عزوف عن الرقية الشرعية بعد تحولها لـ «بزنس» وتجارة
تحقيقات
11 أغسطس 2016 , 06:29ص
محمد سيد احمد
انتشرت في الآونة الأخيرة زيوت ومياه تصل أسعارها إلى آلاف الريالات، بدعوى أنها مواد «مرقية»، ولم يتسنَّ لأحد معرفة مصدر هذه المواد, ولأن الرقية هي أحد الوسائل المعروفة في المجتمعات العربية والإسلامية ومنها قطر، فقد تعددت وسائلها ودواعيها، ألا ان البعض اتخذ منها وسيلة لتحقيق مكاسب مالية كبيرة وتحقيق مآرب الثراء السريع «^» من جانبها استطلعت اراء عدد من العلماء والمشايخ حول هذه القضية الهامة .
ففي البداية قال الشيخ محمد حسن المريخي لـ «^» إن الرقية ثابتة في كتاب الله عز وجل وسنة النبي المصطفى «صلى الله عليه وسلم», وإن أولى دواعي الرقية الشرعية هي طرد العين أو الحسد, وورد في ذلك الآية القرآنية (وإن كاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون), فهذه الآية يبين فيها المولى عز وجل أن العين حق وأن الحاسد يصيب بعينه, وأن الإنسان عليه أن يذكر الله عز وجل إذا رأى ما أعجبه سواءً في نفسه أو غيره، ومثاله انبهار الإنسان في حال من أحوال أخيه كإشراقة في وجهه أو نعمةٍ أنعم الله عليه بها، فالواجب على المسلم ذكر الله سبحانه وتعالى والتكبير أو التسبيح.
واضاف انه من دواعي الرقية الشرعية الشعور بالضيق أو الاكتئاب، وللمسلم أن يرقي نفسه بالآيات القرآنية أو الأذكار المشروعة المتواترة عن النبي «صلى الله عليه وسلم» وكذلك الإنسان له أن يطلب التوفيق من الله عز وجل بالرقية الشرعية، كحال الإنسان الذي تعثر في العديد من المشاريع، أو أنه كلما طرق باباً وجده مغلقاً، فله في هذه الحال أن يرقي نفسه بذكر الله وتسبيحه وتمجيده، وكذلك فإن أذكار النبي «صلى الله عليه وسلم» الصباحية والمسائية رقية للمسلم وأثر له يحفظه من شياطين الإنس والجن. فالإنسان مأمور بالذكر والآيات والأحاديث والأوراد على نفسه وأهله حتى يحفظه الله سبحانه وتعالى، حيث إن الإنسان معرض لكل شر، فعليه قراءة القرآن الكريم يومياً من باب التحوط، وسورة الفاتحة والمعوذات على الأقل.
دون اشتراط مقابل
وحول استخدام الزيوت والمياه المرقية: قال الشيخ المريخي إن الإنسان له أن يرقي أخاه أو أن يذهب إلى أحد الصالحين فيطلب منه رقيته بالقرآن أو السنة، والزيت والماء المرقي من المندوب استعماله في الرقية وقراءة آية الكرسي أو الفاتحة أو خواتيم سورة البقرة عليها أو المعوذات والإخلاص.
وينبغي للإنسان أن يتأكد من الراقي الشرعي إذا ما كان أهل السنة وليس من أهل البدع، وألا يقدم على راقٍ لا يملك تصريحاً من وزارة الأوقاف، وألا يقبل أي قراءات أو كتابات أو حجابات أو طلاسم غير معروفة ومفهومة من أي راقٍ.
وأوضح أنه يجوز لمسلم أن يهدي أخاه المسلم زيتاً أو ماءً مرقياً من قبل راقٍ معروف ومؤتمن، ولا يجوز له بيعه عليه, وعلى المُهدي أن يتأكد من أن الماء أو الزيت مرقي بالقرآن والسنة قبل أن يهديه لأخٍ له في ضيقه أو مرضه، ولا مجال لبيعه وشرائه.
وحول المقابل المالي للرقية الشرعية، أوضح المريخي أنه يجوز للمرقي إذا أحب أن يهدي الراقي ثوباً أو مالاً عن طيب نفس، دون أن تكون ثمناً للرقية, وألا يطلب الإنسان المسلم ماءً مرقياً أو سواه بمقابل مادي.
كما بين أنه لا يجوز للراقي اشتراط مبلغ من المال مقابل رقيته يدفعه له المرقي، وعلى الراغب بالرقية أن يتأكد من أن الشيخ أو الراقي من أهل السنة وأنه يرقيه بنية الشفاء، مع اليقين بأن الله عز وجل هو الشافي المعافي، وبالتبرك بآيات الله البينات وبأدعية النبي المصطفى «صلى الله عليه وسلم».
بأي شيءٍ تكون الرقية؟
ومن جانبه أوضح الراقي الشرعي محمد مهدي الحمودي لـ «^» أهمية الرقية الشرعية، باعتبار أن أحد جوانبها عبادة لله سبحانه وتعالى بقراءة الأذكار والأوراد، واقتداءً بالنبي «صلى الله عليه وسلم» والصحابة من بعده رضوان الله عليهم أجمعين. والرقية جاءت بفعل النبي «صلى الله عليه وسلم» أو بإقراره أو بأمره. وللرقية منهجية واضحة تمثل أهميتها، أولها التزام سنة النبي «صلى الله عليه وسلم»، والأمر الثاني هو الحفاظ على العقيدة الإسلامية الصحيحة.
وفي إجابته على سؤال حول الوسائل المستخدمة في الرقية التي انتشرت في الآونة الأخيرة منها مياه وزيوت مقروء عليها من آيات القرآن الكريم أو أدعية، أجاب أن الرقية تكون بكتاب الله وبالأوراد الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبالأدعية المأثورة التي لا توسل فيها إلا لله سبحانه وتعالى وصفاته, وتابع الحمودي أنه يجوز قراءة القرآن بالماء أو زيت الزيتون أو العسل أو نحوه، وأن كل مادة يجوز شربها أو أكلها يجوز الرقية عليها.
رقية المريض
وتابع أن المريض تجوز رقيته بغرض الشفاء، وأنه تجوز كتابة الرقية بمداد الزعفران، ووضعها في الماء ليشربها المريض أو يغتسل بها، ولا مانع شرعي من اتباع تلك السنة الواردة عن بعض السلف الصالح.
وحول وجود عدد من الرقاة ممن يتصلون على المريض عبر ذويه ويقرؤون له على سماعة الهاتف، أو أن يتصل أحدهم ببرنامج تلفزيوني ويطلب من أحدهم أن يرقيه، أوضح الحمودي أن هذه كلها ليست رقية, وأن الأصل في الرقية أن تكون رقية مباشرة، أما الرقية الغيبية فليست كذلك، لأن الرقية يشترط فيها أن يكون المريض موجودا وأن يكون الراقي موجودا في مكان واحد، أما عن بعد فلا تسمى رقية بل تسمى دعاءً.
وحول مواضيع الرقية ودواعيها، وإذا ما كان التبرك والعلاج وطلب التوفيق من ضمنها، أوضح أن الراقي هو داعية إلى الله سبحانه وتعالى، يدعو الناس للتمسك بدين الله عز وجل والتمسك بسنة النبي «صلى الله عليه وسلم»، كما أنه مصلح اجتماعي يعالج المشاكل الأسرية أو البيتية أو نحو من ذلك, والراقي يتصدى للأمراض الروحية المعروفة من المس والسحر والعين، ويمارس دور المرشد النفسي وليس الطبيب النفسي.
وعدّد الحمودي تجارب لأشخاص لا يعانون من السحر أو المس أو العين، لكن لديهم عدد من المشاكل الاجتماعية أو النفسية تؤثر على سعادتهم واندماجهم في المجتمع والحياة، وحال حضورهم إلى الراقي وقراءة القرآن عليهم تحسنت حالتهم النفسية.
وبين أن الراقي والطبيب النفسي دورهما تكاملي لا تنافري ولا تنافسي، ففي بعض الأحيان يتناول الإنسان العقاقير الطبية ولا يستفيد، فيلجأ إلى الراقي فيستفيد، وعلى العكس منه ربما لجأ للراقي أياماً ولم يستفيد إلا عند اللجوء إلى الطبيب المعالج، وإعطائه الأدوية الموصوفة للحالة.
التبرع بالرقية
وحول ما انتشر مؤخراً كظاهرة بيع الزيوت والمياه المقروء عليها وبآلاف الريالات، أوضح الحمودي أن الأمر يتعلق بالتساؤلات التي تدور حول إذا ما كان للراقي أن يأخذ مقابلاً لرقيته، وأنه يجوز له كما ثبت في أحاديث الصحيحين وغيره من الأحاديث، فيجوز للراقي أن يشترط أجراً مقداراً محدداً، غير أن الرقاة في دولة قطر، ووفق الاتفاق بينهم وبين وزارة الأوقاف، يتبرعون بالرقية، فما جاءهم من غير طلب ولا اشتراط قبلوه.
ولفت إلى أن المبالغة الحاصلة من بعض الرقاة غير الشرعيين، ممن يشترطون مبالغ كبيرة ومرهقة، هذا فيه عدد من المخالفات، أولها استغلال حاجة الناس وإرهاقهم بالطلبات.
ونوه إلى أن الوسائل التي يتبعها الرقاة غير الشرعيين باتت واضحة للجميع، فالعسل الذي لا تتجاوز قيمة الكيلو منه 400 ريال، يباع عند بعضهم بخمسة آلاف ريال باعتباره عسلاً مرقياً.
وبين الحمودي أن الأصل في الإنسان المسلم أن ينفع أخاه المسلم بما يستطيع، ونصح الراغبين بالرقية للجوء إلى من عرف عنهم الرقية الشرعية الصحيحة، ولا يلجأ إلى المستغلين أو المخالفين أو من يتلبس بلباس الرقاة الشرعيين، كي لا يقع في براثن مشعوذ أو دجال أو نصاب.
كما أنه نصح المواطنين والمقيمين في دولة قطر بالاستعانة بأسماء الرقاة الشرعيين المعتمدين من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، وفق الكشف المتوفر للجميع، وأنها من المبادرات النافعة لعموم المسلمين في دولة قطر.
تحري الرقاة الموثوقين
وفي السياق ذاته أوضح الشيخ أحمد البوعينين أن الأصل في الرقية الشرعية أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه، لكن الإنسان في حالات معينة يحتاج من يرقيه، وأن الأولى أن يرقي الرجل الرجل وأن ترقي المرأة المرأة.
وأوضح أن هناك محاذير معينة، فالراقي إذا قرأ على امرأة عليها أن يصاحبها محرم، وأن تلبس لباسا ساترا.
وطالب البوعينين في ظل انتشار الرقية، أن يكون هناك مكان خاص بالرقية الشرعية، كالعيادة المختصة، بغية القضاء على ظاهرة المشعوذين والسحرة ممن يعملون في الخفاء, وأن يكون المكان عاماً ومقسوماً بين رجال ونساء، حتى يصبح أكثر راحة للزوار وللرقاة الشرعيين.
وأضاف أن وجود مكان مرخص من قبل الدولة ممثلة بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سيطمئن الزائر الراغب في الرقية إلى أن الموجودين من الرقاة الشرعيين، حيث إن الوزارة قننت الرقية حتى لا تداخلها أمور تشوبها, حيث يمارس الرقية ثلة من المتعلمين ممن لهم دراية ومعرفة بكتاب الله وسنة رسوله «صلى الله عليه وسلم».
وحول المقابل المادي للرقية الشرعية، وما يدفعه المرقيون، أوضح الشيخ البوعينين أن على الوزارة تخصيص راتب كافٍ ومقابل مادي لهؤلاء الرقاة، ممن خصصوا من وقتهم للرقية، ولا يقوم الراقي الشرعي بأخذ أي مقابل من الراغبين بالرقية الشرعية، لأنها قد تدخل في إخلاص النية للراقي.
وحول انتشار ظاهرة بيع المياه والزيوت والأطعمة المرقية بمبالغ مالية كبيرة، قال : إن على الراغب بالرقية أن يتحرى الثقاة من الرقاة، حتى لا يقع ضحية للدجل، وأن بإمكان المرقي أن يأخذ ماء أو زيتا مرقيا من مصدر ثقة كهدية أو أعطية وليس مقابل المال, وأن التحري فيها مطلوب.