

أطلقت سنغافورة مبادرة اجتماعية تهدف إلى تجنيب مواطنيها عامة، وأجيالها الفتيّة خاصة، الأضرار النفسية والذهنية المترتبة على قضاء أوقات طويلة على الأجهزة الإلكترونية، تتمثل في إطلاق المكتبة الوطنية برنامجا لمدة خمس سنين سمّته "ريد إس جي"، ويهدف إلى تحويل القراءة اليومية إلى عادة قابلة للقياس والمكافأة، بعيدا عن إدمان التصفح الرقمي.
وتحاول سنغافورة في هذا البرنامج مواجهة عادة التصفح القهري للمحتوى الرقمي السريع، ومساعدة المواطنين على استعادة قدراتهم الذهنية في التركيز والقراءة المتأنية، وفق ما ذكرت صحيفة التايمز البريطانية.
وعربيا، كانت دولة قطر سبّاقة في الالتفات إلى تعظيم الوعي بأهمية القراءة، وتحويلها إلى مبادرة مُتبناة على صعيد الدولة والمجتمع، إذ أطلقت مكتبة قطر الوطنية عددا من البرامج ضمن إطار جامع هو مبادرة "قطر تقرأ"، ومن أبرزها "القراءة للعائلة" الذي يقوم على تزويد الأطفال دون سن الـ13، كتبا بشكل منتظم شهريا، و"أنا وعائلتي" الذي يستهدف التواصل المعرفي والعاطفي بين الطفل ووالديه من خلال القراءة المبكرة، وتهدف هذه البرامج لتعزيز القراءة وجعلها ثقافة مجتمعية، إسهاما في إشاعة التفكير النقدي التحليلي في صفوف الناشئة.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة فاطمة المالكي مدير مبادرة "قطر تقرأ" في مكتبة قطر الوطنية، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن المبادرة وُلدت من سؤال بسيط: كيف نجعل القراءة عادة يومية، لا نشاطا مؤقتا أو عابرا؟
وأوضحت أن مبادرة "قطر تقرأ" تطورت مع الوقت لتصبح مبادرة مجتمعية تسعى إلى توسيع نطاق جهودها والوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع، مبينة أن عدد الأطفال الذين اشتركوا في برنامج "القراءة للعائلة" وصل عام 2025 إلى 1755 طفلا من 1286 عائلة، محققا نموا كبيرا عن العام السابق، كما وزّع البرنامج 31500 كتاب، والأهم أن 77.2 بالمئة من العائلات انتظمت في اشتراكها.
وأضافت أن عدد المدارس المنضمة إلى برنامج "عضوية المدارس" ارتفع من 18 مدرسة عام 2022 إلى 187 مدرسة عام 2025، في حين نظّم البرنامج خلال العام المذكور 20 جولة لعربات الكتب، و17 نشاطا لكتابة القصص المصورة.
ووفق الدكتور فاطمة، استقطب برنامج "اقرأ وارتق"، الذي انطلق عام 2019، أكثر من 85 مشاركا من القيادات والمديرين التنفيذيين عبر 8 جلسات نقاشية، ليبلغ إجمالي المشاركين فيه نحو 265 مشاركا من 15 مؤسسة، في عام 2025 فقط.
ورأت الدكتور فاطمة أن الأرقام تؤكد وجود شغف بالقراءة، مدلّلة على ذلك ببعض الأرقام التي تحققت في عام 2025، مشيرة إلى أنه استُعير من مكتبة قطر الوطنية أكثر من 415 ألف كتاب مطبوع، إلى جانب أكثر من 3.1 مليون عملية تصفح واستعارة لمصادرها الإلكترونية الموجهة للجمهور العام، من بينها ما يزيد على 120 ألف مادة من مكتبة الأطفال، معتبرة ذلك دليلا على المكانة التي لا يزال الكتاب يحتفظ بها.
وبالرغم من أن الدكتورة فاطمة عبرت عن سعادتها وتفاؤلها بهذه الأرقام، عادة إياها دليل تعاف في العلاقة بين الكتاب والجمهور، ومنبهة إلى أن القراءة بدأت تتحول من نشاط عابر إلى عادة راسخة في بيوت كثيرة، فإنها لفتت إلى وجود تحديات حقيقية في الحفاظ على زخم القراءة، وتحويلها إلى عادة يومية في عالم يزدحم بالمحتوى السريع.
وفي هذا المقام، أجملَت أبرز تلك التحديات في: التنافس الشديد على لفت الانتباه مع الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي التي تقدم محتوى قصيرا وسريعا وسهل الهضم، وكذلك ضيق الوقت الذي يُصعّب تخصيص زمن للقراءة في كتاب، إضافة إلى القدرة على الوصول إلى الجمهور، إذ ليس الجميع قادرا على زيارة المكتبة.
وختمت الدكتور فاطمة المالكي مدير مبادرة "قطر تقرأ" في مكتبة قطر الوطنية، حديثها لـ"قنا" بتوجيه رسالة خصت بها الأُسر، قائلة: "لا نطلب من الأسر الكثير، يكفي أن تبدأ بخمس عشرة دقيقة يوميا قبل النوم، بعيدا عن الشاشات، مع كتاب واحد. فهذه الدقائق القليلة قد تصنع قارئا مدى الحياة".
وفي الاتجاه نفسه، قال الدكتور درع معجب الدوسري المدرب والخبير التربوي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن مبادرات القراءة لا ترفع مستوى القراءة لدى الطالب فحسب، بل تؤثر في منظومة تعلمه كاملة، فالطالب القارئ يمتلك رصيدا لغويا أوسع، وقدرة أفضل على الفهم والتحليل والاستنتاج والتعبير، وهي مهارات تنعكس على تحصيله في مختلف المواد الدراسية، وليس في اللغة وحدها.
ورأى أن الأثر الأهم لمثل هذه المبادرات أنها تنقل القراءة من كونها واجبا مدرسيا مرتبطا بالاختبار والدرجة، إلى ممارسة ممتعة يكتشف الطالب من خلالها ذاته والعالم من حوله.
وعن الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات التعليمية في ترسيخ ممارسة القراءة، قال الدكتور درع إن دور هذه المؤسسات يجب أن يتجاوز توفير الكتب والمكتبات إلى صناعة بيئة قراءة متكاملة، عبر تخصيص أوقات منتظمة للقراءة الحرة، وإنشاء أندية للكتاب، وتنظيم لقاءات مع الكتّاب والمؤلفين، وإقامة مسابقات ومشروعات إبداعية مرتبطة بما يقرؤه الطلبة، مع منح الطالب مساحة لاختيار الكتاب الذي يتوافق مع اهتماماته.
وشدد الدكتور درع معجب الدوسري المدرب والخبير التربوي على أن نشر القراءة وتحويلها إلى ثقافة مجتمعية يحتاج إلى إخراجها من حدود المدرسة والمكتبة، وإدخالها في تفاصيل الحياة اليومية، واقترح لهذا الهدف إطلاق مبادرات تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمكتبات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، والقطاع الخاص، بحيث تصبح القراءة مسؤولية مجتمعية مشتركة.
ومثل على ذلك بأفكار مثل إنشاء تحديات قراءة أسرية، ومكتبات مصغرة في الأماكن العامة، ومقاه ومساحات صديقة للقراءة، وتبادل الكتب بين أفراد المجتمع، واستضافة الكتاب والمفكرين، وإطلاق منصات رقمية تقدم توصيات جذابة للكتب، إلى جانب الاستفادة من المؤثرين والشخصيات المجتمعية في تقديم نماذج إيجابية للقارئ.
وأكد الدكتور درع معجب الدوسري، أن نجاح أي مبادرة للقراءة لا يقاس فقط بعدد الكتب التي وزعت أو قرئت، وإنما بالسؤال الأهم: هل نجحنا في صناعة إنسان يبحث عن الكتاب من تلقاء نفسه؟ عندما نصل إلى هذه المرحلة نستطيع القول إن القراءة تحولت من مبادرة إلى عادة، ومن عادة إلى ثقافة مجتمعية.
وفي السياق ذاته، تحدث الدكتور ريان علي أستاذ كرسي اليونيسكو في التقنيات الرقمية والسلوك البشري في جامعة حمد بن خليفة، لـ"قنا"، قائلا إن قيمة مثل هذه المبادرات تكمن في تشجيع التركيز المستدام، وتنمية الصبر على الفهم، وإتاحة مساحة للتأمل بعيدا عن التشتت بين المقاطع والإشعارات المتلاحقة.
فالتعود على المقاطع السريعة، وفق الدكتور ريان، قد يرسخ لدى الأطفال توقعا بأن كل معلومة يمكن تلقيها وفهمها فورا، بينما يحتاج التعلم العميق إلى متابعة وربط ونقد. ومن هنا، ترسخ مبادرة "قطر تقرأ" رسالة مجتمعية: أن الوقت والجهد المبذولين في الفهم لهما قيمة. ومع أن المحتوى القصير قد يفيد تعليميا، لكن إيقاعه السريع أكثر ملاءمة للترفيه منه لمعالجة موضوعات تتطلب قراءة متأنية وفهما معمقا.
وأشار الدكتور ريان إلى مفهوم "الإدمان الرقمي"، قائلا إنه يستخدم بصورة غير رسمية، لوصف استخدام يستحوذ على الشخص ويصعب ضبطه رغم أضراره، مبينا أن هذا الاستخدام قد يرتبط بتراجع التركيز والتحصيل الدراسي، ومشكلات الصحة النفسية والنوم والعادات الغذائية، وقلة فرص تنمية المهارات الحركية حين يحل محل اللعب والنشاط البدني.
ويستدرك بالقول إن الارتباط لا يثبت السببية، فقد يلجأ الطفل إلى الألعاب هربا من صعوبة الاندماج في صفه. وهذا لا يعفي المنصات من المسؤولية، فالنموذج الاقتصادي لكثير منها يقوم على جذب الانتباه وإطالة الاستخدام، وجزء من الحل يكمن في العمل المشترك مع المنصات، وسن قوانين تحملها مسؤولية أكبر عن تقليل عناصر التصميم التي تشجع الاستخدام القهري، وحماية مستخدميها استباقيا.
وأكد الدكتور ريان أن نجاح مثل هذه المبادرات يبدأ من تغيير النظرة إلى الاستخدام المفرط للتكنولوجيا بوصفه أمرا طبيعيا أو علامة على مواكبة العصر، مشيرا إلى أن من يفقد السيطرة على استخدامه، ينبغي أن ينظر إليه بوصفه شخصا يحتاج إلى المساعدة، لا نموذجا للإنسان العصري. فالاعتماد المفرط على العالم الرقمي لبناء الهوية واستمداد السعادة قد يأتي على حساب العلاقات، والتجارب، والمشاركة في الحياة الواقعية.
ورأى الدكتور ريان أستاذ كرسي اليونيسكو في التقنيات الرقمية والسلوك البشري في جامعة حمد بن خليفة، أن طبيعة الروابط المجتمعية في دولة قطر، تساعد كثيرا في نشر وتعميم ظاهرة القراءة من خلال القراءة الثنائية أو الجماعية، بحيث يحفز المشاركون بعضهم بعضا على إتمام القراءة، وتلخيصها ومناقشة استنتاجاتها ومشاركتها في المدرسة وخارجها.
وختم الدكتور ريان بالدعوة إلى تعزيز القراءة في دولة قطر، مركزا على ضرورة أن يشمل المحتوى قضايا اجتماعية معاصرة تلامس اهتمامات القراء، إلى جانب الموضوعات العلمية والتعليمية، استلهاما من المقاطع القصيرة التي تكمن جاذبيتها في تناولها موضوعات حيوية وحديثة تشغل الناس، لافتا إلى أنه يمكن للقراءة أن تستفيد من هذا الحافز أيضا.
وفي المحصلة، فإن كلا من دولة قطر وسنغافورة، بهذه المبادرات قدمتا نموذجا عمليا في حماية مجتمعها، والاستثمار في جودة حياة المواطنين، مبرهنة على الدور التربوي الذي يمكن أن تضطلع به الحكومة والمؤسسات المرتبطة بها، في حفظ الصحة العقلية لمواطنيها وتنميتها، وإعادة الاعتبار للكتاب في زمن الضجيج الرقمي.