

الدراسة التي اخترتها بوابتي لإنشاء معالم في قلب بلدي
الاندماج والانفتاح من أهم المزايا المكتسبة للدراسة في الخارج
عشق الألوان والفنون منذ طفولته، أحب التصميم، فكان هذا الشغف اللبنة الأساسية في صقل موهبة أصبحت فيما بعد حلماً، وعلماً، فسافر في سبيلها إلى عالم آخر، عالم أبعد ما يكون عن وطنه الأم في عاداته وتقاليده وصفاته وكل تفاصيله. في أميركا يتابع الطالب محمد غانم الحمادي رحلته الدراسية، حيث اختار الهندسة تخصصاً والجامعات الأميركية مكاناً.
«العرب» حاورت الحمادي عن حلمه وحياته في بلاد العم سام، وطموحاته المستقبلية:
عن سبب اختيار هذا التخصص، يقول الحمادي: يفتش كل شخص بداخله عن مهنة المستقبل، والتي يجب أن ترتبط بشكل وثيق مع الميول والرغبات الشخصية، فأنا ومنذ صغري كنت أميل إلى الفنون والأعمال اليدوية، وأردت أن أضع هذا الشغف في شيء كنت سأفعله يوماً ما، ومن خلال استكشاف العديد من المجالات عثرت على الهندسة المدنية، لأنها عالم عريق يقترن وجوده بوجود البشرية، فالأهرامات وبرج إيفل خير دليل على ذلك، قد لا تبدو هذه المهنة جذابة للجميع، لكنها بوابتي لإنشاء معالم في قلب بلدي، وتحويل شغفني بالفن إلى رؤيا حقيقية، وبمساعدة فريقي في العمل أريد أن أترك بصمتي للآخرين ليعجبوا بها، وربما ألهم شخصاً ما للانضمام إلى هذه الرحلة الإبداعية.
ليالي الغربة
* وماذا عن حياتك في الولايات المتحدة؟
- يخطئ من يظن أن حياة الغربة سهلة، فالبعد عن الأهل والوطن في حد ذاته مشقة، وتزداد المشقة كلما زادت الهوة الثقافية بين المجتمع الأم والمجتمع الذي يوجد فيه الشخص، لأنه كلما صعب الاندماج، ازدادت مرارة الغربة، ولا شك أن الاندماج والتعايش داخل المجتمع الأميركي أمر في غاية الأهمية، فيجب عليك أن تكون ملماً ببعض الأمور التي تضمن لك حياة سلسة بأميركا، والتي تشمل معرفة عامة بعادات وتقاليد هذا البلد القارة، وبالرغم من أن والدي ووالدتي قد درسا في أميركا وعاشا هناك فترة طويلة، كان من الصعب عليّ التكيف مع ثقافة جديدة، خاصة عندما تكون في مكان بعيد عن المنزل بدون روابط، ففي البداية شعرت بالوحدة، ولكن حين حضرت مزيداً من الفصول، وانضممت إلى الأندية مثل الجمعية الأميركية للمهندسين المدنيين، أدركت أنني لست وحدي، كان هناك العديد من الأشخاص من الشرق الأوسط، وكان لديهم جميعاً خلفيات وخبرات رائعة جمعتنا مع بعضنا البعض، ومع صداقتهم شعرت وكأنني لا أزال أمتلك قطعة من وطني معي في الولايات المتحدة، مما ساعد في قبول العيش في الخارج.
* لماذا الهندسة؟ وكيف جاء اختيار التخصص؟
- إنه السؤال الذي يخطر على بال كثيرين، وخاصة المقبلين على دراستها، وقد يكون جواب هذا السؤال يتلخص في كون العلوم الهندسية واحدة من أكثر العلوم تشعباً، وتتطلب قدرة من المهندس على حل المشكلات التي تواجهه في ساحة العمل بشكل فوري، الأمر الذي يفرض على كلية الهندسة تلقينه معلومات مكثّفة خلال سنوات الدراسة، إضافة إلى تدريبه على العديد من البرامج الهندسية المساعدة التي تقرّب له الحلول، وهذا يتطلب منه جهداً أكبر ومزيداً من الالتزام والمثابرة للإلمام بكل تلك المعلومات وفهمها ، فبالنسبة لي كان التحدي الأكبر هو العثور على ابتكارات لتصاميم جديدة، ويبدو أن جميع الأفكار الجيدة قد تم استخدامها بالفعل من قبل أسلافي، ولكن بعد مشاهدة التصميمات السابقة، تحركت فينا روح المثابرة لابتكار تصاميم فريدة من نوعها.
* ماذا أضافت الغربة والسفر وأميركا إلى شخصية محمد؟
- إن تنوع الثقافات والمدن في أميركا يُعدّ بمثابة دعوة لتعزيز آفاق حياتك المهنية، وتلك الخبرة الثقافية والعدد الهائل من الثقافات التي تواجهها في أميركا تساهم في تطور الشخصية بشكل مبهر، كما أن السمعة الأكاديمية للولايات المتحدة المعروفة بجودة التعليم، مع الدورات الدراسية الشاملة المتاحة في مؤسساتها التعليمية محل تقدير واحترام فهي الوجهة الأفضل للدراسة، ومن هذا المنطلق ولأن دولتنا وقيادتنا -سدّد الله خطاها- تؤمن بأهمية الدور المحوري الذي يضطلع به الشباب في تحقيق التنمية والاستقرار والتقدم في جميع المجتمعات، فقد أولت دولة قطر اهتماماً مقدراً لفئة الشباب، وذلك من خلال الاهتمام بالتعليم والتدريب، والذي يعتبر إحدى الأولويات الأساسية بالدولة، ونحن بدورنا لا يسعنا إلا أن نكون عند حسن ظن هذه الدولة المعطاءة، ونرفع اسمها في ميادين التقدم والتطور، لهذا السبب فقط ومن أجل هذا الهدف تغربت إلى أميركا، حيث تعلمت الكثير على الصعيد الشخصي والأكاديمي.

دوري في بلدي
يرى محمد الحمادي أن دوره ببلده سيكون كبيراً، وأن شأنه سيكون أكبر، باجتهاد وبطموحات تعانق السماء، وهنا يوضح: خلال سنوات دراستي أدركت أن الأشياء التي نحبها تستحق منا أن نتعب لأجلها، لكن أثناء وصولك للمبتغى ستنسى كل ذلك العناء، حقيقة إن دراسة الهندسة تعلمك الكثير بعيداً عن ما هو عملي، تعلمك الصبر، الاعتماد على النفس، الإيمان بقدراتك التي يستخف بها الآخرون، فالهندسة علم يجعل منك إنساناً يقبل بأي نوع من التحدي مقابل الوصول إلى نتيجة ما، فيصنع منك إنساناً مغامراً. لهذا فأنا على أتم الاستعداد لأكون عنصراً مميزاً في وطني، وستكون لي إسهامات ترفع لها القبعة إن شاء الله تعالى في هذا الوطن المعطاء.
كثيرة هي الأشياء التي تثير إعجاب محمد الحمادي بأميركا، وكثيرة هي الأفكار التي تلهمه في ذلك المجتمع الغربي الغريب، حيث يقول محمد: قامت الولايات المتحدة بلا شك على إرث هائل من العادات والتقاليد والثقافات الغربية مجتمعة، مما جعلها بلداً شديد التميّز عن باقي بلاد الغرب، باعتبارها أمة قامت على انصهار كافة المجتمعات العالمية على أرض واحدة، ففي أميركا يمكنك أن تسير في أحد الشوارع، فتشعر أنك في أقصى ما وصلت إليه الحضارة الغربية، ثم تنتقل إلى شارع آخر، فتظن أنك قد سافرت إلى بلداً من العالم الثالث فجأة! تنتقل إلى شارع ثالث فتشعر أنك في أوروبا، ويقودك الشارع الرابع لأن تحس أنك في إحدى الدول العربية! بالإضافة إلى التنوّع الهائل في العادات والتقاليد والثقافات في هذه الأرض، تختلف عن غيرها من البلدان الأخرى، التي تضم بعض التنوع في الثقافات على أرضها.
الاندماج سلاح ذو حدين
وعن الدعم الذي تقدمه له أسرته، يقول محمد الحمادي: لعائلتي الفضل الكبير في غرس حب العلم في قلبي منذ الصغر، ودعمي المستمر منذ دراستي الابتدائية إلى أن وصلت إلى ما أنا عليه الآن، وكما أسلفت فإن تجربة والدي ووالدتي في الدراسة في أميركا، والنصائح التي أعطياني إياها خلال سنوات دراستي، كان لها أثر كبير في شحن طاقاتي الإيجابية.
ويعقد محمد صداقات مع كثير من الطلبة الذين تعرف عليهم في رحلته الدراسية، ويقول: باعتقادي الاندماج والانفتاح من أهم المزايا المكتسبة أثناء الاختلاط بالطلاب في الخارج، لأن الهدف من السفر للدراسة ليس فقط تحصيل المعلومات، وإنما التعرف على ثقافات مختلفة، ويجب أن ننوه بأن الاندماج سلاح ذو حدين، فمن الممكن أن يكون مفيداً أو ضاراً، وهذا يعتمد على الشخص نفسه، وعلى مدى ثقته بنفسه، ومتانة أساسه الثقافي.
يحلم الطالب محمد بالعودة إلى الوطن بأفكار جديدة، يفيد بها وطنه ويرد له جزءاً من الجميل، حيث يعتبر حسب قوله أهمية الدراسة في الخارج تكمن في تجربة حياة جديدة بكافة أشكالها، والتنقل في مناطق غير مألوفة، والتعامل مع أشخاص جدد ذوي ثقافات متنوعة، مما يجعل الفرد يفكر بطريقة مختلفة، فبجانب أهمية الدراسة في الخارج في تطوير شخصية الفرد ومهاراته الفردية، تعود الفائدة أيضاً على المجتمع كله بعد عودة الفرد إلى بلاده ونقل خبراته إلى مجتمعه.
وعن طموحاته وأحلامه بعد أن ينهي دراسته ويعود إلى أرض الوطن، يقول: من خلال بعثتي في أميركا، وجدت أن لحب الوطن لديهم قيمة، يعرفون كيف يصلون إليها، ونحن عندنا جميع القيم والمكونات التي لديهم، ولكن الأمر مختلف عندنا، فعندما تسأل أحد الشباب تجد لديه رؤية ويرغب في الوصول إلى كذا وكذا، ولكن لا يعرف طريق الوصول إلى ما يتطلع إليه.
أعتقد أن حبنا للوطن له قيمة، وتكبر هذه القيمة مع إمكانية الوصول إلى أهدافنا، التي بتحقيقها سنحقق رفعة الوطن وعلو شأنه في مختلف المجالات، ويفترض أن يبدأ الشباب بالأسهل، لينتقل من تطوير نفسه إلى تطوير مجتمعه، وبالتالي القيم ترتفع من قيم شخصية إلى قيم مجتمعية، ولقد استفدت من تجربتي في أميركا من أن الناس لديهم قيم ويستطيعون الوصول إليها.