

دراسة توفر مقاييس مرجعية حول السلوكيات الاستهلاكية والتفضيلات للسكان
الدراسة تقيم أنماط الاستهلاك غير المستدامة من الناحية البيئية
كشفت دراسة لمعهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية في جامعة قطر أن السكان في دولة قطر يرفعون نسب الاستهلاك والإنفاق عند انخفاض الدخل ويخفضونه عند زيادة الدخل بهدف الادخار في علاقة عكسية.
وتسهم الدراسة المسحية - التي أجراها الباحثون الدكتور كلثم الغانم والدكتور أرويكا سامي بيريانا والدكتور محمد ميمون وشملت 2000 أسرة من القطريين والمقيمين - في وضع حلول السياسة العامة التي تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة في دولة قطر وتساعد أيضًا في وضع أهداف تتماشى مع إستراتيجية التنمية الوطنية القطرية وإستراتيجية قطر الوطنية للبحوث والتي يتوخى منها تنمية المعرفة فيما يتعلق بأربعة مجالات وهي العلوم الاجتماعية والصحة العامة والبيئة والتكنولوجيا.
وحققت دولة قطر تقدما هائلا على الصعيد الاقتصادي، خاصةً في مجالات التجارة الدولية والإنشاءات المعمارية والبنية التحتية. كما شهدت الدولة نموا اقتصاديًا غير مسبوق، الأمر الذي أدى إلى تحول في القيم الاجتماعية والسلوكيات الاستهلاكية، ومن المتوقع أيضا أن يؤدي الازدهار الاقتصادي في دولة قطر إلى توسيع نطاق التحول الاجتماعي والسياسي للدولة، وبالتالي تحقيق الاندماج في الاقتصاد العالمي.
سلوكيات الاستهلاك
في سياق العولمة، شهدنا تغيرات كبيرة في سلوكيات الاستهلاك وأنماطها على مستوى عالمي، خاصة في زيادة الطلب على المنتجات والخدمات المبتكرة في الدول ذات الدخل المرتفع مثل دولة قطر على وجه التحديد فعلى مستوى الاقتصاد الجزئي، يعزى التحول في السلوكيات الاستهلاكية إلى تغير دخل الفرد، بالإضافة إلى تأثير الأسعار النسبية والأذواق والتفضيلات والقيم الثقافية، أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فنشأت هذه التغييرات نتيجة للتحولات الهيكلية في - البيئة الاجتماعية والمادية. وتشكل هذه العوامل مجتمعة - قيم الاستهلاك الفردي والتفضيلات بالإضافة إلى اتجاهات الاستهلاك الوطنية وأنماطها.
وحددت النظريات الاقتصادية السلوكية التي ابتكرها العالمان عاموس تغيرسكي ودانييل كانيمان الحائز على جائزة نوبل، والتي طورها أيضا العالم ريتشارد تالر الحائز كذلك على جائزة نوبل، إطارا قويا لفهم عمليات صنع القرار بما في ذلك القرارات المتعلقة بالاستهلاك.
وتعتبر هذه النظريات فعالة لتحديد التدخلات والإستراتيجيات التي تسهل عملية التحول السلوكي، بما في ذلك السلوكيات الاستهلاكية.
النظريات الاقتصادية
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النظريات الاقتصادية السلوكية ترتكز على العقلانية المحدودة والمصلحة الذاتية وقوة الإرادة وتجنب المخاطرة والمحاسبة العقلية. ووفقًا للنظرية السلوكية في الاقتصاد، تعتبر القيم الاجتماعية عنصرا أساسيا في حياة الأفراد، إذ توجه سلوكياتهم وتؤثر في قرارتهم. ومن المهم أن نلاحظ أن هذه القيم تحدد كينونة الأفراد والأسباب التي تشجعهم على إنفاق الأموال أو ادخارها أو تقليل ادخاراتهم للمستقبل. وتسيطر على مدى اتخاذهم للقرارات العقلانية، وذلك تحت تأثير تجاربهم وخبراتهم الحياتية.
فخلال العقد المنصرم، كشفت التحديات الناشئة عن التغيرات المناخية النقاب عن مفهوم الاستهلاك المستدام، وسعت الحكومات والجهات المسؤولة عن وضع السياسات في جميع أنحاء العالم إلى الاستعانة بالرؤى المرتبطة بالعلوم السلوكية لتعديل سلوكيات المستهلك وتحقيق الأهداف من تلك السياسات، وغالباً ما تستند هذه السياسات إلى التحركات والمبادرات الصديقة للبيئة التي تهدف إلى تشجيع الأفراد على اعتماد مفهوم الاستدامة قبل اتخاذ قراراتهم.
ومن الجدير بالذكر أن دولة قطر تصنف باعتبارها إحدى أغنى دول العالم، كما أنها تسعى إلى إثبات نفسها كدولة مسؤولة ومؤثرة في المجتمع العالمي، ومع ذلك، فقد واجهت دولة قطر تحديا متمثلا في ارتفاع معدلات الاستهلاك على وجه الخصوص، فيما يتعلق بالغذاء والمياه والطاقة وما صاحبه من آثار بالغة على الاستدامة.
وأثبتت الدراسة للمعهد أن نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي ومعدلات الاستهلاك كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي يتحركان في اتجاهين متعاكسين قبل عام 2003 وبعد عام 2012، وهو الأمر الذي يتفق مع التصور القائل بأن سكان دولة قطر يفضلون الثبات في الإنفاق الاستهلاكي.
وأوضحت الدراسة أن سكان دولة قطر يرفعون نسب الاستهلاك عند انخفاض الدخل ويخفضونه عند زيادة الدخل باستثناء الفترة ما بين 2003 و2013، حيث تشير الاتجاهات في هذا الشكل إلى ثبات نسب الاستهلاك تقريبا مع ارتفاع الدخل وهو الأمر الذي يدل على زيادة مستوى الاستهلاك.
أهمية الدراسة
وتكمن أهمية الدراسة الوطنية القائمة على تقييم آراء السكان للقيم الاستهلاكية وخيارات المستهلكين وتفضيلات الإنفاق في رصد الأبعاد المختلفة للرفاهية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية لسكان دولة قطر. ومن المهم أيضا تقييم أنماط الاستهلاك غير المستدامة من الناحية البيئية ودراسة تأثيرها على المدخرات والديون وتكوين الثروات.
وتهدف هذه الدراسة إلى تقييم أبعاد الاقتصاد السلوكي المرتبطة بالتفضيلات الاستهلاكية وتخطيط الميزانية والإنفاق الاستهلاكي واستدامته، وكذلك التقديرات ذات الصلة بالقضايا البيئية وأنماط الحياة الصحية والتوقعات الاقتصادية وتكوين الثروات.
وتشمل هذه الدراسة تطبيق عمليات المسح الوطني التمثيلي القائم على آراء السكان والذي يتم إجراؤه على 2000 أسرة في دولة قطر، حيث يستند فيها إلى المنهجية التي تعتمد على جمع العينات ذات المراحل والطبقات المتعددة، وذلك بحجم عينة مقسمة إلى 1000 أسرة من المواطنين القطريين و1000 أسرة من المقيمين.
وتطبق الدراسة أيضا منهجية متعددة التخصصات، إذ يُستعان فيها بمعايير قياس متعددة الأبعاد لإعداد تقييم شامل حول القيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية، بالإضافة إلى التصورات البيئية المتعلقة بالسلوكيات الاستهلاكية. كما تتطرق الدراسة إلى القيم والتفضيلات الاستهلاكية وسلوكيات الاستهلاك المستدام، والاستهلاك المظهري، والاستهلاك غير المستدام، والشراء والبيع المسؤولين اجتماعيا، والتوقعات الاقتصادية، والدخل، والمدخرات، والديون.
وستوفر نتائج الدراسة المقاييس المرجعية لمجال السياسات بما يشمل أصحاب المصلحة والباحثين وذلك فيما يتعلق بالقيم والتفضيلات والسلوكيات الاستهلاكية، بالإضافة إلى عرض البيانات ذات الصلة بمقارنة الدخل والديون والمدخرات والرفاهية الاقتصادية في دولة قطر. كما أن هذه الدراسة ستعرض النتائج التي من شأنها الربط بين هذه الأبعاد وفقا للخصائص الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية.