الأموال تتملص من الاقتصاد الحقيقي

alarab
اقتصاد 12 فبراير 2013 , 12:00ص
ترجمة: أحمد الوكيل - ? جون جابر
من الصعب الحصول على الأموال من البنوك هذه الأيام، فبعد خمس سنوات على الأزمة المالية لا تزال البنوك تحاول إعادة بناء رأسمالها وسمعتها، لكن هناك الكثير من الأموال في أماكن أخرى. هذا الأسبوع عادت سوق الاستحواذات إلى الحياة مرة أخرى بعدد من الصفقات ذكرتنا بالأيام المتهورة لعام 2007، فقد كشف مايكل ديل النقاب عن اتفاق قيمته 24.4 مليار دولار يقضي بموجبه إعادة الاستحواذ على شركة ديل لصناعة الكمبيوتر التي أسسها عام 1984، بينما أعلنت شركة ليبرتي جلوبال، العاملة في مجال خدمات الكابل الأميركية ويديرها جون مالون، أنها ستشتري شركة فيرجين ميديا مقابل 23.3 مليار دولار. ولم تنته بعد أيام التحسر والندم والرقابة المشددة بالنسبة للبنوك التي تورطت في أزمة عام 2007-2008، فقد تلقى البنك الملكي الاسكتلندي (أر.بي.أس) التي تملك الحكومة البريطانية %82 من أسهمه، غرامة بنحو 390 مليون جنيه إسترليني في قضية تزوير سعر الليبور، بالطبع سيتم اقتطاع تلك الغرامة من علاوات الموظفين، وجون هوريكان، رئيس قطاع الخدمات المصرفي في البنك، والذي قدم استقالته. رغم ذلك لا تزال «الغرائز الحيوانية» على قيد الحياة، كما وصفها الاقتصادي الإنجليزي جون ماينارد كينز. إن الفائض النقدي الذي قاد العديد من الصفقات الكبيرة والمعيبة في ذروة الازدهار يعود مجددا، فهو في الحقيقة لم يختفِ، لكن المستثمرين والشركات والبنوك ادخروه لبعض الوقت. والآن مع استمرار انخفاض سعر الفائدة -بعض السندات الحكومية فائقة الضمان تقدم أسعار فائدة سلبية- واستقرار منطقة اليورو، وتحسن صحة الاقتصاد الأميركي بات المستثمرون أكثر جرأة، فيمكن لأي أصول جيدة نسبيا وتقدم عائدا لائقا أن تجذب العديد من مقدمي العروض. يقول أحد مديري الأسهم الخاصة «إن جزءا كبيرا من السيولة كان محتفظا بها على هيئة أوراق مالية أو سندات بعائد سلبي بسبب الخوف، ومع تراجع هذا الخوف، يتدفق الآن حائط الأموال باتجاه الأصول المالية، وبدأت أسواق الدين في التكيف مع الأمر، كما أن هناك الكثير من رؤوس الأموال تتحرك في الأجواء. وبات ذلك الأمر واضحا في أسواق الأسهم خلال الأشهر القليلة الماضية، مع صعود مؤشر ستاندرد أند بورز 500 إلى مستوى مرتفع جديد في خمس سنوات يوم الجمعة الماضي، إثر إقرار ميزانية الاتحاد الأوروبي. ورغم تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، واستمرار الاقتصادات في تقليص مديونيتها فإن الأسواق تحولت إلى التفاؤل. ديفيد إينهورن، مدير صندوق تحوط، حاول الأسبوع الماضي فتح خزينة أموال شركة أبل الأميركية المقدرة بـ137 مليار دولار من النقد. يريد إينهورن من الشركة أن توزع بعضا من هذا النقد على مستثمري الشركة على هيئة أسهم ممتازة تعطي عائدا بنسبة %4. وصلت سوق السندات المرتفعة العائد (تعرف أحيانا بالسندات الخردة) إلى ذروتها عام 2007 من خلال صفقات كبيرة كصفقة الاستحواذ على عملاق الطاقة الأميركي «تي.أكس.يو» والتي بلغت قيمتها 45 مليار دولار، وفي الوقت الراهن ربما تحاول الشركة التي تغير اسمها إلى «مؤسسة إنرجي فيوتشر هولدنجز» إعادة هيكلة ديونها، في وقت يحاول فيه آخرون الاستفادة من السوق. فيرجين ميديا تصدر حاليا سندات ذات عائد مرتفع تقدر بـ2.3 مليار دولار كجزء من صفقة جلوبال ليبرتي. تنخرط الدول الآن في عملية إعادة الهيكلة. هذا الأسبوع كشفت أيرلندا النقاب عن خطط لاستبدال سندات إذنية قيمتها 28 مليار جنيه إسترليني، كانت قد أُصدرت كجزء من حزمة إنقاذ بنك «أنجلو أيريش» بديون رخيصة وطولية الأمد، وقد وافق البنك المركزي الأوروبي على اتفاق إعادة الهيكلة. بالنسبة للشركات ومشتري المنازل الذين يواجهون فحوصات ائتمانية قاسية وقيود محكمة على القروض من قبل البنوك، فإن فائض السيولة في أسواق الجملة ربما يكون مثيرا للسخرية بصورة مؤلمة. إنها مسألة عرض وطلب، فالبنوك لا تمتلك رأس المال لتعطيه، لكن الهيئات الاستثمارية وبعض الدول الغنية تمتلكه. تتوقع «باين كو» شركة الخدمات الاستشارية «غزارة رؤوس الأموال» بين الوقت الراهن وعام 2020، وتقول في أحدث تقرير لها إن الأسواق ستُشوه بفوائض مالية في الدول الآسيوية والشرق أوسطية وصناديق الاستثمار الخاصة. ويعطي التقرير تقديرات بأن الأصول المالية العالمية ستتخطى ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 10 -1، وستملك 900 تريليون من الأصول المالية مقارنة بـ90 تريليون ناتج محلي إجمالي عام 2020. النتيجة ستكون «عالما غارقا بشكل هيكلي في رؤوس الأموال» يطارد فرصا قليلة. ويختم التقرير بالقول «إن غزارة رأس المال سيزيد من وتيرة وشدة وحجم وأمد فقاعة الأصول، وسيكون ميل تلك الفقاعات للتكون كبيرا مع تسابق المستثمرين المتعطشين للعائدات لضخ رأس المال في الأصول التي تظهر قدرة على توليد عائدات كبيرة». كل ذلك يذكر بالفترة التي سبقت الأزمة، عندما تحدث أحد مديري الأسهم الخاصة عن «الحصول على السيولة من خلال عمليات البيع والشراء»، وعندما قال تشاك برنس، المدير التنفيذي السابق لسيتي جورب «ما دامت الموسيقى تعزف، عليك أن تنهض وترقص». ما زال الأمر في أيامه الأولى. إن عنقود الصفقات وإمكانية استحواذ شركات أسهم خاصة على شركة EE، مشغل هاتف محمول بريطاني مقابل 10 مليارات جنيه إسترليني، لا يمثل انتعاشا مستداما عبر الأسواق المالية، فلا يزال المستثمرون يتذمرون من الصفقات المحتملة القليلة نسبيا المعروضة عليهم. الأهم من ذلك هو أن الجزء الأكبر من عملية إبرام الصفقات الحالية ليس له صلة لا من قريب ولا من بعيد بالاقتصاد الحقيقي أو النمو الاقتصادي. إن صفقتي الاستحواذ على «فيرجين ميديا» و «ديل» ومحاولة إينهورن الحصول على النقد المتكدس لدى شركة أبل تنطوي على إعادة الهندسة المالية للشركات الناضجة المولدة للنقد. مثل هؤلاء المستثمرين لا يخاطرون بأموالهم على أصحاب المشاريع من خلال صناديق رأسمال مخاطر أو شراء حصص في شركات لم تُختبر في طرح عام أولي، لكنهم يختارون مشاريع معروفة على أسس راسخة، واستخدام مكاسبها لتحقيق عائدات أفضل مقارنة بالنقد أو السندات الحكومية. في الواقع، حقق المستثمرون الذين خاطروا بشكل أكبر العام الماضي في عمليات الطرح لشركات التكنولوجيا التي قادها موقع فيس بوك أفضل النتائج المختلطة. ورغم انتعاش أسهم فيس بوك مؤخرا فإنها تظل أدنى من سعر الاكتتاب الأولي. وأثبت الاستثمار الحذر المتجنب للمخاطر في الأصول الآمنة أنه الاستراتيجية الأفضل حتى الآن. يقول المتفائلون إن هذا النوع من الاستثمار سيقود في النهاية إلى آخرين. وسيتيح ارتفاع أسواق الأسهم. لصناديق الاستثمار إزالة مخاطرها السابقة وضخ الأموال في مشروعات جديدة. إن وضع الثقة في مجموعة ضيقة من الشركات الآمنة سيؤدي إلى مخاطرة أوسع. لكن في الوقت الراهن، تتباين موجة إبرام الصفقات بشكل غريب مع الاقتصادات البطيئة والمصارف الكارهة للمجازفة. هناك بعض الرقص لكن الموسيقى خافتة.