محافظة ظفار.. السياحة بمعطيات الطبيعة والأمن والأمان
منوعات
11 أكتوبر 2014 , 07:14ص
عند نقطة تقترب من قمة جبل أتين بمحافظة ظفار العمانية يجلس مواطن من دولة الإمارات العربية المتحدة أمام قبر يقول السكان المحليون إنه لنبي الله أيوب. يقرأ مايد الظاهري بعض آيات القرآن الكريم، ويذرف فيما يبدو بعض الدموع قبل أن يضع عند رأس القبر بعض النقود ثم يخطو بخطوات بطيئة إلى الخارج فيما يتقدم مواطنه إلى مكانه ليمارس نفس الطقوس في أجواء يتصاعد فيها بخور اللبان العماني.
مسقط – د.ب.أ
وتتحول محافظة ظفار العمانية خلال فصل الصيف «يعرف محلياً بفصل الخريف» إلى جنة من جنان الله على أرضه حيث تنخفض درجة الحرارة إلى 15 درجة مئوية، وتغيب الشمس تماماً لتشكل نقطة الجذب السياحية الأولى في شبه الجزيرة العربية من مطلع يوليو وإلى شهر أكتوبر من كل عام.
وسجلت المحافظة الجنوبية العمانية الملاصقة لليمن أرقاماً قياسية خلال شهر واحد فقط حيث بلغ عدد السياح منذ اليوم الأول لعيد الفطر، مطلع أغسطس، وإلى نهاية الشهر ما يزيد على 350 ألف سائح من مختلف دول العالم، يشكل السياح المحليون نسبتهم الكبرى فيما يأتي مواطنو دولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية والسعوديون في المرتبة الثالثة. وعلاوة على الطبيعة الاستثنائية في محافظة ظفار فإنها تضم الكثير من المزارات الدينية والمتمثلة في عدد من القبور التي تنسب لبعض الأنبياء رغم أن الواقع التاريخي لهم لا يشير إلى إمكانية دفنهم في تلك البقعة من الأرض مثل نبي الله أيوب.
ومع قدوم فصل «الخريف» تستقبل صلالة وهي كبرى مدن محافظة ظفار الأفواج السياحية العمانية والخليجية التي تفضل قضاء عطلات الصيف بين أحضان الطبيعة والطقس المعتدل طلباً للراحة والاستجمام بعيداً عن أجواء الصيف الحارة التي تمر بها منطقة الخليج العربية، فضلا عن الراحة النفسية التي يلمسها السائح عند قدومه من حفاوة الترحيب وحسن الضيافة وتشابه العادات والتقاليد في المنطقة.
واعتبرت محافظة ظفار الوجهة الأولى في منطقة الشرق الأوسط للسياحة العائلية. ورغم الأعداد الكبيرة التي دخلت المحافظة خلال شهر واحد إلا أن الجهات المعنية استطاعت إلى حد كبير استيعابهم وتوفير أماكن إيواء، رغم أن الشكوى ما زالت مستمرة من قلة الخدمات المصاحبة غير تلك التي توفرها الطبيعة، إلا أن المستثمرين يعتبرون أن السياحة في محافظة ظفار موسمية فقط ولا تتجاوز مساحتها الزمنية 3 أشهر فقط. إلا أن المحافظة تشهد حركة بناء منتجعات سياحية ومراكز ترفيهية بشكل مطرد.
ويعد مهرجان صلالة السياحي الذي يتزامن مع الموسم من التظاهرات السياحية والثقافية المهمة ليس في محافظة ظفار فقط بل في سلطنة عمان أيضاً لاحتضانه العديد من الأنشطة والمعارض والفعاليات الثقافية والاقتصادية والفنية والتراثية والتسوق ويركز على الجانب الترفيهي للأسرة باعتبارها الشريحة الرئيسية التي يخدمها المهرجان. وفصل «الخريف» ظاهرة فريدة من نوعها في سلطنة عمان حيث تتأثر به معظم الولايات الساحلية في محافظة ظفار وهي صلالة وطاقة ومرباط وضلكوت ورخيوت وذلك لقرب سواحلها من قمم الجبال ويساعد على حدوث هذه الظاهرة المناخية الفريدة هبوب الرياح الموسمية القادمة من المحيط الهندي على مدنها الساحلية؛ حيث تتراكم السحب الممطرة على المناطق الساحلية والجبلية لتحجب الشمس معظم أيام هذا الموسم وتنخفض درجات الحرارة وتتحول الجبال والسهول إلى واحة خضراء بسبب هطول الأمطار الخفيفة والرذاذ المتقطع وتتفجر الينابيع والعيون المائية في الأودية والجبال التي يلفها الضباب، وتنزل الشلالات المائية في شكل غاية في الروعة والجمال. وتزخر محافظة ظفار بمقومات سياحية فريدة حيث تضم في جنباتها كل البيئات الطبيعية إذ تشتهر بالشواطئ البيضاء والرمال الناعمة وسلسلة من الجبال والأودية والسهول المنبسطة وصحراء رائعة ممتدة إلى الربع الخالي وعيون مائية منتشرة في كافة ربوعها ونافورات طبيعية وكهوف متنوعة من أهمها كهف (طيق)، إضافة إلى أنها منطقة زراعية غنية بالمنتجات الزراعية المتنوعة ذات الطابع الاستوائي من أشهرها النارجيل (جوز الهند) والموز والفافاي (البابايا) وقصب السكر إلى جانب الخيران الجميلة والمحميات الطبيعية والثروة الحيوانية والبحرية الغنية وهي مميزات قَل أن تجتمع في منطقة واحدة مما جعل المحافظة استثنائية في كل شيء.
كما تمتلك محافظة ظفار موروثاً تاريخياً فريداً يتمثل في تعدد مواقعها الأثرية لتضيف بعداً سياحياً آخر تجذب من خلاله محبي السياحة التاريخية وسياحة الآثار فيتناغم هذا الموروث التاريخي مع الطبيعة والبيئة والمناخ؛ حيث يحقق الزائر رحلة سياحية متكاملة تغطي معظم العناصر المشوقة الجديرة بالمشاهدة.
ويعتبر منتزه البليد الأثري بصلالة المسجل على قائمة التراث العالمي أحد أهم المواقع الجديرة بالمشاهدة؛ حيث يضم في جنباته متحف أرض اللبان الذي يعتبر إطلالة شاملة على عمان بمختلف مناطقها عبر الأزمنة بالإضافة إلى المواقع الأثرية الأخرى المتمثلة في خور روري (سمهرم) منطقة شصر (وبار) ووادي دوكة؛ حيث تنمو أشجار اللبان كل هذه المواقع مسجلة ضمن قائمة التراث العالمي.
كما تشتهر محافظة ظفار بإنتاج اللبان الذي تشكل شجرته رمزاً لمحافظة ظفار وقد لعبت شجرة اللبان على مر العصور دوراً بارزاً في تزويد العالم القديم ودور العبادة بمنتجاتها من البخور وكان اللبان يمثل عمود التجارة الأساسي في جنوب شبه الجزيرة العربية قديماً ومصدراً هاماً من مصادر الدخل؛ حيث اشتهرت محافظة ظفار بإنتاج أجود أنواع اللبان في العالم لتوفر المناخ الملائم لنمو شجرته.
ويتنقل السياح بين العيون المائية والذي يتناغم جريانها مع الطبيعة الخضراء، وكذلك المناظر الخلابة التي لا يتوقع أي زائر لشبه الجزيرة العربية أن يجدها على الإطلاق. ويمكن ملاحظة عشرات الآلاف من السياح العمانيين والخليجيين وهم يفترشون البساط الأخضر مع أسرهم وينشغلون بشوي اللحم الطازج، فيما يسمع في كل مكان صوت الكاميرات وهي تلتقط آلاف الصور المتنوعة عن المحافظة.
كما يحرص معظم السياح أيضاً على زيارة منطقة شاطئ المغسيل لمشاهدة كهف (المرنيف) والنافورات الطبيعية التي تحدث نتيجة تلاطم أمواج البحر بالصخور القريبة من الشاطئ إلى جانب زيارة منطقة (الحافة) التي يوجد بها الكورنيش البحري والأسواق الشعبية ومحلات بيع الحلوى وأكشاك بيع المنتجات الزراعية المحلية الطازجة خاصة الموز والفافاي وقصب السكر وجوز الهند. وقال سكان محليون إن فصل الخريف هذا العام من أقوى الفصول وأكثرها اخضراراً ونزولا للمطر، ولذلك كان الأكثر استقطاباً للسياح، علاوة على أن الوضع العربي الملتهب في كل مكان جعل من محافظة ظفار في سلطنة عمان المقصد السياحي الأول للخليجيين. وتسعى سلطنة عمان إلى استثمار سمعتها واستقرارها أمناً وأماناً في تطوير هذا الموسم السياحي وتجاوزت الكثير من العقبات التي تقف أمام المستثمرين في صناعة السياحة في المحافظة.
يشرب مايد الظاهري مشروب المشلي «ماء جوز الهند» من كشكات البيع أمام حديقة ضريح النبي أيوب وهو يحكي لأصدقائه عن الروحانيات التي أحسها وهو يقرأ الفاتحة عند القبر.