واحة النفس

alarab
منوعات 11 أغسطس 2012 , 12:00ص
إعداد: الدكتور العربي عطاء الله
تعمل على توفير التواصل السريع المستمر ، ومساعدة أصحاب المشكلات على تجاوز هذه الصعوبات . كما أنها تهدف إلى زيادة الوعي النفسي والاجتماعي والتربوي من خلال تقديم المعلومات الصحيحة والحديثة والمتنوعة . وتتشرف صفحة واحة النفس بالاستفادة من ملاحظات وآراء القراء الكرام في دعم رسالتها ونجاحها . سيكولوجية مجاهدة النفس تتضمن مجاهدة النفس في عمل الواجبات وترك الانحرافات في المجالات الجسمية والنفسية والاجتماعية والروحية عمليتين رئيسيتين: تنشيط أفكار ومشاعر عمل الواجبات بإنفاذها، والتعود على أدائها، وإضعاف أفكار ومشاعر عمل الانحرافات، أو التقاعس عن الواجبات، بعدم التجاوب معها فتخبو وتنطفئ، وتقوم هاتان العمليتان على الأسس التالية: أ- معرفة النفس وقدراتها وميولها وطموحاتها ودوافعها وتبصيرها بواجباتها وحقوقها وسلوكياتها، وجوانب الضعف والقوة، فمعرفة الإنسان بنفسه تجعله قادرا على تقبلها والتعامل معها بواقعية، وتوجيهها إلى عمل ما يزكيها وينفعها، وإبعادها عما يفسدها وتكليفها ما تقدر عليه. ب- الإخلاص في أداء الواجبات: فالإخلاص عملية نفسية تنشط أفكار ومشاعر الصدق في العمل، والاستمتاع بأدائه، والرضا به، وتدفع إلى الدقة والتفوق. والفرق بين الرياء والإخلاص في أداء العمل، يكمن في الدافع لإتقان العمل، والحاجة إلى المراقبة، فالمرائي يعمل واجباته رغبة في الأجر والمديح والثناء، أو خوفا من العقاب والذم والتوبيخ، فإذا أعطي اجتهد وإذا منع تقاعس، وإذا شعر بالخوف من العقاب نشط في الأداء، وإذا أمن العقاب تراخى وأهمل. فالرياء عملية نفسية تتضمن أفكار ومشاعر الكذب، والنفاق، وعدم الثقة في النفس والناس، والمرائي لا يعمل من نفسه فهو في حاجة إلى مراقبة من الناس ومتابعتهم. والإخلاص عندما يكون لشرف المهنة وأخلاقياتها، لا يخلو من رياء ونفاق، ولا تسلم النوايا من شوائب الغش والخداع، فيخرج بعض العاملين على أخلاقيات مهنتهم، ويحنثون في قسمهم، ولا يحافظون على شرفها، ولا يقومون بواجباتها من أنفسهم، خاصة إذا أمنوا العقاب، أو كان في تعديهم على أخلاقها مكافأة أكبر من أجورهم الرسمية، وهذا ما يجعل الإخلاص للمهنة وشرفها في حاجة إلى مراقبة الرؤساء للمرؤوسين في كل المستويات. أما عندما يكون الإخلاص في العمل لله، فإن العامل يعمل في نفسه، ولا يحتاج إلى مراقبة من أحد، لأنه يشعر بمراقبة الله له في كل مكان في السر والعلن، ويخلص في أداء واجبات عمله، وينتظر الثواب من الله في الدنيا والآخرة. ج- عدم الإصرار على الخطأ والرجوع عنه: عند تقويم الجهود ومحاسبة النفس قد نكون موفقين فنحمد الله ونشكره، فبه تتم الصالحات، ونثابر في طريق النجاح، وقد نكون مقصرين في بعض الواجبات أو مرتكبين لبعض الأخطاء، فنتوب عنها ونرجع عنها، ونصلح ما ترتب عليها. والتوبة التي تعالج الذنوب، وتخفف التوترات، ليست كلمات تقال، ولا حركات تؤدى، لكنها إخلاص في النية على ترك الخطأ، وإقلاع فوري عنه، وعزم صادق على عدم العودة إليه، قال تعالى: {الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهو يعلمون*أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}. د- تقويم الجهود ومحاسبة النفس أولا بأول وتصحيح مساراتها في أداء الواجبات، فلا يجعل أداء واجب يمنعه من أداء الواجبات الأخرى، فلا تطغى واجبات العمل على واجبات الأسرة، ولا تشغله واجباته نحو نفسه عن واجباته نحو الناس، ولا يفرط في واجباته الجسمية، ويفرط في واجباته الروحية، ويتم تقديم الجهود ومحاسبة النفس في ضوء إمكاناتها وقدراتها. فمحاسبة الإنسان لنفسه وتقويمه لجهوده يوقفه على جوانب القوة والضعف والإفراط والتفريط في واجباته، فيصلح أمر نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون على أخطائه في الدنيا، وقبل أن يحاسبه الله عليها في الآخرة، قال سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم». الصحبة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتور كل عام وأنتم بخير، دكتور أنا تعبت من التفكير في اختيار الصحبة أريد أن تكون لي صحبة صالحة تعينني على الخير وتساعدني في حياتي، فكيف أجد هذه الصحبة، دلوني جزاكم الله خيرا. أخوكم/ مصطفى الإجابة و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته كل عام وأنت بخير، وأشكرك على تواصلك معنا. أخي مصطفى -حفظك الله ورعاك- اعلم أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكن أن يعيش بمفرده معزولا عن واقعه ومجتمعه، فالصحبة والرفقة مطلب نفسي لا يستغني عنه إنسان، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، ويحسن بنا اختيار الصداقة الطيبة الكريمة، وذلك لما للصديق والصاحب من تأثير واضح في شخصية المرء وأخلاقه، فالمسلم في هذا الشهر الكريم محتاج إلى الصحبة الصالحة التي تعينه على الطاعة وتعرفه على عيوبه وتقومه، وهذا ما أكده حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)؛ فيحتاج العبد إلى المؤمن الصادق التقي الذي يقتدى به، حتى يزيده صلاحا، وإن كان سيئا فاسقا جره إلى أماكن السوء والانحراف والهلكة. والصحبة الصالحة محتاج إليها العبد في رمضان وغير رمضان، ومحتاج إلى الجليس الصالح الذي يساعده على فعل الخير ويدله عليه، ومن أهم الوسائل التي تعين العبد على استمراره في جهاد نفسه: مصاحبة الصالحين والارتباط بهم والالتحاق بالمحاضن التربوية؛ ففيها يجد من يتعهده بالتربية والتكوين. فلا بد أخي من البحث عن هذه البيئة الصالحة، وحاول أن تسلك سبيل الصالحين، فقد روى أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبا، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا نتنة)، واسمع إلى قول الشاعر: صاحب أخا ثقة تحظى بصحبته فالطبع مكتسب من كل مصحوب كالريح آخذة مما تمر به نتنا من النتن أو طيبا من الطيب وبالله التوفيق. قد أفلح من زكاها لقد خلق الله سبحانه وتعالى في النفس الاستعداد للتقوى، والاستعداد للفجور، قال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} الشمس 7، 10. وعندما تترك النفس دون مراقبة وتقويتها بالإيمان والتقوى، فإنها ستطغى، ويكون طغيانها لا حدود له، وهذا يكون عائقا في وجه التغيير الذي نطمح إليه وهو تغيير ما بالنفس. ولو تأملنا في النفس البشرية نجد أن لديها القابلية للهداية والقابلية للفجور، فلا يولد شخص على ظهر الأرض إلا وفي نفسه الخاصية بل وتظل معه، وليس معنى أن أغلب الناس قد سار وراء هوى نفسه ورغبتها في الفجور أن تنعدم قابليتهم للهداية، ربما قد تضعف بمرور الوقت وطول الأمد وذلك نتيجة لقسوة القلب والبعد عن طريق الله تعالى، إلا أن هذا لا يعني عدم الرجوع إلى طريق الله تعالى والتوبة، فالله تعالى كما أنه يحيي الأرض بعد موتها، فإنه عز وجل يحيي القلوب كذلك، مصداقا لقوله تعالى: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} الحديد 17. طغيان النفس قد يكون عائقا في وجه التغيير، ولا يترك لها مجالا لاتباع طريق الإيمان والتقوى، ومعرفة الحق وحب الخير للآخرين، بل يكثر فيها الحسد والغل والفجور، ولو تأملنا في كتاب الله تعالى لوجدنا القصص القرآنية التي تتكلم عن طغيان النفس وفجورها، ويشخص لنا الحالات التي ابتعدت عن طريق الله، وتركوا نفوسهم دون تزكية حتى وصلت إلى درجة الطغيان، وهذه قصة سيدنا يوسف عليه السلام وماذا فعلت النفس بإخوته حينما أرادوا أن يقتلوه ويخلو لهم وجه أبيهم، قال تعالى: {وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} يوسف 18. وكذلك في قصة السامري، عندما سولت له نفسه الأمارة بالسوء {قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي} طه 95، 96. وقد ذكر لنا القرآن الكريم قصة ابني آدم، فهما أخوان شقيقان تربيا في نفس البيئة، لكن أحدهما ألجم نفسه بلجام الخوف من الله عز وجل، والآخر تركها دون هذا اللجام فألجمته وأسرته ثم أرغمته على قتل أخيه انتصارا لها وتحقيقا لرغباتها، فأطاعها يقول الله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين*فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} المائدة 30، 31. وأفضل علاج لطغيان النفس وخطورتها هو الإيمان، فالإيمان مفتاح لكل خير، وهو مفتاح النجاح، ويعمل على تغيير ما بالأنفس ويوجهها إلى طريق التقوى ويبعدها عن طريق الفجور، والإيمان بداية الحل لأي مشكلة، والقرآن الكريم يبين لنا على أن الإيمان والتقوى هما طريق الفلاح والنجاح والطريق الذي يقف أمام طغيان النفس وخطورتها، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا*يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} الأحزاب 70، 71. ويقول تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا*ويرزقه من حيث لا يحتسب} الطلاق 2، 3. إن العمل على زيادة الإيمان في القلوب هو الحل لكثير من المشكلات، ففي ظل الأجواء الإيمانية تذعن القلوب لداعي العفو والتسامح، والتغاضي عن الهفوات، فالإيمان يصنع المعجزات ويروض النفوس المستأسدة، وفي مثل هذه الأجواء الإيمانية يصبح الإنسان هو الذي يقود نفسه، وليست النفس هي التي تقوده، عند ذلك ستتغير الدوافع، وتنتهي الكثير من المشاكل تلقائيا دون مواجهات، ويستطيع الإنسان أن يغير ما بنفسه، وتحويل الأجواء المحيطة إلى أجواء صحية يسعى فيها الجميع إلى مرضاة الله تعالى.