مقال تحليلي للدكتور خالد الجابر: الشرق الأوسط نحو نمط جديد من الصراع يقوم على الاستنزاف

alarab
قطر اليوم 11 أغسطس 2026 , 01:23ص
هشام يس

يتجه الشرق الأوسط إلى ما يمكن أن نطلق عليه «النفق المغلق»، حيث تراجعت احتمالات الحسم العسكري أو التسوية السياسية لصالح نمط جديد من الصراع يقوم على الاستنزاف المستمر واتساع ساحات المواجهة.
ويرى الدكتور خالد الجابر، المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، أن الخطر الحقيقي ليس في استمرار التوتر، بل في أن يصبح الاستنزاف هو القاعدة، وأن يتحوّل غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي إلى واقع دائم في الشرق الأوسط.
وأوضح في مقال تحليلي نشره المجلس أمس، تحت عنوان «من الردع إلى الاستنزاف: كيف دخل الشرق الأوسط النفق المغلق؟» أن الفرضية التي سادت قبل أشهر قليلة، والقائلة بأن الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران ستفرز واقعاً جديداً إما بإجبار طهران على التراجع أو بفتح طريق نحو تسوية سياسية، قد انهارت تماماً. 
فبدلاً من ذلك، انزلقت المنطقة إلى حرب استنزاف مفتوحة بلا نهاية سياسية قريبة وبلا انتصار عسكري حاسم، تحولت فيها الضربات المتكررة إلى قاعدة يومية تشكل الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي، لا إلى حدث استثنائي عابر.
وأشار المقال إلى أن المعركة تجاوزت حدود إيران لتشمل دولاً عدة. فدول الخليج لا تزال مستهدفة، والعراق تحول إلى ساحة مفتوحة، والأردن دفع إلى مواجهة لم يشارك في اندلاعها، بينما وصلت الاستهدافات إلى مصر. وفي اليمن والبحر الأحمر اتسعت رقعة التصعيد لتحول الملاحة الدولية إلى واقع محاصر يرفع كلفة التجارة العالمية، مع بقاء مضيق هرمز ورقة ضغط إستراتيجية نظراً لمرور نحو خُمس استهلاك العالم من النفط ونسبة كبيرة من الغاز المسال عبره.
ويلفت الدكتور الجابر إلى أن المؤشر الأخطر ليس كثافة النيران بقدر ما هو اتساع عدد الجبهات. وأوضح أن واشنطن تتجنب الغزو البري لإيران في المرحلة الراهنة، مدركة أن كلفة إسقاط النظام قد تفوق كلفة بقائه، فيما تمتلك إسرائيل قدرة على توجيه ضربات دقيقة لكنها تظل عاجزة عن إنهاء التهديد الإيراني الذي يتجاوز المنشآت الثابتة ليشمل شبكة سياسية وعقائدية ممتدة. 
أما طهران، فيرى أنها لم تعد تسعى إلى انتصار بقدر ما تسعى إلى منع خصومها من الانتصار، عبر تحويل المنطقة بأسرها إلى ساحة استنزاف لا يستطيع أحد الحسم فيها أو الانسحاب منها.
ويحذر المقال من أن هذا النموذج، الذي تتقنه إيران، يقوم على توزيع كلفة الحرب على الجميع، لتصبح أسعار النفط وحركة الملاحة واستقرار الدول العربية جزءاً من معادلة الردع. ويؤكد أن الخطر الأكبر يكمن في تحول الحرب إلى حالة دائمة منخفضة الكثافة ومرتفعة الكلفة، يُعاد إنتاجها يومياً، مستذكراً تجارب تاريخية مثل فيتنام والعراق وأفغانستان وأوكرانيا، حيث بدأت الحروب بوهم السيطرة وانتهت بفقدانها.
وشدد الجابر على أن الشرق الأوسط لا يمتلك ترف هذا الاستنزاف، بعد أن قطع شوطاً في إعادة بناء اقتصاداته وتنويع مصادر دخله والتحول إلى مركز للاستثمار والطاقة والتكنولوجيا. فاستمرار الصراع يعني تحويل الموارد من التنمية إلى الدفاع، ومن الاستثمار إلى إدارة الأزمات، في خسارة لا تقتصر على المال بل تمتد إلى الزمن والمصداقية الدولية والفرص المستقبلية.
ويخلص المقال إلى أن المنطقة دخلت مرحلة أخطر من الحرب الشاملة، تتمثل في حرب لا تنتهي، لا غالب فيها ولا مغلوب، بل أطراف خاسرة. وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن السؤال لم يعد متى تنتهي الحرب، بل كم دولة أخرى ستُستدرج إليها، وكم عاماً سيمضي قبل أن يدرك العالم أنه أمام نظام إقليمي جديد يُدار بمنطق الاستنزاف الدائم.