بيان للمتقين..

alarab
الصفحات المتخصصة 11 سبتمبر 2015 , 06:46ص
مختار خواجه
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) بهذه الآية تتأسس قاعدة مهمة للغاية، وهي أن التقوى سبب لتحقق البيان والموعظة معا، وقد يتبادر للذهن عند ذكر التقوى أمر الموعظة ورقة القلب وحسب، وهو أمر تنفيه الآية، فالتقي يقظ يستفيد من البيان.

كيف يقع هذا؟
يقول تعالى في مفتتح سورة الرحمن: (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)، والحق أن هذا يكشف عن أمور ينبغي الالتفات لها، فالبيان هنا، ليس قدرة على التعبير عما في الذهن والقلب وحسب، بل هو قدرة على التفكير والتعبير معا، وقد قال جمع من المفسرين إن اسم الإشارة هذا، في قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) يرجع لأمرين إما للسير في الأرض، وإما للآية السابقة، وما حملته من معان، وعلى التقديرين فالبيان للناس، والسير في الأرض والقرآن الكريم كلاهما متضمنان له، ولكن القدرة على اكتساب الأفكار والعلوم والمعارف متاحة للجميع، مقدور عليها باكتساب أدواتها.
ولهذا افتتح الله تعالى سورة الرحمن باسمه الدال على رحمته للخلق مسلمهم وكافرهم، وأنه علم القرآن والبيان للإنسان، ليتحرك بهما، ولكن تبقى مزية التقي على الإنسان العادي أو حتى المؤمن غير المتحلي بالتقوى، أنه يضيف على البيان الهدى والموعظة، فينتفع بهما في دنياه وأخراه.
وهذا يتضمن جانبا في غاية الأهمية، وهو أن العلوم المنتفع بها من السير في الأرض، تقود للإيمان إن كان صاحبها ذا فطرة سوية قابلة للانتفاع، فالله تعالى ربط بين خلق الإنسان وتعليمه إياه البيان، فما لم يتوسط متوسط ثالث يغير خلق الله تعالى، ينتفع الإنسان كائنا ما كان بما يقع بين يديه من بينات كونية.
ودليلنا على ذلك أن كل مولود يولد على الفطرة كما دل الحديث الشريف، وبهذا يتضح لنا سر إيقان كثيرين من علماء الكونيات والاجتماعيات والفلسفة بالإله الواحد الخالق، غير أنهم يفتقدون هداية وموعظة تقودهم لتفصيل ذلك وبيانه، وهو ما لا يتأتى إلا بالقرآن العظيم.
وإذا قلت بأهمية البيان ومركزيته هنا، فما بال الهداية والموعظة؟
الحقيقة أن الهداية استرشاد لأسرار الكون وغاياته، يقول تعالى على لسان كليمه موسى عليه السلام: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه:50)، فاكتشاف المتقي للهداية الكامنة في كل كائن حي اكتشاف لجزء من وظيفة الكائن في الكون، وإدراك لما ينبغي فعله معه، ليؤدي وظيفته هذه، وجزء من هذه الوظائف تسبيح هذا الكائن، وتوحيده ربه، وانقياده له.
أما الموعظة، فهي أثر هذه الرؤى في سلوك المتقي واتجاهه نحو خالقه، وتجربته الدينية في تفاعله مع الكون، ولهذا اقتصرت الخشية على العلماء وحدهم.
(إنما يخشى الله من عباده العلماء).
mukhwagah@gmail.com ❍