حمد الطبية تعالج 6 من جرحى الثورة اليمنية وتستقبل 9 قريباً

alarab
محليات 12 أبريل 2012 , 12:00ص
الدوحة - إسماعيل طلاي
تستقبل مؤسسة حمد الطبية الأيام القليلة القادمة دفعة جديدة، تضم 9 يمنيين لتلقي علاجات دقيقة بمستشفى حمد العام، بعد تماثل 3 من أصل 6 جرحى تكفلت قطر بعلاجهم من إصابات خطيرة تعرضوا لها إبان المواجهات الدموية التي شهدتها الثورة اليمنية، ومن مقر إقامتهم بالمدينة الطبية، تنقل «العرب» قصصاً مؤلمة لجرحى ومصابين، خضعوا لعمليات جراحية متتالية، لكنها لم تنل من تفاؤلهم وفرحتهم بعد تماثلهم تدريجياً للشفاء، رافعين أكف الدعاء للشعب والمسؤولين القطريين الذين تكفلوا بهم، منذ لبت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، حرم سمو الأمير المفدى نداء استغاثة، وجهته لها المناضلة توكل كرمان للتكفل بهؤلاء الجرحى منذ بضعة أشهر. فؤاد عبدالرحمن سعيد أحمد الغلابي (شاب لم يتعدى 25 عاما) أحد ضحايا علي عبدالله صالح، لم يكن الفتى الموظف في قطاع خاص، يدرك أنه سيقضي فترة من عمره بين المستشفيات جراء رصاصات طائشة للقوات الموالية للرئيس السابق.. في أبريل 2011، خرج كغيره من الشباب الناقمين، تلبية لنداء المناضلة توكل كرمان لإيمانهم بقضيتها ونضالها.. كان الحشد كبيراً، ولم يكن أحد يتوقع أن المسيرة السلمية ستواجه بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع، لكن إصرار الغاضبين كان أقوى من رصاصات بنادق الجيش، فدخلوا معها في أخذ ورد من صلاة الظهر إلى ما بعد المغرب، هنا اقتحم الأمن المركزي والحرس الجمهوري المنطقة التي كانت تابعة للواء المنشق أحمد خليل في الأصل، وهنا بدأت الصدامات، وبدأ إطلاق الرصاص، ليسقط الضحايا.. حمل فؤاد أحد المصابين إلى مستشفى الكويت، وعاد إلى ساحة بنك الدم لنصب الخيام والاستقرار، لكن الأمن المركزي فاجأهم برصاص كثيف، ما دفع الشباب المتظاهرين للتراجع مكرهين نحو ساحة التغيير، لكن فؤاد اندهش لهول عدد الشهداء الذين تجاوزا الأربعين، وضحايا لا يعدون بالأصابع. 3 أيام فاقداً للوعي لدى عودته إلى ساحة بنك الدم، تفاجأ الشاب بخلو الساحة الذين فروا بجلدهم من قمع الأمن المركزي، وقد باغته جنود صالح رفقة ثلاثين من أقرانه المتظاهرين، ومن دون هوادة، أطلقوا عليهم الرصاص، فأصيب فؤاد برصاصة فوق حوضه الأيسر لتخترق عموده الفقري، ليقع مرمياً على الأرض في جنح الظلام.. ومن لطف الله، أن مد يده، وأمسك بقبضته رجل أحد المتظاهرين الذين بدأ يصرخ «جريح.. جريح»، لينقله إلى مستشفى الكويت، المكان نفسه الذي نقل إليه جريحاً آخر بنفسه قبل دقائق.. ولم يدرك الشاب أن الرصاصة نهشت جزءاً كبيراً من جسد فؤاد، وشعر بأن الموت أقرب إليه.. وما كاد يتلفظ بكلمات عن فصيلة دمه، حتى فقد الشاب وعيه لمدة ثلاثة أيام متتالية. معاناة بين المستشفيات يحكي فؤاد كيف أنه خضع لعملية استكشافية في حوضه بعد أن مزقت الرصاصة جزءاً من الأمعاء والقولون، وأخاط الأطباء جزءاً من أمعائه والقولون، وبعد أسبوعين، لم يكن يقوى على تحريك رجله، ما استدعى نقله لمستشفى العلوم لمدة أسبوع كامل، حيث خضع للرنين المغناطيسي للكشف عن العمود الفقري، ليكتشف الأطباء أن العصب المسؤول عن العضلة الرباعية بالحوض الأيسر من العصب الشوكي، الأمر الذي يستحيل معه إجراء عملية جراحية، ولم يكن أمامه إلى الخضوع للعلاج الطبيعي، قبل أن يتم نقله إلى مستشفى الثورة، حيث أشرف عليه أطباء محليون، ومصريون، وطبيب روس أخصائيون في طب العظام، وأجمعوا كلهم على استحالة إجراء العملية بين الحوض والعمود الفقري، ولم يكن أمامه غير التمرن على الدراجة والعلاج الطبيعي، إلى أن حضر وفد أطباء من تركيا أيضاً لمعالجة الحالات المستعصية، وبدورهم أجمعوا على استحالة خضوعه للجراحة. حرم الأمير تلبي نداء الاستغاثة وقبل ثلاثة أشهر، زاره وفد من أطباء مصريين، أقروا باستحالة إجراء الجراحة، وأبلغوه بإمكانية نقل عضلة من الجانب الأيسر كحل بديل للعصب.. وهنا، بلغ الشاب النبأ السار، بأن قطر تكفلت بالعملية الجراحية، وتقرر نقل عدد من الجرحى، استجابة لنداء رفعته المناضلة توكل كرمان إلى سمو الشيخة موزا بنت ناصر التي أمرت سريعا بفتح مكتب بالدوحة للتنسيق ونقل الجرحى، بالتنسيق مع مؤسسة «وفاء» المكلفة بالجرحى في اليمن. وسريعاً، تم نقل دفعة أولى من 6 جرحى يمنيين من أصحاب الحالية الدقيقة، كان فؤاد بين هؤلاء، ليلقى العلاج اللازم بمستشفى حمد العام. فريق طبي متكامل بـ «حمد» يتحدث الشباب بكثير من التقدير لدور الأطباء الذين أسعفوه من اليمن، وصولاً إلى الدوحة.. ورغم جهود الأطباء اليمنيين، إلا أن نقص الإمكانات كان يعيق الكادر الطبي المحلي.. وقد تكفلت مؤسسة «وفاء» اليمنية بإنهاء الإجراءات والحصول على التأشيرات، ليبلغ المرضى بتحضير أنفسهم للسفر. عودة الأمل ويؤكد المتحدث أنه تلقى عناية كاملة من قبل أطباء أعصاب وأخصائي عظام، جزء من فريق طبي متكامل، حيث أقر الأطباء استحالة الجراحة بدورهم، ليتم اللجوء إلى نقل العضلة، وخلال شهر ونصف تقريباً من المتابعة، تمت العملية شهر مارس الماضي، ويشعر اليوم فؤاد أنه بحال أفضل، مع متابعته لمرحلة الفحص الطبيعي وتأهيل العضلة التي قد تمتد لأربعة أشهر أخرى تقريباً داخل قطر، وبتكفل تام وشامل من دولة قطر، إلى أن يعود سالماً لبلده.. كما أخبره الأطباء، لتعود البسمة إليه. «الأستاذة» توكل كرمان وأشاد فؤاد بتقدير كبير للرعاية الطبية التي حظي بها في دولة قطر، بلده الثاني. وحينما سألناه عن رؤيته للوضع في اليمن، قال: «الحمد لله، نتواصل مع أهلنا وأصدقائنا، ونحن متفائلون جداً بمستقبل اليمن». كما لم يخف أن المناضلة توكل كرمان، أو «الأستاذة» كما يلقبها رفقة أصدقائه، لم تتخلف عن زيارة الجرحى بالدوحة. رصاصة تحرمه من سرد محنته عبدالله لطفي حسين، ضحية أخرى لنظام علي عبدالله صالح.. الطالب في السنة الثانية بكلية الهندسة، لم يكن يتوقع أن رصاصة طائشة ستوقف مساره التعليمي لفترة طويلة.. فقد أصيب الشاب في منطقة ارهب بتاريخ أغسطس 2001، حيث تعرض الشباب لرصاصة عشوائية استقرت في الجانب الأيسر من فكه، لتخترق لتسبب له شللاً، بعد أن كسرت العظام والفك، وتجاوزت العين، ما جعله أشبه بالأبكم، لا يقدر على الكلام. جراحات متتالية تحدث صديقه حسين لطف حسين عن مأساة عبدالله. مشيراً إلى أنه مباشرة بعد الحادثة، نقل إلى مستشفى بدائي، أين خضع لفحوصات أولية، قبل نقله إلى مستشفى العلوم والتكنولوجيا في صنعاء؟ حيث خضع لسلسلة عمليات جراحية، دون جدوى، منها عملية أشرف عليها أطباء أتراك، كانت أشبه بزراعة تجميل، قبل أن يخضع لعملية زراعة عظم في فكه العلوي بمستشفى حمد العام، حيث قام الأطباء بقطع جزء من رأسه وزرعوه في فكه الأعلى بعد أن فقد فكه العلوي بالكامل، وتطايرت كله أسنانه، فلم يعد يقوى على الكلام بسلاسة ولا حتى الأكل، مكتفياً بعصائر، وكلمات بسيطة يتمتمها بصعوبة شاقة. 6 أشهر معاناة وفي شهر فبراير الماضي، أي بعد 6 أشهر من الإصابة والمعاناة، نقل عبدالله إلى الدوحة لتلقي العلاجات المكثفة، حيث خضع لجراحات لإزالة الالتهابات ونزع ثماني أسنان ملتهبة لم تعد تجدي نفعاً، وفي شهر مارس زرع له عظم، اقتطع من رأسه ليزرع في فكه العلوي. ورغم كل الآن، يحتفظ عبدالله بإيمان قوي، وقد بشره الأطباء بتحسن حالته بعد فترة، وسلسلة عمليات متواصلة، حيث لا يزال الشباب ينتظر خضوعه لجملة عمليات جراحية قبل أن يستعد فكه وضعه الطبيعي ووجهه، وقص العضلة التي تمت زراعتها، قبل عملية جراحية ثالثة لزراعة الأسنان، وجراحة أخرى لتركيب الفك. ورغم عسر العلاج، إلا أن عبدالله، ومن خلال حديث صديقه حسين لطف حسين الذي روى لنا محنته، يشكر الله، وظل يثني على العناية الفائقة التي وجدها في مستشفى الدوحة منذ قدومه. لا ندم على الثورة ورداً عن سؤال حول ما إن كان الجرحى نادمين على خروجهم للشوارع بعد ما تعرضوا له، لم يتردد فؤاد وعبدالله وحسين في تأكيد إصرارهم على النضال، حيث علق حسين قائلاً: «الشعب اليمني خرج من أيد غير آمنة، والحال اليوم في تحسن، وتبشر بالخير». مضيفاً «باسندوه كان ضمن المعارضة، واليوم يرأس الحكومة، فلدينا أمل كبير إن شاء الله، ونأمل منه أن يزورنا بالدوحة، على هامش زيارته الرسمية لدولة قطر ويتكفل بمطالبنا العاجلة.. فنحن إن شاء الله لن نتراجع حتى يرتاح الشعب اليمني، ومهما كلفتنا التضحيات». بدروه، قال فؤاد: «نحن لم ولن نندم أبداً إن شاء الله، ومستعدون للخروج إلى الشوارع مرة ثانية وثالثة ومهما تطلب الأمر حفاظاً على مطالب الثورة، ومهما كانت جراحنا وآلامنا، مستعدون أن نتابع العلاج ونعود إلى الميدان». 7 رصاصات تخترق جسده محمد بجاش الشباني، شاب آخر لم يسعنا الظرف للقائه، فقد كان يرقد بمستشفى حمد لمتابعة العلاج بعد أن تلقى 7 رصاصات كاملة في أنحاء مختلفة من جسمه، ما بين بطنه ويده ورجله ومناطق أخرى من جسده. وقد خضع محمد لحد الآن إلى 5 عمليات جراحية في الدوحة، تلت جراحات أخرى خضع لها في اليمن، وقد تعافى بشكل كبير، لكنه لا يزال تحت الرقابة الطبية لاستكمال علاجه. قصة مناضلات مريم نجيب ردمان، شابة يمنية لمد تتعدى 16 عاماً، إحد ضحايا ساحات الحرية باليمن، فقد تعرضت لقذيفة في الجانب الأيسر من حوضها، وتم نقلها إلى الدوحة حيث خضعت لزراعة بعد أن فقدت جزءاً من عظام يدها.. وعادت لليمن. وبدورها، وفاء الوليدي، صحافية يمنية بموقع إخباري، كان تقوم بواجبها المهني، حينما سقطت في حفرة بعمق 6 أمتار، فتعرضت لكسر في العمود الفقري، لتتلقى علاجات في مصر والدوحة، قبل أن تستعيد عافيتها وتعود إلى صنعاء لمتابعة العلاج الطبيعي هناك. قطر و«الجزيرة».. وفك الحصار ولا يجد الشاب حسين لطف حسين حرجاً في القول إن الشعب القطري والدولة القطرية كانوا أول من وقف مع الثورة اليمنية، قبل أن يساندوهم من خلال معالجة الجرحى والمصابين بالدوحة. كما يصر الشبان الثلاثة على نقل شكرهم لقناة الجزيرة، معتبرين أنها أول من وقف معهم لنقل قصتهم للعالم وكسرت الحصار عنهم، تماما كما كان الشعب القطري أول الشعوب القطرية تعاوناً وتضامناً مع محنتهم، كما يقولون. الدوحة تجمع «الثوار» ومن ألطاف القدر التي رواها لنا الأصدقاء الثلاثة أنهم لم يشعروا بالغربة كثيراً في قطر، خاصة بعد أن جمعهم القدر برفقاء النضال والثورة من الليبيين الجرحى، حينما التقوهم صدفة في المسجد، ومن يومها باتوا يتلقون ليسردوا على بعضهم تجربتهم في النضال والثورة، ويتبادلوا التهاني بنجاح الثورة وسقوط «الديكتاتور» في بلادهم، تراودهم آمال كبيرة في تحسن الظروف واستقرار الأمور نهائياً باليمن وليبيا. شوق لـ «ساحات التغيير» خلال ساعة تقريباً من الدردشة مع الشباب اليمنيين، لم يخفوا صراحة شوقهم لساحات التغيير، فقد كنت بيتهم الأوحد الذي جمعهم طيلة أشهر. ويروي الشبان الثلاثة بكثير من الحماسة كيف أن أصدقاءهم الجرحى تعاهدوا على أن تكون ساحة التغيير أول محطة يزورنها مباشرة بعد عودتهم إلى اليمن، لأنهم منبع الثورة، وهناك تعلموا مع «الأستاذة» توكل كرمان -كما يصرون على تسميتها- كيف يدافعون عن حقهم، ويستعيدون الأمل بالتغيير في اليمن ليعود يمناً سعيداً، كما كان فعلاً.