

الكتاب يحوي رصدا تاريخيا منهجيا لطبيعة وتطور علاقات البلدين
معلومات وأرقام ووثائق تاريخية من أرشيف الوثائق البريطانية ومكتبة الكونجرس
التطورات بقطر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى حقبة النفط
رصد القفزات النوعية في تطور قطر الدولة الحديثة المستفيدة من توظيف ثروتها الهائلة في التنمية
العلاقات القطرية المتميزة دولياً مكنتها من القيام بدور الوسيط في كثير من النزاعات الإقليمية
موقع قطر كدولة إسلامية محافظة جعلها تصبح محطة رائدة يشاد بها لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة
تزامنا مع مضي ما يقارب خمسة عقود على بدء العلاقات الدبلوماسية المتنامية بين قطر والولايات المتحدة، صدر كتاب جديد بعنوان: «العلاقات القطرية - الأمريكية: مسيرة نصف قرن» من تأليف الباحث الأكاديمي والإعلامي القطري الدكتور خالد الجابر، وسعادة السيد باتريك نيكولاس ثيروس السفير الأمريكي الأسبق بالدوحة، ورئيس مجلس الأعمال القطري - الأمريكي السابق.
يتناول الكتاب الذي صدر في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، ويحتوي على 10 فصول وحوالي 232 صفحة من القطع المتوسط، رصدا تاريخيا منهجيا لطبيعة العلاقات ونموها وتطورها بين دولة قطر والولايات المتحدة خلال العقود الماضية، ويعرج على استعراض شامل لمجالات التعاون والشراكة المختلفة والمتعددة في الجوانب السياسية والدفاعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والإنسانية بين البلدين الصديقين.
يؤرخ الكتاب في الفصول الأولى لبواكير انطلاقة العلاقات بين قطر والولايات المتحدة منذ بداية التشكل خلال الفترة من 1934 وصولا إلى تدشين الملحقية الدبلوماسية في الدوحة عام 1972، ويستعرض الكتاب بالمعلومات والأرقام والوثائق التاريخية المأخوذة من أرشيف الوثائق البريطانية وأرشيف مكتبة الكونجرس التطورات التي حدثت في قطر منذ نهاية حقبة الحرب العالمية الأولى إلى الدخول في حقبة التنقيب عن النفط واستحقاقاتها والتصدير الواسع ما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية وتكوين مؤسسات الدولة وما تبع ذلك من تحول جذري في شكل الأجهزة الحكومية التقليدية إلى منظومة اقتصادية منتجة وفاعلة تعتمد على مؤسسات الدولة الحديثة، وتتبنأ بنظام تعليم عصري ومتطور، وتتبع نهج تفعيل القوة الناعمة من خلال التركيز على الإعلام والثقافة والفن والمتاحف، والرياضة حتى أصبحت قطر أحد أبرز اللاعبين في منطقة الشرق الأوسط.
ويشير الكتاب أن منطقة الخليج، بما في ذلك قطر، شكلت محطة مهمة للعالم المتقدم - وخاصة للولايات المتحدة - بعد الاكتشافات الأولى للاحتياطات النفطية الهائلة في المنطقة في أوائل القرن العشرين، على الرغم من أن قيمة النفط قبل الحرب العالمية الثانية ظلت منخفضة للغاية بالمعايير الحديثة. ومع ذلك، حتى خلال فترة العزلة الدولية في سياسة أمريكا الخارجية، سعت واشنطن إلى تنمية الروابط مع حكومة قطر - مما أدى إلى تحدي نفوذ المملكة المتحدة القوة المسيطرة في الخليج، التي وقعت اتفاقيات حماية مع دول الخليج الصغيرة خلال تلك الحقبة. ومن ثم توسعت العلاقات الأمريكية في قطر بطرق أخرى، لا سيما مع إنشاء مستشفى حديث كان الأول من نوعه في الدوحة بالتعاون مع بعثة الإرسالية الأمريكية التي كانت تتواجد في البحرين والكويت وبعض دول الخليج في الأربعينيات من القرن الماضي.
وينوه الكتاب أنه بعد عام 1971، ومع انسحاب البريطانيين من المنطقة، أعلنت قطر استقلالها، وعلى الرغم من أن العقد التالي كان أحد الاضطرابات الكبرى في المنطقة، إلا أنه كان أيضًا وقت ازدهار كبير. ومع انهيار مداخيل اقتصاد حقبة الغوص بحثًا عن اللؤلؤ داخل قطر في وقت سابق من القرن بسبب المنافسة من آسيا، ولكن سرعان ما اكتشفت الأمة مصدرًا جديدًا للثروة - النفط - وبعد ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير خلال السبعينيات، اكتسبت المنطقة الخليجية ثروة هائلة ومداخيل عالية وشهدت قطر مكاسب غير متوقعة ثانية في التسعينيات عندما جعلها تطوير احتياطاتها من الغاز الطبيعي أغنى دولة في العالم من حيث نصيب الفرد. سرعان ما بدأت قطر في القيام بقفزات نوعية في التطور كدولة حديثة مستفيدة من توظيف ثروتها الهائلة في التنمية بمختلف مجالاتها.
ويضيف الكتاب أن العلاقات بين قطر والولايات المتحدة استمرت في التوسع خلال السبعينيات والثمانينيات. كانت هناك عوائق عرضية، مثل عندما حصلت قطر على صواريخ ستينغر التي قدمتها الولايات المتحدة للمجاهدين الأفغان المعارضين للاتحاد السوفيتي. لكن على الرغم من هذه الإشكالية التي تم التعامل بدبلوماسية عالية، تحسنت العلاقات القطرية الأمريكية بشكل كبير مرة أخرى في عام 1991، عندما لعبت قطر دورًا مهما في تحرير الكويت من جيش صدام حسين. مما أدى إلى عقد اتفاقية تعاون دفاعي عام 1992 بين البلدين.
وبعد بضع سنوات كما يذكر الكتاب، أصبحت العلاقة أكثر أهمية عندما بدأ البناء في قطر في قاعدة العديد الجوية، حيث يتمركز حاليًا أكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي. لعبت قاعدة العديد لاحقًا دورًا حاسمًا في الحرب ضد الإرهاب، وهي اليوم مركز العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط. وحاليا، بعد ما يقرب من خمسين عامًا من بداية العلاقات الدبلوماسية، أصبحت الولايات المتحدة وقطر أقرب من أي وقت مضى؛ حيث يتم استثمار مليارات الدولارات بشكل متبادل بين البلدين كل عام، ويعيش ويعمل ما يقدر بأربعين ألف أمريكي في قطر.
ويوضح الكتاب أيضا في الفصول المعروضة أن قطر من بداية الدخول في الألفية سعت بسرعة إلى رفع مكانتها على المسرح الدولي وتطوير سمعتها كدولة حديثة. تحقيقا لهذه الغاية، شرعت على الفور في برامج تطوير طموحة وفي كثير من الحالات استخدمت تجربة الولايات المتحدة كنموذج يحتذى به كما فعلت في تطوير نظامها التعليمي وهي اليوم مقر لفروع عدد من أهم الجامعات الأمريكية منها جامعة وايل كورنيل، وجورج تاون، وكارنيجي ميلون، ونورثويسترن وغيرهم. ومع ذلك، على الرغم من أن الثروة الباطنية ساعدت في الحفاظ على التنمية الاقتصادية، فقد أدرك قادة قطر أنها كانت دولة صغيرة في منطقة مضطربة، وأن استمرار استقرار البلاد ورفاهها يعتمد على العلاقات الجيدة مع القوى الأكبر.
ويؤكد الكتاب أن الولايات المتحدة وقطر طورتا علاقات سياسية إقليمية ودولية متميزة ومتينة بالإضافة إلى تفاهمات واتفاقيات وشراكة اقتصادية استثمارية وأمنية ومجتمعية عميقة، حيث تحولت الدوحة مركزًا لا غنى عنه في الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي. فهذه المنطقة ما زلت تعد موطنا لثلثي احتياطيات النفط المؤكدة في العالم ونصف الاحتياطات العالمية من الغاز الطبيعي، ومن خلال حماية التدفق الطاقة عبر الخليج، تساعد الولايات المتحدة في الحفاظ على ركيزة أساسية للاقتصاد الدولي.
وفي الفصل الأخير يذكر الكتاب أن قطر تمكنت بحكم صداقتها مع كل من الولايات المتحدة وعلاقاتها المتميزة مع الدول الشقيقة والصديقة والجماعات السياسية والدينية الناشطة، من القيام بدور الوسيط في كثير من النزاعات الإقليمية. وسمح لها موقعها كدولة إسلامية محافظة لتصبح محطة رائدة يشاد بها لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة وهو ما لم تستطع الولايات المتحدة القيام به. وقد لعبت قطر دور الوسيط في العديد من النزاعات الرئيسية، بما في ذلك في لبنان والسودان وفلسطين وغيرها من الدول، والأهم من ذلك أن قطر كانت الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وطالبان حتى توصلوا إلى اتفاق في عام 2020، وفي النهاية ساعدت الولايات المتحدة في الانسحاب من أفغانستان في عام 2021 لإنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.