كأس العرب... تتجاوز الملعب وتوحد الشعوب

alarab
رياضة 11 ديسمبر 2025 , 01:25ص
بدرية عبدالحفيظ

في قلب الدوحة، وتحديدًا على امتداد «درب لوسيل» وصولًا إلى «سوق واقف»، تتكشف أمام الزائر مشاهد إنسانية أعمق من مجرد حضور بطولة كروية. فمع كل مساء، تمتلئ الشوارع بالرايات العربية والأهازيج المختلطة بلهجات من مختلف المدن، ليصبح المشهد احتفالية عابرة للانتماءات الكروية، تحت عنوان واحد: العروبة والفرح الجماعي.
ورغم حدة المنافسات داخل المستطيل الأخضر، فإن الروح السائدة خارج الملعب ترسم صورة مختلفة تمامًا. هنا، لا مكان لخيبة الخسارة، ولا لخصومة الكرة، بل لحظات من التلاحم والابتسامات المتبادلة بين جماهير جاءت من الرباط وتونس والرياض ومسقط وبغداد والخرطوم والمنامة والدوحة والجزائر وغيرها، وكأن البطولة تحولت إلى مهرجان اجتماعي عربي واسع، يعيد تشكيل معنى الأخوّة من جديد.
في درب لوسيل، حيث تتوزع المقاهي والمطاعم على طرفي الشارع، تتجمع جماهير من دول متنافسة حول الطاولات نفسها. مشجعون جزائريون يغنون مع الأشقاء العراقيين، وسعوديون يتبادلون الأحاديث الودية مع المغاربة، بينما يرفع أطفال من مختلف الجنسيات أعلامًا لا تخص بلدانهم، في إشارة تعبّر عن أحد أجمل مظاهر الرياضة، أنها تتجاوز الحدود والنتائج، لتبني جسورًا من العلاقات الإنسانية. أما في سوق واقف، المكان الذي يحتفظ بذاكرة الدوحة التراثية، تظهر صورة أوضح لمعنى التلاحم العربي. تتوزع الاحتفالات في الأزقة وتحت الأقواس الحجرية، وتنساب الأغاني الوطنية لكل دولة لتصنع سيمفونية عربية نادرة. وحتى في حالات الخسارة، يخرج الجمهور من الملعب بنفس الروح: يواسي أحدهم الآخر، وتخفت حدة الانفعالات تحت تأثير دفء المكان وكرم الضيافة القطرية، ليصبح الميل للمصالحة والابتسامة أقوى من أي نتيجة.
هذه المشاهد ليست عابرة، بل تعكس الدور الدبلوماسي للرياضة، التي لم تعد اليوم مجرد لعبة أو منافسة، بل إحدى أدوات تعزيز الروابط بين الشعوب. فبطولة كأس العرب في نسختها الحالية لا تشبه البطولات التقليدية، فهي أقرب إلى سفارة ضخمة تمثل العالم العربي بكل تنوعه. وقد نجحت الدوحة في تحويل البطولة إلى مساحة احتضان ثقافي، تُعرّف الشعوب ببعضها، وتمنحهم سببًا جديدًا للاحتفال بفكرة العروبة نفسها.
إن ما يحدث خارج الملاعب يبرهن أن الرياضة ليست وسيلة للفوز فقط، بل منصة لتصحيح الصور النمطية، وتعزيز الانتماء، وتقريب المسافات بين الجماهير، حتى تلك التي تحمل انتماءات كروية متنافسة. وفي درب لوسيل وسوق واقف، تتجسد هذه الحقيقة بأفضل صورها: عرب من مختلف البلدان، يلتقون كأخوة، يتقاسمون الفرح، ويحتفلون بالحياة، بلا اصطفافات ولا حساسيات، لتصبح كأس العرب أكبر من بطولة… بل رسالة وحدة حقيقية.