تربويون يدعون لتعزيز دور الأسرة في غرس قيم الإسلام لدى الأبناء

alarab
تحقيقات 12 يناير 2013 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
يشتكي كثير من المعلمين والتربويين من تناقضات النشء من الأجيال الجديدة، فتعدد مصادر التعلم والمعرفة في الحياة الحديثة من القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت وما تتيحه من فضاءات التواصل والتلاقي والتأثر والتأثير غير المحدودة، والمدارس والجامعات والكتب والمكتبات والمسرح والسفر والرحلات.. أدى إلى تراجع دور الأسرة وأولياء الأمور في ضبط سلوكيات الأبناء وتنمية طريقة تفكيرهم، كما أدى في بعض الأحيان إلى تشوهات في تصرفات النشء الجديد، فمن المسؤول عن ذلك؟ وكيف ننشئ جيلا يفهم ديننا بشموليته في ظل ما يشهده العالم اليوم من ثورة المعلومات وفورة الاتصالات وتعدد مصادر التعلم والتأثير؟ «العرب» التقت بتربويين ودعاة فدعوا إلى التوازن والاعتدال وغرس قيم الإسلام ومفهوم الشمولية لإنتاج جيل قادر على العودة لقيادة العالم. أسامة أبوزيد (مدرس علوم شرعية بمدرسة مستقلة) قال إنه يلاحظ عند بعض الطلبة في كثير من الأحيان ضعف إدراك لمفهوم شمولية الإسلام، فيتصرفون بكثير من السلوكيات التي فيها فصل بين كليات الدين الإسلامي وجزئياته، فيتمسك بعضهم بأمور ويترك غيرها من أصول الإسلام ومقوماته الرئيسية، فتجد بعض الطلبة يصلي وقت الصلاة ثم يقف في غرفة الصف فيلقي بكتاب التربية الإسلامية على الأرض، وقد يدوسه بقدميه غير عابئ بأنه يحتوي آيات القرآن الكريم، وإذا عاتبته على ذلك لا يبدي أي اهتمام بهذا الموضوع، كما لاحظت سلوكيات أخرى منها أن كثيرا من الطلبة يتبرعون لإغاثة الفقراء بكرم عجيب ويتعاطفون مع قضايا المسلمين في العالم، وقد رأيت بعضا منهم بعد تبرعه يتعامل بكبرياء وفوقية مع من يعملون لدى أسرهم من السائقين والخدم فيشتمونهم ويؤذنهم، وقد يظلمونهم في حقوقهم المادية وهم إخوانهم في الدين والإنسانية، ومن أولى الناس ببرهم وعطفهم والإحسان إليهم. نحن ما زلنا نحتاج إلى تربية شمولية لأبنائنا لكي لا يكونوا متناقضين في تصرفاتهم. من ينصر دين الله؟ ويضيف أبوزيد أنه قد أعجبه كلام لمحمد مسعد ياقوت يقول فيه متسائلا: «من الذي سينصر دين الله؟ ومن الذي سيقيم نظام الإسلام في الأرض؟ ومن الذي سيطبق الشرع الإسلامي السمح؟ ومن الذي سينصر الإسلام؟ إنه من حاطه من جميع جوانبه! فكل فرد حاط الإسلام من جميع جوانبه، عقيدة، وعبادة، ومعاملات، وأخلاقا، وفكرا، وحركة، ودعوة، وجهادا، فهو ناصر لدين الله قائم على شرعه، وهو أحق الناس بالتمكين، وكل دولة حاطت الإسلام من جميع جوانبه في العقيدة والعبادة، في الأخلاق والمعاملات، في السياسة والسلطة، في الرحمة والعدل، في العلم والقضاء، في التجارة والاقتصاد، في الجهاد والجيش.. ولم تفصل بين الإسلام والسياسة -فالسياسة جزء من الإسلام- ولم تفصل بين الإسلام والاقتصاد -فالاقتصاد جزء من الإسلام كذلك- ولم تفصل بين الإسلام والتربية -فالتربية جزء من الإسلام أيضا- ولم تفصل الإسلام عن الحياة، أو الحياة عن الإسلام، فالإسلام منهج الحياة، والحياة لا تصلح دون الإسلام، والله تعالى يقول: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا*قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}. ومن هنا فـ «إن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه»، فلا فائدة من تلك الدعوات الجزئية، والحركات المختلة التي اجتزأت الإسلام، فتشبثت بجزء من الإسلام ونامت عن جزء، أو أحيت جزءا وأماتت جزءا آخر، فهذه الدعوات أفادت وأضرت، وأصابت وأخطأت، وقدمت وأخرت، وذلك لأنها لم تحط بالإسلام من جميع جوانبه، فمن هذه الدعوات من جعلت من الإسلام مجرد تعاويذ وتصوف، ومن هذه الدعوات من جعلت من الإسلام هجرة وانقلابا، وتكفيرا وتفسيقا، ومن هذه الدعوات من جعلت الإسلام فرقا ومذاهب، وفتنا وملاحم، وليس لنا من الأمر شيء سوى انتظار المهدي المنتظر، والمجدد المعتبر، وما علينا من واجب سوى أن نعض بجزع شجرة، ونعتزل الناس والفجرة، فالعالم يموج بفتن عمياء، وحرب صماء، وقصور مشيدة وآبار معطلة، ونساء عاريات، وليال ماجنات، وبين هذه الدعوات، غثها وثمينها، طيبها وخبيثها، صوابها وخطئها، نرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرسم بيده الكريمة خطوطا يمنة ويسرة، ثم يضع يده الطاهرة على الخط الأوسط مناديا: «هذا سبيل الله» ثم تلا هذه الآية الكريمة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ابن ماجه، من حديث جابر، وصححه الألباني. شخصية الطالب فاطمة أحمد (معلمة علوم بمدرسة مستقلة) قالت إن شخصية الطالب في المجتمع تتشكل وفق المبادئ والقيم التي يغرسها المربون والمعلمون في أنفس الطلبة، وبالطبع يشاركهم في ذلك المنزل الذي يتكون من أسرة الطالب، بل يأتي دور الأسرة في أعلى الهرم، فما أحوجنا -وبخاصة اليوم- لإرساء دعائم الشخصية المسلمة المتزنة في أنفس التلاميذ، وعدم إغفال ذلك الجانب، وذلك بالتركيز على أمور ثانوية ليس لها صلة بتنمية شخصية الطالب المسلم، بل تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية، كالتركيز على هدوئه وانضباطه داخل الصف ظاهريا، بينما يغفل الجانب الأهم وهو رصد ومتابعة الشخصية المتزنة، والتركيز على جانب التحصيل دون الالتفات إلى الجانب العملي والسلوكي الذي يمتد مع هذا الطالب الصغير حتى شيخوخته، والشاعر يقول: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه فالطالب سيصبح ذات يوم مربيا وموجها وأبا، وكذلك الطالبة ستصبح ذات يوم مربية وموجهة وأما، فهلا سأل المربون والمربيات أنفسهم: ما الذي غرسوه في نفس هذا التلميذ من مبادئ وقيم تساهم في بناء جيل متزن ومتكامل الشخصية؟ فكما أن للمعلم حقوقا ينشدها من أبنائه الطلبة، فعليه واجبات تجاههم ينبغي أن يراعي الله تعالى فيها، ومن ميزة بناء الشخصية في المجتمع المسلم أن هذا البناء مستمد من شريعة ربنا الغراء التي رسمت الطريق الواضح البين للمربين. التوازن وبينت فاطمة أن كثيرا من الحضارات والدول لم تراع مفهوم الشمولية في التربية، ولعل خير مثال على ذلك أن التربية اليونانية -مثلا- قد اهتمت اهتماما بالغا بالجانب العقلي للإنسان في الوقت الذي أهملت فيه بقية الجوانب الأخرى، في حين أن التربية الرومانية ركزت اهتمامها على الجانب الجسمي مقابل إهمال غيره من الجوانب، أما التربية المسيحية فقد عنيت كثيرا بالجانب الروحي للإنسان على حساب غيره من الجوانب الأخرى، ولكننا عندما ننظر إلى التربية الإسلامية نجد أنها جاءت بخلاف ذلك كله، حيث تميز منهجها التربوي بشموله لحياة الإنسان كلها، وعنايته بجميع جوانب النفس البشرية المتمثلة في الأبعاد الرئيسة الثلاثة (الروح، والعقل، والجسم)، دونما إهمال أو مبالغة في حق أحد منها على حساب الآخر، وهنا تجدر الإشارة إلى أن عناية التربية الإسلامية لا تتصف بمجرد الشمول لهذه الجوانب الثلاثة، فهي مع شمولها تسعى إلى تحقيق التوازن المطلوب بينها دونما إفراط أو تفريط، فللروح حظها، وللجسم حقه، وللعقل نصيبه. غرس القيم إلى ذلك بينت سالمة علي أحمد (تربوية) أن الاهتمام بمفهوم القيم خلق قديم قدم التاريخ، وما إن خبا ضوء القيم في المجتمعات الإنسانية على مر العصور حتى قيض لهم الخالق عز وجل من الأنبياء والرسل والصالحين من يذكي جذوتها ليسطع نورها ناشرا كل فضيلة، ومضت تلك الرعاية الإلهية مستمرة في تعاليم وآداب الرسالة المحمدية الخالدة فجاءت متممة لمكارم الأخلاق، عالمية شاملة، صالحة لكل زمان ومكان، وغارسة بهديها مفهوم القيم في أعماق النفوس، لينعكس ذلك واقعا مشاهدا في سلوكيات الفرد والمجتمع، فالمتأمل في الشريعة والمتدبر لكتاب الله يدرك غاية القرآن الكريم وتركيزه الشديد على بناء الشخصية الإسلامية على أساس من القيم الأخلاقية الرفيعة تركيزا يبتدئ من تصحيح العقائد، وتطهير النفوس من درن الشرك والجاهلية، والتحلي بالعلم الصحيح، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، والهداية إلى السداد من القول والعمل. ونوهت سالمة إلى أن المجتمع الإسلامي له أخلاقه وقيمه التي تضبط وتحدد السلوك، التي تنبع من المصدرين الأساسيين: القرآن والسنة المطهرة، بيد أنه قد تعترض هذه القيم بعض المتغيرات والتحديات والمظاهر المتضاربة والمتناقضة من الممارسات وأنماط السلوك التي قد تسلب الأفراد والجماعات السعادة والأمن والأمان والاستقرار، بل تضعف العلاقات في ميادين الحياة المختلفة، إزاء هذا لا بد أن يدرك المربون أهمية وجود منظومة الأخلاق والقيم المتميزة بالمرونة والشمولية في ظل التقدم العلمي والتقني، وأهمية إبراز دور القيم الإسلامية في تربية الذات أولا، ثم تربية النشء وصياغة المجتمع، إذ إن هذه القيم وهذه التربية تشمل الإنسان في كل ظروفه وفي جميع حالاته، وتتصل بجميع أنواع علاقاته سواء مع الله عز وجل، أو مع النفس، أو مع الآخرين، لذلك كانت مهمة غرس القيم الإسلامية منوطة بالعمليات التربوية وبالمربين. ترسيخ مفهوم الشمولية الداعية الدكتور وجدي غنيم قال إن شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة من أهم خصائص ومقومات المنهج الإسلامي للحياة، ونوه بأهمية ترسيخ هذا المفهوم لدى المجتمع بكل فئاته، خصوصا طلبة العلم والمدرسين وأولياء الأمور، فهي رسالة هامة مفادها أن هذا الدين الحنيف وهذه الشريعة الإسلامية هي شريعة السماء، ودين الله تعالى الخالق، الذي خلق الخلق، وعلم ما يصلحهم، ويسر لهم أمور دينهم ودنياهم، فأنزل بذلك كتابه، وأرسل رسوله، وشرع لهم أحكاما تتماشى مع مصالحهم. وأوضح غنيم أن شمولية الإسلام تقتضي من العباد أن يأخذوا هذا الدين كله بقوة واحدة، فالذي يحافظ على الصلاة ويعتقد أنها فرض من الله تعالى لا بد أن يعلم أن الله فرض أيضا الزكاة والصيام والحج، وغيرها من أمور الإسلام التي أمر الله تعالى بها، فلا يصح أن يصلي المرء ويبخل بماله فلا يزكي ولا يتصدق، وقد بين الله تعالى مستنكرا على أهل الكتاب تفريقهم بين أحكام الله، فتجدهم يأخذون بعضها مما يتماشى مع أهوائهم وشهواتهم ويتركون ما يخالف مصالحهم، فقال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، فعاب عليهم إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض. وبين غنيم أن من بين الناس الآن من يردد أن أحكام الإسلام لا تتماشى مع العصر ومع التقدم، وهذه حجة واهية وكلام غير صحيح، فما هو ارتباط التقدم والرقي بالالتزام بأحكام الإسلام وتنفيذ شرع الله تعالى على النفوس وأخذه كمنهج حياة، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي أن الصلاة والعبادات والمحيا والممات كله من الله وإلى الله، ويسير حسب المنهج الذي حدده الله تعالى لخلقه وبدونه يعيش الإنسان ويحيا كالأنعام بلا ضوابط ولا أهداف. الإسلام لا يتجزأ وأكد الدكتور غنيم على معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} أي ادخلوا في الإسلام كله، فالصلاة من الإسلام، والصيام من الإسلام، وترك أكل الربا من الإسلام، وحسن الخلق من الإسلام، واحترام الكبير من الإسلام، وبر الوالدين من الإسلام، وحق الجار في الإحسان وصلة الرحم من الإسلام، والنجاح والتقدم وعمارة الأرض وبناء الحضارة من الإسلام، وكل ذلك يسير في منهج واحد من التناغم والتناسق، لأنه شرع واحد ذو ارتباط وثيق جاء من عند الله سبحانه وتعالى الخالق الرازق، وفصله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى في سننه القولية والفعلية.