د. الحواس يحذر من الغلو في الدين ويدعو للوسطية
قطر اليوم
12 أبريل 2014 , 12:00ص
الدوحة - العرب
حذر الشيخ الدكتور طارق بن عبدالرحمن الحواس، من الغلو في الدين والتزيد في الدين والعبادات، ودعا إلى التمسك بالاعتدال والتزام كتاب الله وسنة رسوله الكريم والحرص على العلم الشرعي الصحيح.
وذكر الداعية السعودي في خطبته أمس بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب بحديث الثلاثة رهط الذين ذهبوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر صعد المنبر وقال: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وجاء في مسند أحمد من حيث أنس أن رجلا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا فقال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحبن أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله، وذكر الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والمتخصص في العقيدة والمذاهب المعاصرة، أنه جاء في الصحيح عن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله».
وأوضح أن الأحاديث المذكورة تشير لظاهر الغلو كظاهرة قديمة حديثة قال الله تعالى عنها: «يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» وفيها إشارة إلى أن منبت الغلو قديم وظهرت بوادره في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعالجه بقوله وفعله بأن أمر الناس بأن يقتدوا به في سائر شؤونه «صلوا كما رأيتموني أصلي» وكان في كل العبادات ظاهرا أمام الناس لأجل القدوة، وحتى لا يتجاوزا الحد، وأما بقوله فكان صلى الله عليه وسلم يسبق الحدث قبل وقوعه وينبه على الأمر، ويعلق على أمر وقع فينبه على خطورة الغلو كما كانت الحال مع الحديث المشار إليه في قصة ثلاثة رهط وكيف تبرأ من الغلو وحذر منه، وصحح الاعوجاج وأرجع الأمور إلى نصابها. وأما الحديث الثاني المتعلق بالرجل الذي خاطب رسول الله بقوله: «يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا». فعالج فيه خطأ وانحراف الغلو في الأشخاص.
ونبه عضو هيئة علماء المسلمين إلى أن بعض الناس أحيانا يبجلون الشخص ويجعلونه غلوا في مصاف رب العالمين، الأمر الذي واجهه صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله».
وأكد أن الغلو هو تجاوز الحد الشرعي بزيادة إما في الاعتقاد أو العبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر أن تقع هذه الأمة فيما وقع فيه من سبقها من الأمم. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» وكان يقول: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» والمتنطع هو من يريد أن يعبد الله بأمر لم يشرعه الله، زيادة في الدين وتحميلا للشرع بغير ما جاء به.
وقال الشيخ طارق الحواس إن الضابط في الحكم عن الشيء هل فيه غلو أم لا هو الرجوع للقرآن والسنة، ففيهما الجواب صريحا واضحا، مؤكداً أنهما بيّنا كل شيء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحجة على الأمة، فبين لنا ما نحتاجه، لكن بعد موته صلى الله عليه وسلم وموت الشيخين والخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بدأت تتسرب بوادر من الغلو بظهور الخوارج ثم السبئية والقدرية وتتابعت طوائف تلو طوائف وقعت في جوانب من الغلو، فالخوارج غلوا في آيات الوعيد فكفروا المؤمن بفعل الكبيرة والمرجئة غلوا في آيات الوعد فأبقوا الإنسان على الإيمان ولو ارتكب كفرا، والسبيئة غلوا في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وآل البيت وهكذا.
وبين الخطيب أن من طرق علاج هذه الظاهرة والانحراف في الأمة الرجوع بها للوسطية، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، مشيراً إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي».
وزاد أن من أسباب الوقوع في الغلو في الأمة الجهل بالله وأمره، داعيا لتأمل قوله تعالى: «يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» حيث قال العلماء إن الله تعالى جمع بين النهي عن الغلو والتحذير من القول على الله بغير علم، أي بجهل.
ومن الأسباب أيضاً اتباع الهوى وعم القبول بالحق، ولذلك قال الله تعالى: قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ».
وقال الشيخ الحواس إن الأمة اليوم تعاني من صور مختلفة من الغلو، إذا ظلت قائمة سيصعب التطلع لمستقبل أحسن، والانتصار على ضعفها، ومن ثم على أعدائها، فظهر الغلو في الاعتقاد من غلو في الأنبياء والأولياء والصالحين بجعلهم في مقام لم يجعله الله لهم، فهل يعكس ذلك حبا حقيقيا للرسل والأنبياء أم تجنيا عليهم بجعل الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا في مقام الله يعلم الغيب ويستجيب الدعاء، والحال أن ذلك عصيان للرسول كما يحصل عن بعض الصوفية.
وأما الغلو في الأولياء فيحصل ببناء الأضرحة والقبور، وتشد لهم الرحال، ويدعون من دول الله، وتنذر لهم النذور، مع أنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، وأن الشرع يحرم التوجه لغير الله.
وأشار الخطيب للغلو في العبادة بالزيادة أو بنقص أو ابتداع عبادات جديدة لا هي من عمل النبي ولا الصحابة ولا التابعين، ويتم الحرص عليها أكثر من الحرص في العبادة المفروضة من رب العالمين، مع أن الإمام مالك قال: «من ابتدع في الدين فكأنما يقول إن محمد (صلى الله عليه وسلم) قد خان الرسالة»، منوها لقوله تعالى «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
وأكد الخطيب أن الأمة محتاجة لسماع الكلمة الصادقة من علمائها ودعاتها يحذرونها مما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذون بأيدي من أغواهم الجهل واتباع الهوى، فانحرفوا عن الجادة وعن الدين الحق، متسائلا كيف لأمة أن تنتصر وتتمكن وهي تدعو غير الله وترجو وتنتظر النصر من الأموات».
وشدد الشيخ الحواس في الخطبة الثانية على أن العلاج لمرض الغلو هو الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» وحبل الله هو كتابه والسنة شارحة ومبينة له.
وزاد، من العلاج محاربة الجهل، وطلب العلم الشرعي من أهله المعتبرين المشهود لهم بالعلم والتقوى والصلاح والحرص على جمع كلمة الأمة، ولزوم خط الوسطية التي وصف بها الله تعالى الأمة «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» والوسطية هي الموصلة لمرضاة الله وجنته.
ونبه الخطيب إلى اتباع منهج العدل والإنصاف في الحكم على المخالف، وأن الحكم على الطوائف بشكل عادل وسليم يكون بالاستماع لشيوخها المعتبرين وليس للأتباع، فلمعرفة حقيقة التصوف مثلا يجب الرجوع لأصوله وأئمته ممن كانوا على الكتاب والسنة، ويحذرون أتباعهم من الغلو، كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والإمام الدارني والجنيد وغيرهم كثير ممن أكدوا أن كل ما يخالف الكتاب والسنة فاضربوا به عرض الحائط، أما المتأخرون والاتباع فقد انحرفوا وابتدعوا وزادوا.
وقال هناك طائفة تخرج المتصوفة من الدين، وهناك من يعتبرها الدين الصحيح، وهذا تطرف في الجهتين لم يلتزما الإنصاف في الحكم، مؤكداً أنه من لزم الكتاب والسنة فـ «على العين والرأس» ومن انحرف فلا كرامة، فديننا كامل ولا حاجة لأحد أن يزيد فيه أو ينقص عندنا الكتاب والسنة نقيس بهما ونزن أعمالنا قال الله تعالى «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».