

الابن عبدالله علي: والدتي هي الأم والمدرسة والصديقة والموجّهة
أمي تستكمل مشوارها المهني في المدرسة.. والعائلي معنا ومع أحفادها
الزوج علي عبدالله المراغي: فرحت بتخرج زوجتي.. واحتفلت بها
تخوفت في البداية من عودتها لمقاعد الدراسة.. لكنني كنت مؤمناً بنجاحها
مريم: معلمتي «ميس امتثال» شكّلت نقطة التحوّل في حياتي بعدما سمحت لي بالشرح لزميلاتي في المرحلة الإعدادية
وقوفي في سن صغيرة وشرحي الدرس نمّا بداخلي «كاريزما» المدرس.. وجعلني أكتشف موهبتي القيادية
أن تكون المرأة زوجة وأماً فذلك من أهم أدوارها في الحياة، لكن أن تختار أن تكون تلميذة بعد الزواج وبعد أن ترزق بأطفال فذلك هو التحدي، وتلك هي الأستاذة مريم العوضي التي اختارت الالتحاق بمقاعد الدراسة بعد خمسة عشر عاماً من الانقطاع.
نجمة عائلة «العرب» هذا الأسبوع امرأة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معان، نشأت في عائلة بسيطة من والدين منفتحين جداً لكن غير متعلمين، توقفت عن دراستها في المرحلة الثانوية، واختارت الزواج وتكوين أسرة، لكن حلم التعليم الذي حملته بين جنباتها ظل يراودها، ولم تتوقف عن الحلم بأن تصبح المربية والمعلمة، فقررت العودة إلى مقاعد المدرسة التي تركتها منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن.
لم يكن القرار سهلاً ولم تكن التضحيات قليلة، فقد تخلت مريم عن الكثير من الرفاهية في حياتها، من أجل تحقيق أحلامها في الحصول على شهادة جامعية والالتحاق بقطاع التدريس الذي حلمت به صغيرة، تقول مريم: كنت في المرحلة الإعدادية من التعليم حينما اكتشفت شغفي بمادة الرياضيات التي أحببتها كثيراً، وفي يوم من الأيام كنت أقوم بحل واجباتي، ومن بعدها قررت تحضير درس الحصة المقبلة، فقمت بقراءة الدرس وحل تطبيقاته (لا تزال الأستاذة مريم وبعد مرور حوالي ثلاثة عقود من الزمن تذكر عنوان الدرس وتفاصيله). وعندما قامت الأستاذة بمراقبة دفاترنا، وجدت أنني قمت بحل المطلوب وزدت عليه تطبيقات درس جديد، ردة فعل تلك المدرسة (ميس امتثال) التي ما زلت أذكرها إلى اليوم كانت بمثابة نقطة التحول في حياتي، حيث قامت بتشجيعي وسمحت لي بشرح الدرس لزميلاتي في القسم، وقوفي في الصف وشرحي للدرس نمّا بداخلي كاريزما المدرس، وجعلني أكتشف موهبتي القيادية وحبي للتدريس.
وتواصل أستاذة مريم: أكملت المرحلة الإعدادية، لم أكن من المتفوقات لكنني كنت نجيبة مجتهدة وأحب المدرسة والدراسة، بعدها وبحكم انتمائي لعائلة محافظة ترى أن الزواج هو أكثر ما يناسب الفتاة، تزوجت ورزقت بأول أبنائي، ثم بعدها كان قرار التحاقي بالدراسة وإنهاء المرحلة الثانوية، والالتحاق بالجامعة لتحقيق الحلم بالتعلم والتعليم.

صعوبات عديدة
لم تكن رحلة مريم العوضي التعليمية سهلة، فقد رجعت للمدرسة في المرحلة التي كانت قد أصبحت فيها أماً لأطفال ومسؤولة عن زوج وأسرة، وربما لولا دعم الأسرة والزوج لما استطاعت أن تتغلب على التحديات، فقد كانت مريم تسكن بعد زواجها في منطقة قريبة من بيت أهلها وبيت أهل زوجها، حيث كانت العائلتان تساعدانها وتغطيان النقص أو التقصير إن وجد، وهنا تقول مريم: كان بيت أهلي وبيت أهل زوجي قريبين من بيتي، وكانت العائلتان تساعداني في مراقبة أطفالي في حال غبت بسبب المحاضرات المسائية أو تأخرت عن موعد الغذاء مع زوجي.
وتضيف: في البداية وعندما قررت العودة إلى الدراسة، عارض زوجي ذلك بحكم أنه تزوج امرأة متفرغة له وللأسرة، لكنه سرعان ما اقتنع، وقدر رغبتي في تحقيق حلمي، وكان من بين أول الداعمين لي، وقد كان سكوته عن غيابي عن المنزل وتأخري عن مواعيد الغذاء أو تقصيري في بعض المسؤوليات تجاهه أو تجاه الأسرة ككل وتغاضيه عن بعض النقائص دعماً منه لي، وبفضل ذلك الدعم حققت ما كنت أطمح إليه.
كاريزما المعلم وروح القائد
من يجلس مع الأستاذة مريم يلمس فيها روحاً طيبة قريبة من القلب، لكنها في نفس الوقت تمتلك «كاريزما» تجعلك تصغي لها باهتمام، ترغب في أن تسمع كل كلمة من كلامها، وتتابع تفاصيل حديثها، قادرة على إدارة الجلسة أو الحديث وإلى حيث تريد، وهي صفات أهّلتها لتكون مدرسة متميزة، خصوصاً أنها أحبت التعليم منذ صغرها.
تقول في هذا الجانب: كنت وما زلت أتعامل مع التدريس على أنه شغف تحول إلى عشق، اخترت مهنة التدريس قبل أن أمارسها، واخترت الرياضيات بالذات وتحدّيت نفسي أن أجعلها المادة المفضلة للطلاب، وفعلاً تمكنت من أن أخرّج صفوفاً من الطالبات وعلى مدار سنوات بنسبة رسوب معدومة، أتعامل مع الفتيات والطالبات كلهن كما أتعامل مع بناتي، وأؤمن بأن المدرس مرب قبل أن يكون معلماً، ولا أحب مسمى المعلمة بل أفضل أن يُقال لي مربية، فبناء الأبراج يحتاج إلى أشهر لكن بناء العقول يحتاج سنوات من الزمن، ويحتاج المربي إلى بناء علاقة مع طلبته تسودها الثقة والاحترام، إلى الآن وحتى بعد أن أصبحت مديرة للمدرسة ما زلت أحافظ على قربي من الطالبات وأقدم لهن النصح والمشورة وأتفهم أعمارهن خصوصاً من يكن في مرحلة المراهقة، أتدخل لحل الإشكاليات مع الطالبات وبينهن إذا اقتضى الأمر دون اللجوء إلى الأهل، وأسعى دوماً إلى أن أكون قدوة لبناتي الطالبات.

تربية الأبناء لم تكن سهلة أم لـ 5 أولاد وبنات
ربت مريم أبناءها الخمسة على قيم مجتمعية وأخلاقية وعلمية، لكن قبل ذلك ربتهم على أن يكونوا أصدقاء لها، حيث تقول مريم إن علاقة الأم بأطفالها لا تقاس بالوقت الذي تمضيه معهم، بقدر ما تقاس بفعالية هذا الوقت، وماذا يفعلون خلال هذا الوقت. كانت تخصص لهم عطلات نهاية الأسبوع وتنفصل بهم ومعهم عن العالم، تعوضهم عن غيابها خلال الأسبوع، إلى أن استطاعت أن توصلهم كلهم بتوفيق الله وحرصها هي ووالدهم إلى نيل شهادات جامعية عليا من أحسن الجامعات.
لا تبخس مريم زوجها حقه في مساعدتها في تربية أبنائهما، فقد كان نعم الأب الكريم السخي بوقته وماله، حيث لم يكن يرفض لها طلباً متعلقاً بتعليم الأبناء، وكان الوالد الحاضر دوماً مع أبنائه جنباً إلى جنب مع أمهم.
وبخصوص اختيار التخصصات، قالت مريم إنها كانت هي وزوجها علي دوماً يوجهان أبناءهما إلى اختيار تخصصات يتمكنون من التميز فيها أو الإتيان بجديد، وتضيف: أومن بأن التميز يكون إما بالأسبقية أي أن تكون السباق إلى مجال معين، أو الإتيان بشيء جديد، وحاولت أن أقنع أبنائي بأن يختاروا تخصصات يستطيعون من خلالها أن يكونوا إما سباقين أو قادرين على الإبداع فيها، والحمد لله تمكنا من ذلك.
وتتابع مريم: بين الدراسة والبيت ومسؤولياتي مع أسرتي كنت أمضي كل وقتي، ولذلك كنت أعتذر عن كل المناسبات الاجتماعية، كنت مقلة جداً في زياراتي العائلية، لكن أسرتي وزوجي كانوا يتفهمون هذا الغياب، كنت أفضل أن أمضي وقت الفراغ القصير الذي كنت أحظى به مع أسرتي، ولم تكن لدي أي صداقات في تلك الفترة، لكنني كنت سعيدة بذلك، لأنني كنت أسير في طريق تحقيق الحلم.
أول من حصل على ترخيص في قطر
عملت مريم كمدرسة لسنوات، ثم أصبحت مديرة مدرسة، وتدين مريم بالفضل في وصولها إلى هرم إدارة المدرسة إلى صباح الهيدوس التي منحتها الثقة وأعطتها الفرصة لإدارة المدرسة، رغم سنوات خبرتها القليلة مقارنة ببعض زملائها، وكانت مريم أول من حصل على الرخصة المهنية في قطر من الجنسين، واستطاعت أن تحقق التميز رغم سنوات خبرتها القليلة، وكذلك حصلت على التجديد كأول قطري يجدد رخصته المهنية.
الحب الذي تحول إلى عشق
تتحدث مريم عن مهنة التدريس بشغف كبير، تصفها كما يصف المتيم حبيبته، تتغنى بصفات المدرس، تحلم بأن تعود للمعلم مكانته في المجتمع، تفضل مسمى المربي وترفض أن يقتصر دور المعلم على الصفوف والأقسام، وتؤمن إيمان اليقين بأن المربي قدوة في أقواله وأفعاله، وعليه أن يتمتع بالصدق والحزم ولكن من دون عنف، واللين بدون ضعف شخصية والصبر على الطلاب، بعيداً عن قول العبارات الفاحشة، وعليه أن يكون جميل اللسان وحسن المظهر، وكانت تحرص وهي في صفها على أن تنسق ألوان ملابسها مع ألوان الطباشير التي كانت تستعملها، لتجذب الطالبات إليها بصرياً وحسياً.
الزوج المساند والداعم
كان زوج مريم السيد علي عبدالله المراغي نعم السند والداعم لها، تغاضى عن الكثير من الأمور حتى استطاعت زوجته التمكن من إكمال تعليمها الثانوي، ومن ثم الالتحاق بالجامعة، كان شريكاً في نجاح زوجته.
وعن ذلك يقول السيد علي: كنت أفرح بنجاحها، وكنت أشجعها على الدراسة، رغم أنني في البداية كان عندي نوع من التخوف من موضوع التحاقها بالمدرسة، لكن بعد نجاحها كنت أول من احتفل بها حتى قبل حصولها على الشهادة، وبمجرد إنهائها لآخر امتحان عادت إلى البيت لتجد الأسرة في انتظارها للاحتفال بنجاحها، وكان تعيينها لأول مرة كمدرسة بمثابة تتويج لمشوار سنوات من العمل والجد.
الابن يتكلم
استطاعت مريم أن تتدارك مع أبنائها النقص الذي كانت تعاني منه في اللغة الإنجليزية، حيث ألحقتهم منذ صغرهم بالمعهد الإنجليزي لتعلم اللغة الإنجليزية، وكان من بينهم الابن عبدالله علي الذي قال إن أمه ورغم أنها كانت تدرس أيام طفولتهم إلا أنها كانت موجودة من أجلهم، ولم يكن غيابها عنهم معنوياً أبداً، بل كانت المدرسة والطباخة الماهرة والصديقة التي تراعي مشاعرهم خصوصاً في مرحلة المراهقة.
ويؤكد أنه لم يحتج لا هو ولا إخوته إلى مدرسين خصوصيين إلا في المرحلة الثانوية وفي مواد معينة، إذ كانت الأم هي من تشرف على تدريسهم رغم انشغالها، وقد استطاعت أن تجعل منهم جميعاً عناصر ناجحة وفعالة في المجتمع، وكانت حريصة على أن يتخصص أبناؤها في مجالات تعود بالنفع عليهم وعلى مجتمعهم.
ويذكّر عبدالله فخره بوالدته وبما حققته من إنجاز قائلا: إنها مربية الأجيال التي قامت بتخريج طالبات من خيرة بنات المجتمع، وهي الآن تكمل رسالتها المهنية في المدرسة، ورسالتها الأسرية معنا ومع أحفادها.
مريم.. ولجنة تنظيم مسابقات الروبوتات
تترأس مريم العوضي -مدير مدرسة هند بنت أبي سفيان الثانوية للبنات- لجنة تنظيم مسابقات الروبوتات، وتشغل منصب رئيس لجان مسابقة الروبوت في وزارة التعليم والتعليم العالي، وقد أقيمت المسابقة في طبعتها الأخيرة في العام الماضي 2020، وعرفت مشاركة واسعة من الطلبة والمدارس كما شهدت البطولة نجاحاً كبيراً.
وتوضح السيدة مريم العوضي أن البطولة الوطنية الثانية عشرة للروبوت تعتبر من أبرز بطولات الروبوت التي تشارك فيها أعداد كبيرة من الطلبة، يستطيعون خلالها إبراز مواهبهم وقدراتهم على برمجة وتعديل الروبوت والقيام بمهام تتطابق مع نوع المسابقة، مشيرة إلى أن البطولة تعد تقديماً مبكراً لبرمجة الكمبيوتر والروبوتات وطريقاً لزيادة الوعي بالفرص المتعددة التي توفرها الوظائف في مجال العلوم والهندسة والتكنولوجيا والرياضيات، كما تؤهل الفائزين للمنافسة في أولمبياد الروبوت العربي.
واعتبرت العوضي أن البطولة المحلية واحدة من أهم البطولات والمنافسات في مجال الروبوت، وتستلزم معرفة تامة من الطلاب بكل قواعد المسابقة وكيفية البرمجة والتعديل على التصميم، لافتة إلى أن وزارة التعليم قامت طوال هذه السنوات على إعداد كشوف التدريبات للمعلمين والمعلمات الجدد والقدامى، وإعداد قاعدة كبيرة من المهارات المكتسبة للمعلمين والمعلمات، وإيجاد بنية تحتية من الروبوتات والطاولات والحساسات، ما نتج عنه إدخال مناهج الروبوت للمراحل الدراسية بداية من عام 2013م، وتطويرها على مدار السنوات، مما أسفر عن المستويات التنافسية العالية للطلاب والمدربين، وتحقق ذلك من خلال حصد المراكز في البطولات العربية والبطولات العالمية بدءاً من عام 2012م وحتى الآن.
وأوضحت الأستاذة مريم أنه تم تدريب مئات الطلاب من مدارس قطر على كيفية استخدام الروبوتات، لتحفيز مهارات التفكير النقدي والمهارات التقنية لدى الطلاب، وقياس مخرجات التعلم المتعلقة بالروبوت، وتعزيز معارف ومهارات الطلاب في مجال برمجة وتصميم الروبوت، وتنمية مهارات التفكير العليا، وحل المشكلات والتفكير الإبداعي. وتقوم فكرة المسابقة على محاكاة لعبة السومو، حيث يتقابل كل فريقين باستخدام روبوتين لكل فريق والتحكم بالحركات القتالية.
نظام الرخص المهنية
يسمح نظام الرخص المهنية لمختلف أطراف العملية التعليمية (كالمعلمين، والمنسقين، والنواب أكاديميين والإداريين، ونواب شؤون الروضة، والمديرين) بتقديم طلباتهم للحصول على الرخصة المهنية حسب اختلاف المسمى الوظيفي لديهم، ويسمح لهم النظام أيضاً بالتقديم لتجديد مختلف الرخص المهنية ما عدا الرخصة للمستوى الأول معلم، كما يسمح النظام لمدير المدرسة بتقييم المعلمين من خلال استمارة التقييم الموجودة فيه، ويحدد هذا التقييم مستوى المعلم، فينجح أو يرسب، وفي هذه الحالة يخضع إلى خطة تطوير لمدة عام.
هذا ويدعم نظام الرخص المهنية خاصيتي البحث والتقارير، كما تشترط وزارة التعليم الحصول على تقدير «جيد جدا» في التقييم السنوي للأعوام الخمسة الأخيرة لمدير المدرسة، وإنهاء برامج التطوير المهني المطلوبة منه من أجل تجديد الرخصة المهنية.
وقد حددت وزارة التعليم والتعليم العالي 5 معايير لتقييم مديري المدارس للحصول على الرخصة المهنية وكذلك تجديدها، وهي: الإدارة والقيادة الاستراتيجية للمدرسة، وقيادة التعليم والتعلم في المجتمع المدرسي وإدارتها، وتحقيق معايير ذات مستوى عال لدفع عملية التحسين المستمر، أما المعيار الرابع فهو قيادة وإدارة الأفراد والفرق وتطورهم، والمعيار الخامس هو قيادة وإدارة العلاقات بين المدرسة وأولياء الأمور والمجتمع وتطويرها.