الإسرائيلي، كما أن لهما دورهما الفاعل في منظمة المؤتمر الإسلامي , بما يمثلانه من ثقل عربي وإسلامي .
وفي عودة للتاريخ القريب فقد كانت الزيارة التي قام بها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، إلى تركيا (8 أغسطس2006 ) بمثابة نقطة تحول بشرت بالخير , وجددت أواصر الصلات القديمة والتاريخية بين السعودية وتركيا،حيث كان من ثمار هذه الزيارة التوقيع على ست اتفاقيات بين المملكة وتركيا.
وشهدت العلاقات الاقتصادية الثنائية تطورا مستمرا منذ توقيع اتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي والفني عام 1973، والتي تشكلت على ضوئها اللجنة السعودية- التركية المشتركة، ومجلس رجال الأعمال السعودي- التركي , كما يولي البلدان وبشكل دائم اهتماماً واضحاً لوضع مسيرة التعاون والتبادل التجاري، على طريقها الصحيح بتبني إستراتيجية طموحة من أجل توسيع قاعدة التعاون الاقتصادي , إذ أن تركيا لديها خطة لإيصال الناتج القومي إلى 2 تريليون دولار في عام 2023، بينما تطمح السعودية إلى تقليل اعتمادها الاقتصادي على عائدات النفط بتنويع الصادرات في مجالات أخرى، خاصة مع أجواء التقارب السياسي الذي شهده وصول خادم الحرمين الشريفين، والرئيس أردوغان لسدة الحكم في بلديهما، كما أن الفرصة بين البلدين متاحة ومؤهلة للتعاون الاقتصادي في مجالات الطاقة والاستثمار.
م.ب